أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد سليمان - بين القرار والمجتمع: لماذا أصبحت المراجعة ضرورةً سياسية؟














المزيد.....

بين القرار والمجتمع: لماذا أصبحت المراجعة ضرورةً سياسية؟


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 04:48
المحور: المجتمع المدني
    


لم تعد الإشكالية المطروحة اليوم مرتبطة بسوء أداءٍ هنا أو قرارٍ خاطئٍ هناك، بل بطبيعة المسار العام الذي أُديرت به المرحلة الأخيرة. فحين تمتد إدارة الأزمات لتتحول إلى نمط حكمٍ دائم، يصبح الخلل بنيوياً لا ظرفياً، وتغدو المراجعة السياسية ضرورةً وطنية لا ترفاً نقدياً. عند هذه النقطة تحديداً، لا تعود العموميات كافية، لأن السياسة ليست خطاباً إنشائياً، بل ممارسةً يوميةً تترك آثارها المباشرة على حياة الناس وثقتهم بالدولة.

تعود جذور هذا الخلل إلى الإعلان الدستوري نفسه، الذي قُدِّم بوصفه إطاراً انتقالياً، لكنه بدا في بنيته وصياغاته أقرب إلى نصٍّ دائمٍ منه إلى وثيقةٍ مؤقتةٍ محدودة الأجل. فإعداده ضمن دائرةٍ ضيقة، وغياب نقاشٍ عامٍّ واسع حوله، وافتقاره إلى سقفٍ زمنيٍّ واضح وآلياتٍ ملزمة للانتقال إلى دستور دائم، كلها عوامل تثير مخاوف مشروعة من تكريس مرحلة انتقالية مفتوحة تتحول تدريجياً إلى واقعٍ مستقرٍّ بحكم الأمر الواقع. في التجارب المقارنة، الدساتير الانتقالية تُصمَّم كجسورٍ لا كمساكن دائمة؛ وإذا تحوّل الجسر إلى إقامةٍ طويلة، تفقد فكرة الانتقال معناها، وتتحول المرحلة المؤقتة إلى صيغة حكم بلا تفويض شعبي مباشر.

على مستوى الممارسة اليومية للسلطة، برزت مجموعة أخطاء لا يمكن تجاهلها. أولها مسألة الفساد، وعلى رأسها ظاهرة توظيف الأقارب في المؤسسات العامة. تقارير صادرة عن منظمة الشفافية الدولية خلال السنوات الماضية تضع سوريا ضمن الدول ذات المؤشرات المرتفعة جداً في الفساد البنيوي. هذا النمط من المحسوبية لا يضرب مبدأ الكفاءة فحسب، بل يخلق شعوراً عاماً بانعدام تكافؤ الفرص، ويحوّل الدولة من مؤسسة عامة إلى شبكة علاقات مغلقة. وفي مجتمعات خارجة من نزاع طويل، يُعدّ تفكيك هذه الشبكات شرطاً أساسياً لبناء الثقة، لا تفصيلاً إدارياً يمكن تأجيله.

ثاني هذه الأخطاء يتمثل في التوسع في التدخل في الشؤون الشخصية للمواطنين. حين تنتقل السلطة من تنظيم المجال العام إلى مراقبة أنماط الحياة وفرض معايير أخلاقية فضفاضة، فإنها تخلط بين ما هو عام وما هو خاص. الفلسفة السياسية الحديثة تميز بوضوح بين المجالين، لأن كرامة الفرد وحقوقه مرتبطة بقدرته على اتخاذ قراراته الشخصية ما لم يعتدِ على حقوق الآخرين. هذا الخلط يفتح الباب لاستنسابٍ خطير، ويحوّل القانون من أداة تنظيم إلى أداة وصاية.

ثالثاً، تفاقم الجشع لدى بعض التجار والتلاعب بالأسعار في ظل ضعف الرقابة الفعلية. في اقتصادٍ متدهور، تصبح السوق بيئةً خصبة للاحتكار. تقارير البنك الدولي حول الاقتصادات الهشّة تشير بوضوح إلى أن غياب الشفافية وضعف المؤسسات الرقابية يؤديان إلى تشوهاتٍ سعريةٍ حادة، يدفع ثمنها المستهلك الأضعف. وتزداد هذه المشكلة حدّةً مع تكرار الإعلان عن مشاريع اقتصادية كبرى من دون تقديم بياناتٍ واضحة حول مسارها، تمويلها، أو آليات مراقبتها، ما يجعل الاقتصاد ساحة وعودٍ إعلامية لا خطة إنقاذ قابلة للتقييم.

رابعاً، تداخل العلاقة بين بعض المؤسسات الحكومية والنقابات المهنية. في النظرية الديمقراطية، النقابة كيان مستقلٌّ يدافع عن مصالح أعضائه. لكن حين يتحول مسؤولو النقابات إلى فاعلين سياسيين متصدرين للفضائيات، بينما تعاني النقابات التي يديرونها من الاحتكار والعجز وضعف التمثيل، تُفرغ الوظيفة النقابية من مضمونها. هذا التداخل يربك الفصل بين المجتمع المدني والسلطة التنفيذية، ويحوّل النقابات من أدوات ضغطٍ اجتماعي إلى أذرع سياسية.

