|
|
ما بعد ميونخ: الدبلوماسية الحكيمة في مواجهة الحرب
إبراهيم اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 07:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ما بعد ميونخ: الدبلوماسية الحكيمة في مواجهة الحرب
إبراهيم اليوسف بدأت ملامح مرحلة سورية مختلفة تتشكّل في لقاء ميونخ، عقب لقاء جرى بإشراف دولي مباشر، وبحضور أمريكي واضح، ووساطة فرنسية، وبدور فاعل لإقليم كردستان، لقاء هدفه الأول المحدّد: إيقاف دوامة حربٍ كانت تقف على الأبواب. ما حدث هناك جاء نتاج حركة دبلوماسية وضع أسسها إقليم كردستان، لتتم الترتيبات الكاملة لتدخل سياسي استباقي أُريد به إغلاق الخيار المدمر الذي كانت تُدفع إليه البلاد، خيار صدام واسع جرى التحضير له بعناية، عبر التحريض الإعلامي، وتحريك البنى الهشّة، وإعادة ضخّ خطاب الكراهية في الجسد السوري. تجنباً لوقوع انفجارٍ، كان سيطال جميع السوريين، بلا استثناء. مقدمات نشوب الحرب التي سبقت ميونخ كانت كفيلة بإعادة إنتاج الاقتتال، إذ جرى النفخ في نار المواجهة بين عرب سوريا وكردها، عبر تحريك بعض أبناء القبائل الذين سبق لبعضهم أن كانوا أدوات تركية أو إيرانية أو تابعة للنظام السوري السابق، ناهيك عن استدعاء وتفعيل بقايا تشكيلات داعش، وإعادة تدوير الفصائل الإرهابية، إذ تم كل ذلك، بالتوازي مع تسخير منصّات إعلامية اشتغلت على صياغة سرديات جاهزة، سرديات حوّلت الخطب النارية التأجيجية من وظيفتها الكراهوية إلى ديناميت حربي، عبر ترجمة الخبر إلى أوار، والاختلاف الطبيعي الذي يشكل غنى إلى مشجب و ذريعة اقتتال. في وسط هذا المناخ المشحون، بدا أن هناك من قرّر استثمار أجواء الرعب والخوف، واستفزاز الذاكرة المجروحة عبر منحها فرصة لإشعال جولة جديدة من الدم. هنا تماماً، ظهرت مساع دولية أخذت تظهر، تترى، على أنساق مختلفة متكاملة، في أداء مهمة كانت تبدو مستحيلة، لأول وهلة. مساعٍ ارتكزت على نوى ودور إقليم كردستان، وعلى جهد سياسي قاده الرئيس مسعود بارزاني وترجمه الرئيس نيجيرفان بارزاني، ببراعة، جهد اشتغل عبر محاولة إطفاء ألهبة النفوس والساحات والمساحات الساخنة، وعلى إعادة الاعتبار للشراكة، أو تفعيل فكرة الشراكة السورية باعتبارها ضرورة سياسية، على ضوء كل ما تم، لا كمحض شعار ظرفي، يُلجأ إليه- موسمياً- كي يرفع عند الحاجة، فحسب. هذا الخيار لم يكن في عمقه بعيداً عن تعقيدات الميدان، حيث نُكثت الهدنات التي جرى التوافق عليها في محطات عدّة، بدءاً من حيي: الأشرفية والشيخ مقصود، وفي دير حافر، ودير الزور، والرقة، وحيث نُصبت كمائن لجنود، في حالة هدنة، انسحبوا وفق اتفاقات دولية، جرى إفراغها، من مضمونها، بفعل تواطؤ سياسي مكشوف، ليفتح المجال أمام فيضان دموي جديد، ليستثمر في إطار توجيه دفة الاتفاقات وفق إرادة المركز. وإذا كانت الخيوط تبدو- لأول وهلة- متشابكة، فإنه لا يمكن تجاهل أثر المقاربات الأمريكية في مراحل سابقة، توازياً مع تخبطات مبعوثها توم باراك، لاسيما ونحن نرى كيف تم فرض سياسات عطّلت مساقات التهدئة، مسهمة في إطالة أمد التوتر، تحت توجيه جهات خليجية سهلت خوض الاحتراب "البيني"، في الوقت الذي كانت هناك حلول وطنية ممكنة، من دون أن ننسى أنه- في المقابل- التزم الجانب الكردي بالاتفاقات، وإن لم يكن كردياً صرفاً، ما أدى إلى اختراق صفوفه من خلال عناصر ليست كردية في جزء كبير منها. استخدمت لإرباك القوة التي كان يمكن أن تحكم دمشق، لو أعطيت الضوء الأخضر، رغم كل ملاحظاتنا على من هم وراءها، من