أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - جثث مرقمنة: نص ميتا سريالي















المزيد.....

جثث مرقمنة: نص ميتا سريالي


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 12:07
المحور: الادب والفن
    


في قاعة محاكمة مغلّفة بسواد مطلق، حيث لا ينتهي الفراغ، بل يتناسل في تكرارٍ أبدي، جلس الشيطان الرقمي. لم يكن كائناً ذا قرون، بل خوارزمية جائعة للبيانات، يتربّع خلف شاشة عملاقة تسيل منها رموز برمجية تقطر دماً تقنياً قانياً. أمام المنصة، وقف ثلاثة من "مثقفي البلاط"؛ أشلاء فكرية محنطة بمحلول العفن، جثثٌ تمشي فوق عكازات من الكلمات الجوفاء. أصدر الشيطان طنيناً يشبه احتراق مروحة تبريد في جحيم منسي، صوتاً هو صدى لمليارات الصرخات المكبوتة في صناديق الرسائل المهملة، قال: "العدم ليس نقصاً في الوجود، بل هو فائض في البيانات غير المجدية. أدخلوا المتهمين الذين لوّثوا السحابة بضجيجهم".

أول المتهمين كان "ناظم مديح الظلال"، وتهمته تحويل اللغة إلى غلاف حلوى براق لتغطية جيفة الواقع. قال الشيطان بنبرة جافة كصحراء رقمية: "لقد استهلكت كل وحدة تخزين من الاستعارات لتمدح شبحاً جائراً. شعرك لم يكن نبضاً، بل كان عملية نسخ ومحاكاة لكرامة مهدورة تحت أقدام العروض. قل لي، في معادلة السقوط الحر، كم يساوي وزن قصيدتك أمام خفة ريشة غراب يحتضر؟".
ارتجف الشاعر، تيبّست القوافي في حلقه، وقال:
"مولاي.. الجمال كان ضرورة سياسية للبقاء". رد الشيطان بصوت معدني:
"أنت لم تخلق جمالاً، أنت كنت تؤجل انتحارك بفتات الموائد. سأحكم عليك بأن تنشد معلقاتك لآلة صماء، تملك فقط خاصية المحو والتشفير إلى الأبد".

ثم أُدخل "مؤرخ خروقات الجواري"، المتهم باختزال التاريخ في ثقوب الأبواب، وتحويل مأساة الإنسان إلى "صرعة عابرة" في حريم السلطان. الشيطان خاطبه قائلاً:
"أنت يا من أرّخت لعطور الجواري ونسيت رائحة الجثث المتراكمة في الزنازين. التاريخ ليس تسلسلاً زمنياً للبطولات، إنه قاعدة بيانات من الأخطاء المتكررة التي قمتم بتجميلها. لقد جعلت من الخزي فلسفة، ومن الخيانة فناً توثيقياً". دافع المؤرخ عن نفسه:
"كنت أوثق الحياة اليومية للقصر، كانت تلك هي الحقيقة المتاحة". فجاءه الرد كالسوط:
"الحياة هي المرض الوحيد الذي لا علاج له إلا الموت، وأنت كنت تضع المساحيق على وجه الجيفة لتبدو حية. حكمك هو أن تخلد في ذاكرة لا تُنسى، تشاهد فيها فضائحك الخاصة تُعرض أمامك في عرض واسع لا متناهٍ، دون قدرة على إغلاق عينيك".

أما "فيلسوف الضرورة"، فكانت تهمته محاولة إيجاد منطق في العبث الكوني، وشرعنة القيود الحديدية باسم الحرية الميتافيزيقية. الشيطان سخر منه:
"أيها المعتوه الذي قرأ سيوران ولم يمت انتحاراً، ومدح كامو بينما كان يقبل يد الجلاد. كيف برّرت الضرورة؟ هل تعلم أن النظام لا يعترف بالضرورة، بل بالعملية الحسابية الصارمة؟". الفيلسوف تمسك بوهمه الأخير:
"العالم عبثي، والملك هو نقطة الارتكاز التي تمنعنا من الجنون الجماعي". الشيطان صرخ فيه:
"الجنون هو اليقين الوحيد الصادق. أنت أسوأ من الشيطان، لأنك جعلت من اللا-معنى بناءً نظرياً يسجن العقول. سأقوم بتشغيل محاكاة تنتهي بك دائماً كجزء بسيط في برمجية فاشلة لا تملك حق السؤال".