خامساً، التراجع الواضح في ملفات العدالة الانتقالية. فالعدالة الانتقالية ليست شعاراً عاطفياً ولا مادة خطابية، بل منظومة متكاملة تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. تجارب دولية موثقة في تقارير الأمم المتحدة تؤكد أن تأجيل هذه الملفات أو تفريغها من مضمونها يرسّخ الإفلات من العقاب، ويؤجل المصالحة المجتمعية بدلاً من تمهيد الطريق لها.

سادساً، ما سُمّي بمدونة السلوك، التي قُدّمت على أنها مطروحة للنقاش العام، في حين بدا أن قراراتها مبرمجة سلفاً. الإشكال هنا ليس في مبدأ التنظيم، بل في الصياغات الفضفاضة التي يمكن استخدامها لاحقاً للتضييق على الصحفيين والكتّاب. قوانين الإعلام الحديثة تقوم على حماية حرية التعبير مع مساءلة دقيقة ومحددة، لا على عبارات مطاطة مثل “الإضرار بسمعة الدولة” القابلة للتأويل السياسي.

وأخيراً، انتشار التخويف بالملاحقة تحت بند الجرائم الإلكترونية. هذه القوانين وُجدت أصلاً لمكافحة الاحتيال والابتزاز والاختراق، لكن استخدامها لملاحقة الرأي أو النقد السلمي يحوّلها إلى أداة ردع سياسي، ويقوّض المجال العام الرقمي الذي أصبح في المجتمعات المعاصرة ساحةً مركزية للنقاش المدني والمساءلة.

المحصلة أن المشكلة لا تكمن في وجود قوانين أو مؤسسات، بل في طريقة تصميمها وتطبيقها، وفي العقل السياسي الذي يديرها. الدولة القوية لا تخشى النقد، بل تعتبره جهاز إنذارٍ مبكراً يمنع الانهيار. أما الدولة التي ترى في كل صوتٍ مستقلٍّ تهديداً، فإنها تُراكم هشاشتها بيدها. من هنا، فإن مسؤولية اللحظة السورية لا تكمن في إدارة الأزمة، بل في الشروع بإصلاح المسار: دستورٌ تشاركي، مؤسسات خاضعة للمساءلة، اقتصاد شفاف، وعدالة لا تُؤجَّل، لأن تأجيلها ليس حياداً… بل موقف.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العدالة الانتقالية في سوريا: بين التسويات المالية واستياء ال ...
- نحو آلية قانونية واضحة تضمن عودة آمنة ومستقرة للمعارضين والن ...
- الكونغرس مطالب بقانون يحمي سوريا من الإرهاب وداعميه
- مدينة تؤازر إخوتها… الرقة
- موقف شعبي في مصر ضد حالة عنصرية بحق عائلة سورية
- أسطورة التحرير الوهمي والاستعصاء الميليشيوي: الوظيفة انتهت
- دولة المواطنة تمنح الخصوصية للجميع: لا امتياز منفرد ولا سلاح ...
- الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا
- الإتفاق غير مطمئن: ترتيب أمني مع مليشيا مزدوجة المهام وحدود ...
- اتحاد الكتّاب بين الشرط المهني وسلطة الوصاية
- ما بعد الحرب في سوريا: السيادة، الموارد، الأمن المجتمعي، وال ...
- سوريا تلغي آثار إحصاء 1962 وتمنح الجنسية للسوريين من أصول كر ...
- الأطفال في سجون قسد: حين يتحوّل الأمن إلى جريمة مكتملة الأرك ...
- الحرب الليزرية الأولى
- قضية غرينلاند: السيادة في زمن المال والقطب المتحوّل
- من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK
- ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم
- بخصوص ما يُشاع عن مجزرة: أين صور الجثث؟ وأين الوثائق؟
- انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناه ...
- التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني ...


المزيد.....




- عاصفة إبستين في بريطانيا.. اعتقال ماندلسون وأستراليا تؤيد شط ...
- الأمم المتحدة تؤكد مقتل 13 مدنيًا في غارات جوية باكستانية عل ...
- سفير بريطانيا السابق رهن الاعتقال على خلفية علاقته بإبستين
- إصابة ضابط إسرائيلي في حادث اصطدام شاحنة قرب نابلس واعتقال ف ...
- اعتقال السفير البريطاني السابق لدى واشنطن بيتر ماندلسون على ...
- إسرائيل تدرس إعادة العمل بعقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين فقط ...
- غوتيريش من جنيف: حقوق الإنسان تتعرض لهجمة واسعة عالميا
- فنزويلا تطالب أمام الأمم المتحدة بالإفراج الفوري عن نيكولاس ...
- غريب آبادي: سنمارس حقنا الأصيل في الدفاع عن النفس بموجب ميث ...
- مجلس التعاون الخليجي يدعو العراق لسحب قائمة الإحداثيات والخا ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد سليمان - بين القرار والمجتمع: لماذا أصبحت المراجعة ضرورةً سياسية؟