متحكمين، ضربوا إرادة أهل المكان عرض الحائط، ما أدى إلى تكبد خسائر كبيرة، في محطات الفتك أو الغدر بالهدنات، على إيقاع الماسترو وضابط الإيقاع الأمريكي توم باراك من هنا يكتسب لقاء- ميونخ دوره السياسي الأوسع، لأن ما جرى في مؤتمر الأمن العالمي لم يكن أمراً طارئاً على هامش الأحداث، بل هو تحول مفصلي. اللقاء الذي جمع كلاً من: وزير الخارجية أسعد الشيباني والجنرال مظلوم عبدي جاء في توقيت راهن فيه صُنّاع الفتنة على اشتعال لهيب موشك حامي الوطيس، مراهنين على الحرص على أرواح ودماء ومستقبل السوريين، كي يسحبوا الذريعة من أيدي أمراء طفيليات وأدوات الحرب، مربكين، ومخلخلين حساباتهم، في انتظار حكمة التطبيق، عبر اعتماد مخطط ودعامات أولها وضع حد لكل من يقامر بالدماء، نتيجة عقل دموي، ولغايات ومرام ذاتية. الخاسر في هذه اللحظة كان واضحًا. لم يخسر منطق التهدئة، ولم تخسر محاولات منع الصدام، وإنما خسر أولئك الذين دفعوا باتجاه الحرب، ونفخوا في أوارها، وبنوا خطابهم على استدعاء الكراهية. هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم أمام سؤال ثقيل لا مهرب منه: بأي وجه سيواجهون ذويهم، وجيرانهم، والمجتمع الذي حاولوا جرّه إلى مواجهة مع ذاته؟ لقد أُغلِق باب كان مفتوحًا على الدم، وانكشف الرهان الذي قام على تحويل الخلاف إلى حرب. وإذ يُعاد النظر في تفاصيل اللوحة، وفق التغيرات التي تتم، فإنه لمن الواضح أن مصطلح- قسد- الذي أفرغ من دواعيه، ومفرداته، بات يستدعي تبديله، وإعادة تموضعه في الحاضنة السورية- وفق اتفاق ذيل كانون 26- ضمن معادلة مختلفة، لاسيما إن إعلان القيادي السيد جميل بايق عبر استجابته، لما آلت إليه الواقع، ينم عن دلالة سياسية واضحة حين أكد أن الدعم- القنديلي- لا يُراد له أن يتحوّل إلى وصاية ولا إلى صور ولا إلى أعلام- بما يشبه دور إقليم كردستان المساعد لروج آفا كردستان- وهو إعلان جد متأخر. هذه العبارة تختصر انتقالًا من منطق الرمز الفوقي إلى منطق الشراكة الهادئة، ومن مناخ الاستعراض إلى مناخ المسؤولية. ومؤكد أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، إذ تم فرضه تحت ضغط جماهيري كردي، وتحت ضغط جهات إقليمية ودولية رأت أن الاستقرار صار شرطاً لازماً، وليس خياراً قابلاً للتسويف والتأجيل. وبديهي، في هذا المقام الدعوة إلى قراءة اللحظة بوعي وعمق، لاسيما في إطار القيادة والتمثيل، لأن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل منطق الحزب الحاكم، وإنما تفرض منطق المسؤولية الجامعة. هاتيك المسؤولية التي تُعيد القيادة الكردية إلى إطارها الأوسع بعد أن سلبت منها، على مراحل، ووتائر، من خلال إعادة خلق إطار شامل جامع للأحزاب والكفاءات والكوادر، بعيداً عن أية عصبية أو سطوة منبوذتين، لاستعادة التمثيل إلى تعدديته. كما أن التمثيل في المنابر السورية والإقليمية والدولية لا يمكن أن يكون في دائرة المزاج الواحد، لأن التضحيات التي تمت لم تكن خارجة عن هذا الفضاء، وأن الاستحقاق نتاج طبيعي لتضحيات تاريخية سبقت زمن الثورة السورية. أجل، الجرح كبير، والأذى موجع، وأعداد الضحايا ثقيلة على الذاكرة، غير أن الاستقرار بات ضرورة وجودية. الاستقرار الذي لا يعني محو الذاكرة ولا القفز فوق الألم، وإنما تنظيم هذه الذاكرة ضمن أفق يمنع تكرار الكارثة. لاسيما إننا نعلم كيف أن الإعلام التحريضي، كممثل ونتاج لبؤر الكراهية في وسائل التواصل التي نتجت عن تلاقي العصبيتين: العنصرية القوموية والإسلاموية، ستسعى