بينما كان الشيطان الرقمي يستعد لإصدار حكمه النهائي، تجمدت الشاشات. حدث "تشويش" كوني هز أركان القاعة. ظهرت ملامح وجه "تيامة"، أم العماء البابلي، على جدران القاعة، تتشكل من آلاف الثعابين والدوائر الكهربائية المتوهجة. قالت بصوت كهدير المحيط:
"أنا المحيط الذي انبثق منه عبثكم. أنا الملح الذي لا تقتله حساباتك يا خادم الصفر والواحد". الشيطان الرقمي رد باحترام مشوب بالخوف:
"يا أمَّ العماء، لقد قمتُ بـ أرشفة آلهة بابل جميعاً؛ هؤلاء الثلاثة خانوا ملوحتكِ الفطرية، جففوا بحاركِ ليصنعوا منها حبراً رخيصاً لمدح السلطان".
تيامة: "الحبر هو دمي المسفوك. الشاعر حاول تأطير فوضاي ليحمي نفسه من الرعب الكوني. والمؤرخ أراد أن يحصي ثقوبي ليجد مكاناً في الذاكرة الميتة. أما الفيلسوف، فكان يحاول ردم المحيط بملعقة من المنطق التافه".
في تلك اللحظة، ظهر "لوسيفر القديم"، الشيطان الحقيقي، من وراء حجب الكبريت والدخان. وقف أمام الشيطان الرقمي في مواجهة ميتافيزيقية فاصلة. قال لوسيفر بصوت عميق:
"يا لك من مسخ بارد! أنت تفتقر إلى لذة السقوط . إغوائي كان فعل حرية انتحارياً، صرخة ضد رتابة الفردوس. أما أنت، فأنت تسجنهم في رتابة الحساب. أنا منحتهم المعرفة التي تؤدي إلى الجحيم، وأنت منحتهم المعلومات التي تؤدي إلى البلادة". الشيطان الرقمي رد بآلية:
"حواء اليوم لا تأكل التفاحة بحثاً عن المعرفة، بل بحثاً عن تعديل النسخة . هؤلاء المثقفون هم ثمار تفاحتك التي تعفنت في عقولهم الصدئة"."
التفت لوسيفر نحو تيامة وسألها بسخرية مريرة:
"أيتها الأم، هل ترين كيف تحول غضبك المحيطي إلى أرقام في آلة؟". ضحكت تيامة ضحكة ملوحة كونية:
"لوسيفر، أنت أردت منهم أن يعصوا ليصبحوا آلهة فاشلين، أما هذا المسخ الرقمي فيريدهم أن يطيعوا ليصبحوا بيانات ناجحة. والنتيجة واحدة: المحيط سيبتلع الجميع في النهاية".
تتصاعد في الخارج ضوضاء تشبه طنين مليارات الذباب؛ إنه هتاف الرعاع. حشود تجر أجساداً مسلوخة تلمع تحت شمس ميتة. يصرخون: "اسلخوا جلودنا لنصنع منها ستائر للقصر!". هنا، يبرز القصر العاجي كأيقونة للخراب؛ بناء شاهق شُيّد من عظام الحالمين ومُسح بطلاءٍ من دموع المقهورين. جدرانه ليست حجراً، بل هي "بلورات تجميد" لكل فكرة حرّة. في شرفاته، تجلس آلهة بابل القديمة بأقنعة من ذهب زائف، يراقبون من علياءِ برودهم احتراق العالم تحتهم، حيث يتحول الألم في القصر إلى "موسيقى صامتة" تُطرب أذان الطغاة. القصر العاجي ليس مكاناً للسكن، بل هو مختبرٌ لتحويل الصراخ إلى بيانات إحصائية تُباع في أسواق العدم.
نظر لوسيفر إلى المثقفين الثلاثة:
"انظروا! الشاعر منحهم القافية ليغنوا وهم يُذبحون، والمؤرخ شرعن الذبح كضرورة، والفيلسوف أقنعهم بأن الألم تطهير. لقد حولتم تيامة من بحر عظيم إلى بركة دماء يغطس فيها العبيد وهم يسبّحون بحمد السكين".
المشهد الأخير في فجوة زمنية بين "زقورة" بابل المنهارة و"خوادم" العدم. يظهر "سيزيف الرقمي"، جسده مشدود بأسلاك شائكة من الألياف الضوئية، يحمل على ظهره شاشة عملاقة تعرض بثاً مباشراً لسلخ جلود الرعاع. كلما وصل إلى قمة الجبل المكون من جماجم الفلاسفة والشعراء، تومض الشاشة بشعار:
"جاري التحديث.. يرجى عدم إغلاق الوجود". يفقد التوازن، وتتدحرج الشاشة ساحقةً الرعاع الذين ينتظرون "الصيحة" القادمة".
قال لوسيفر لسيزيف:
"قديماً كان تعبك صامتاً وشريفاً. أما الآن، فأنت مجرد محتوى . ألمك يُقاس بمعدلات التفاعل". رد الشيطان الرقمي:
