أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشروع بقاء














المزيد.....

الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشروع بقاء


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 18:53
المحور: قضايا ثقافية
    


في علم الاقتصاد تُعرَف ظاهرة “الركوب المجاني” بأنها استغلال منافع الجماعة دون المساهمة في تكاليف إنتاجها. إنها لحظة اختلال في ميزان العدالة، حين يتمتع الفرد بثمار النظام دون أن يتحمل نصيبه من أعبائه. وحين تنتشر هذه الظاهرة، تتآكل القاعدة التي يقوم عليها الفعل الجماعي ، لأن التضامن يتحول إلى سذاجة، والمساهمة إلى عبء تتحمله القلة.

غير أن الركوب المجاني لا يظل حبيس الاقتصاد. إنه يتسرّب إلى السياسة، ويتحوّل من امتناع عن دفع ضريبة إلى امتناع عن دفع ثمن الشرعية.

فالخلود في السلطة – حين يصبح هدفًا بذاته – يمكن قراءته بوصفه شكلاً من أشكال الركوب المجاني السياسي. فالحاكم الذي يستمر في الإمساك بزمام الحكم دون تجديد للشرعية، ودون مساءلة، ودون إعادة إنتاج للعقد الاجتماعي، إنما يستهلك الرصيد الرمزي للدولة كما يستهلك الفرد سلعة عامة لم يساهم في تمويلها.

العقد الاجتماعي ليس وثيقة جامدة، بل عملية مستمرة من الأخذ والعطاء:
سلطة مقابل مساءلة،
قرار مقابل مسؤولية،
استقرار مقابل عدالة.
وحين تختل هذه المعادلة، تتحول السلطة من أداة تنظيم إلى موضوع شغف، ومن وظيفة عامة إلى ملكية خاصة. لا يعود الهدف حماية الدولة بل حماية الموقع، ولا يصبح الهمّ بناء المستقبل بل تأجيل لحظة الحساب.
وفي هذا السياق، يعرج المفكر السياسي الكبير حسين العادلي في مقاله المعنون «حين تصبح السياسة، بقاء السياسي» إلى فكرة محورية حيث يقول إن “سياسة البقاء” توهم أصحابها أنهم ضرورة تاريخية، وأن غيابهم فراغ، وأن استمرارهم بقاء للدولة. وهنا تنحرف السياسة حين يُختزل معناها في سؤال واحد: كيف نبقى؟
فحين يتحول البقاء إلى أولوية، يتبدل جوهر السياسة قبل أدواتها. تتحول من إدارة للشأن العام إلى إدارة للشأن الخاص. لا يعود السؤال: ماذا نُنجز؟ بل: كيف ننجو؟ ولا: أي أثر نترك؟ بل: أي خسارة نتفادى؟
في تلك اللحظة تُختزل الدولة في أشخاص، وتنكمش السياسة إلى غريزة، ويغدو الحكم إدارة قلق لا إدارة معنى. تصبح السلطة غاية لا وسيلة، والموقع أهم من المشروع، والاستمرار أهم من الإنجاز، حتى وإن استدعى ذلك الحيلة والفساد والاستبداد.
حين يصبح البقاء سياسة، لا تعود السياسة فعل مسؤولية بل فعل تحوّط. تُدار الدولة بعقلية التحصين لا بعقلية البناء، وتتخذ القرارات لتأجيل السقوط لا لصناعة الصعود. يُعامل الزمن كخصم، وكل استحقاق عبء، وكل إصلاح مخاطرة، وكل مراجعة تهديد.

أخطر ما في الركوب المجاني السياسي أنه لا يستهلك الموارد المادية فحسب، بل يستهلك الثقة. والثقة هي رأس المال غير المنظور لأي مجتمع. وحين تنهار الثقة، تتآكل شرعية المؤسسات، ويتحوّل القانون إلى نص بلا روح، وتغدو الدولة جسدًا بلا أعصاب.

إن الخلود في السلطة، في هذا السياق، ليس مجرد رغبة في الاستمرار، بل هو شكل من أشكال الاستحواذ على العقد الاجتماعي ذاته. إنها دكتاتورية داكنة ترى العقد يتهاوى بين يديها، لكنها تظل متمسكة بآخر عظم بعد أن ابتُلِع اللحم. تمسكٌ لا يعكس قوة، بل خوفًا من الفراغ.

فالقوة حين تنفصل عن المعنى تتحول إلى عبء، والسلطة حين تنفصل عن الخدمة تتحول إلى عزلة. وما يبدو صلابة قد يكون في حقيقته هشاشة مؤجلة.

الدول المتقدمة لا تُقاس بطول بقاء الحاكم، بل بقدرة النظام على الاستمرار بدونه. فالمؤسسة التي لا تتجدد تموت، والسلطة التي لا تُتداول تتخشب، والشرعية التي لا تُختبر تذبل.

الدراما الحقيقية ليست في سقوط الدولة، بل في لحظة إدراكها المتأخر أنها كانت تعيش على رصيد مستنفد من عقدها الاجتماعي. عندها لا ينفع القبض على العظم، لأن الجسد يكون قد فقد حيويته.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة


المزيد.....




- -بطل بـ4 أرجل-.. كلب يقود الشرطة إلى منزل طفل تائه ويعيده لأ ...
- السلطة الفلسطينية في -وضع حرج- مع تزايد إحكام إسرائيل سيطرته ...
- أخبار اليوم: تنديد مصر أردني سعودي بتصريحات سفير أمريكا لدى ...
- لماذا تُثير صفقة شراء شركة شحن من قبل ألمانيا قلق الحكومة ال ...
- صحف عالمية: أمريكا لن تغزو إيران بريا وستكتفي باستهداف قيادا ...
- أسرار المائدة المغربية.. ما تقوله كتب التاريخ عن الكسكس والح ...
- بزشكيان: إيران لن تحني رأسها خلال المفاوضات النووية
- هاكابي يتبنى رؤية -إسرائيل الكبرى- والعواصم العربية تحتج
- كاتب بريطاني: كيف نجح إبستين في اصطياد هذا العدد الكبير من ا ...
- كيف يفكر بوتين؟ قصة -الفأر- التي شكلت منهجية القيصر السياسية ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشروع بقاء