بكل ما أوتيت من عقول: عصبية داعشية جاهلية لعرقلة هذا المشروع، عبر إعادة بث خطاب رفض الوئام والشراكة، وتضخيم الهواجس، وشيطنة أية محاولة لقاء أو تفاهم. هذا الإعلام المعتاش على طفيليات وبذور الفتنة، والذي لابد من تشخيصه: رؤية مشوشة ومنظرين مغرضين مختلين، لا يعيشون إلا على الدم. من هنا، لم تكن معركة ميونخ محصورة في قاعات المؤتمر، بل امتدت إلى الفضاء العام، حيث جرى سحب الذريعة من خطاب التحريض، وثمة من لن يناموا ليلتهم، هذه، بعد نزع فتيل الحرب، إذ إن وتيرة العمل ينبغي أن تتصاعد من أجل مستقبل البلد، لا في إطار صراع هويات تشتغل عليها عقول فاقدي الضمير. وهكذا يسمو منطق الشراكة السورية، بين المكونات: عربًا وكردًا وشركاء آخرين، ضمن دولة تتّسع لجميعهم، بعيداً عن ظمأ أمراء الحرب، وذيولهم الذين ينتظرونها، من أجل السطو والغنائم وسلب أو تكريس سلب ممتلكات الأحرار، بعد هدر أرواحهم. ويبقى الرهان على تحويل ما أنجز في ميونخ إلى نواة قاعدة دستورية دائمة، تضع حداً للإعلام التحريضي، وتلزم المنصّات بإتباع معايير تحمي سوريا، وأهلها، من انفجار متجدّد، بعيداً عما أسس له العقل العنصري الإقصائي الذي بلغ حضيضه في زمن البعث وجلاوزته: قادة وأدوات ومنتفعين مطلقي الأيدي إجراماً ونهباً.
#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دير شبيغل في نشرها المقال المزيف عن ضفيرة المقاتلة الكردية:
...
-
خريطة طريق لقوات سوريا الديمقراطية
-
ميليشيات الكتابة الطحلبية: عندما يكون- العمشاوي- مصدر معلوما
...
-
منبر الجامع حين يكبّر على ذبح الكرد والقدس أسيرة! في بيان ان
...
-
حجر سنمار وقوات سوريا الديمقراطية كيف فُككت هذه القوة الكبرى
...
-
في مقاربة معادلة المناطق الكردية لابد ضبط من ضبط الأطراف
-
محمد حلاق المثقف الثائر: المبدع عندما لا يترك وراءه أثره
-
في وداع مناضل كردي خليل إبراهيم السياسي الاستثنائي
-
موفد المجلس الوطني الكردي واستكمال الإقرار الدستوري لحقوق ال
...
-
أيام القلق والنَّفير: بيوت كردية لم تعرف النوم
-
جيل الشباب الكردي المهاجر يواصل الذاكرة ويستعيد الحضور
-
بطاقة بحث عن اتفاق نيسان الكردي: عندما يهضم ابن البيت حقوق أ
...
-
نكسة كانون
-
المرسوم ١٣ وحدود الاعتراف قراءة في مكانة اللغة ا
...
-
المبادرات الكردية التضامنية في الخارج حضور واسع وحضاري وانضب
...
-
عسكرة العشيرة من بيت حماية إلى خزان دم تفكيك الداخل عبر الضغ
...
-
الرئيس مسعود بارزاني وكردستان سوريا
-
التمثيل الكردي مسؤولية لا امتياز: المطلوب توقيع يجسد إرادة ش
...
-
في بؤس استخدام مصطلح- التحرير- الملفق
-
التوقيع على البيانات بين المسؤولية وفخ الإيقاع
المزيد.....
-
تقنية الترددات الراديوية.. كيف تحصلين على وجه مشدود بدون جرا
...
-
مفاجأة.. الذكاء الاصطناعي استخدم في القبض على مادورو
-
تحديد زمان ومكان الجولة الثانية من مفاوضات واشنطن وطهران
-
هل حقاً هناك -توأم روح- لكلّ منا؟ ماذا يقول العلم؟
-
ميرتس يكشف عن مفاوضات سرية مع ماكرون بشأن الردع النووي
-
النبض المغاربي: قراءة في خلفية استناف الحوار بين الجزائر وال
...
-
جيرالد فور: أكبر حاملة طائرات في العالم في طريقها نحو الشارق
...
-
منفذ هجوم باريس سبق أن طعن شرطيين في بلجيكا
-
مالذي يترتب عن إنهاء الولايات المتحدة وضع الحماية الموقتة لل
...
-
منشور -غامض- لترامب .. صورة لحاملة طائرات -بدون تعليق-
المزيد.....
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|