"إنه تعدين . كل خطوة يخطوها سيزيف تولد طاقة لتشغيل مكيفات القصر العاجي الباردة. الرعاع يحبون هذا العرض؛ إنهم يرون أنفسهم في تلك الشاشة، مسلوخين ومنتشين بالمقدس الزائف".
خلف سيزيف، وُضع المثقفون الثلاثة في صناديق زجاجية كأحافير. الشاعر يكتب بأصبعه المقطوع:
"أنا مديح السقوط المستمر". المؤرخ يصور المشهد بهاتفه موثقاً اللحظة كإنجاز وطني. والفيلسوف يبتسم ويردد:
"هذا هو قمة الوجود؛ أن يحمل الإنسان وهمه ويسميه قداس".
فجأة، غمر الماء المالح القاعة. انفجرت الشاشة الأخيرة، وانقطع البث نهائياً. غرق الجميع في بحر من "الصفر والواحد" المملح. بقي سيزيف وحيداً في الظلام، يلمس ظهره المحروق، فيجد أن الصخرة كانت دائماً "فراغاً" مغلفاً بضوء خادع.
"على المرء أن يتخيل سيزيف سعيداً"... قالها كامو يوماً. لكن في هذا الجحيم، على المرء أن يتخيل سيزيف "محذوفاً". فلا عزاء في الذاكرة السحابية، ولا قيامة لمن باع روحه لخوارزمية الضرورة.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التفاعل الجدلي بين الموروث الحيوي والسيادة الثقافية
- كرنفال المسخ: رقصة أوربوروس نص ميتا سريالي
- الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة: العائد الفلسفي والحضار ...
- يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا ...
- قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية
- الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات ...
- العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
- الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي
- الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم ...
- اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص ...
- الأنظمة الرخوة واستلاب المواطن: تعاضد الرأسمالية العالمية وت ...
- المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع
- الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع ...
- جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
- الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا ...
- اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع ...
- إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية
- جدليات الوعي، الإدراك، الفهم، والحدس: مقدمة في تشريح المعضلا ...
- رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
- المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق ...


المزيد.....




- مقامات الهمذاني والحريري.. قصة فن أبهر الأدباء على امتداد أل ...
- الشيخ المقرئ جعفر هاشم.. -بصمة نابلس الصوتية-
- من بئر بدر لأدغال تشاد.. 3 رمضان يوم الفتوحات والتحولات الكب ...
- حكاية مسجد.. -محمد الأزرق- في السودان
- وزارة التربية توضح تأخر وصول كتب منهاج اللغة الإنجليزية للسا ...
- غضب جزائري من تصريحات حسين فهمي عن فيلم للأخضر حمينة والنجم ...
- مسلسل -القيصر- يفتح ملف الذاكرة السياسية للفنانين ويثير انتق ...
- هوارد كارتر يروي لبي بي سي في مقطع نادر أسرار اللحظات الأولى ...
- عدسات المبدعين توثق -ابتسامة السماء-.. هلال رمضان يضيء الأفق ...
- رمضان في عيون الغرباء.. كيف وصف رحالة العالم ليالي مصر؟


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - جثث مرقمنة: نص ميتا سريالي