|
|
في بؤس استخدام مصطلح- التحرير- الملفق
إبراهيم اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 18:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من تحرر ممن؟ في نقض المصلح: لقد فقد مصطلح "التحرير" تطبيقه العملي في سوريا، إذ بات يستخدم على نحوٍ مضلل، وصار يُطلق مع كل تبدل في القوة المسيطرة، لا مع كل تغيير حقيقي في حياة الناس. ونتذكر أنه عندما هيمن تنظيم داعش على مناطق سورية واسعة، قيل إن هذه المحافظات تحررت، ليكرر المصطلح نفسه عندما دخلت قوات جديدة هذه المناطق، ليقال مرة أخرى: إن التحرير تحقق، ثم حين تبدلت مظلة التحالف وقُدمت قوى أخرى بديلة قيل إن التحرير اكتمل، واليوم يُروَّج لخطاب يقول إن الخلاص كان من الكرد. هذا التتابع التناقضي السريع في إعلان التحرير يكشف خللاً واضحاً في المفهوم، حيث الكلمة تُستخدم لتبرير انتقال السيطرة لا لإنهاء القهر، من دون أن يعلم هؤلاء أن المهمة واحدة منذ سيطرة داعش إلى اللحظة الحالية التي انتشى فيها الرئيس المؤقت أحمد الشرع، والمهرولين إلى خيمته، ومتعهدو الخيمة المحليين والإقليميين والخليجيين، من دون أن يعرفوا أن مهمة تدميرية جديدة في الانتظار! ولعل السؤال المنطقي يفرض نفسه: من كان يحكم فعلاً؟ هل كانت الإدارة بيد مكوّن محلي أم بيد التحالف الذي رسم الحدود وحدد الأدوار وبدّل ويبدل اللاعبين ليكرس الانقسام الوطني؟ للإجابة عن مثل هذا السؤال فإن الوقائع تشير إلى أن القرار كان وظل خارجياً، وأن القوى المحلية، عربيةً كانت أم كرديةً، عملت ضمن هامش مرسوم لها. لذلك يصبح اتهام طرف بعينه تضليلاً للرأي العام، إذ الحاكم الفعلي لم يتغير، إنما تغيّر المتعهد. التحرير الحقيقي الدقيق ليس خروج قوة ودخول أخرى، تحت أمرة جهات دولية لها مخططاتها، إنما يكمن في استعادة الناس لقرارهم وسيادتهم وأمنهم اليومي. إذ إن تحرير فلسطين من الاحتلال هو فعل واضح فيما لو وفى الرئيس المؤقت الشرع بعهده- وكان رجلاً-، كما كان تحرير القدس من الغزاة حدثاً تاريخياً محدداً حققه كرد ضمن حالة تشبه حالة: قسد، رغم وجود من خانهم أيضاً، في تلك المرحلة، كما إن تحرير اللواء الاسكندروني وكيليكية من تركيا يعني استرجاع أرض سورية مسلوبة، وإن عودة سوريا إلى السوريين على نحو فعلي- لا كما يتم الآن- وعشرات الآلاف من المرتزقة الأجانب من ضمن جيش دفاع دمشق، بمن فيهم القادة، ناهيك عن وجود الوصي التركي في غرفة العمليات منذ أن استلم الجولاني القصر الجمهوري من سلفه، بشكل سلمي، بمعنى أن التحرير يتجسد في إنهاء الوصاية الخارجية لا مجرد استبدال راعٍ براعٍ. أما كل ما عدا ذلك فإنه يبقى محض إعادة توزيع نفوذ لا أكثر. من هنا تنطلق هذه القراءة، إذ الهدف تفكيك المصطلح قبل تفكيك الوقائع، لأن تسمية الأشياء بغير أسمائها تُبقي المجتمع يدور في حلقة وهم، بينما الحقيقة أبسط: إذ لا ولم ولن يتحقق تحرير ما دام القرار خارج الإرادة السورية. بهذا فإن كلمة ال"تحرير" فقدت وزنها إذ إن التداول الشعبوي الببغاوي استهلكها حتى صارت إشارة دعائية أكثر منها واقعاً قابلاً للقياس، حيث يكفي أن تتبدل القوة المسيطرة حتى يُعلن أن الأرض تحررت، وهكذا يتحول اللفظ إلى قناع لغوي يخفي تبادلاً في السلطة لا انتقالاً في حياة الناس. إن التحرير في المعنى الدقيق هو رفع وإزالة حالة قهر ملموس وإقامة إدارة عادلة وضمان أمن يومي وكرامة مصونة، بينما لا يحقق تبديل مركز السيطرة مع بقاء الخوف على حاله سوى تغيير اللافتة. لذلك صار المصطلح يُستخدم لتسويق كل مرحلة جديدة، بينما البيوت تبقى قلقة والناس تنتظر خبزاً واستقراراً.
التحالف وأعوانه الشغيلة متعددي الهويات إدارة نفوذ لا حكم وطني السلوك العام للنخب والعوام يكشف، حالياً، هذا الخلل الفاضح بوضوح، إذ إن الذين هللوا لقوات الأمر الواقع عادوا أنفسهم يهللون للقادم الجديد. الهتاف انتقل من اسم إلى اسم بالحماسة ذاتها، من قسد إلى جيش الجولاني، وهلمجرا في دورة لن تنتهي إلا بعودة وعي السوريين، طالما إن الواقع لم يتحرك خطوة واحدة نحو حرية فعلية. هذا التكرار يدل على أن الولاء اتجه إلى الغالب لا إلى معيار العدالة. المشهد كان احتفالاً بالقوة لا احتفالاً بالحق. من هنا يظهر أن المشكلة في الوعي السياسي قبل أن تكون في تبدل اللاعبين. الرقة ودير الزور تقدمان المثال الأكثر صراحةً، إذ القوة التي حكمت عملياً كانت التحالف الدولي عبر أدوات محلية، ثم إن التحالف ذاته كان وراء إعادة الترتيب، فأي تحرير تم؟. الراعي نفسه أمسك بالخيوط في المرحلتين، فتح الباب ثم أغلقه، سلّم ثم استلم، لذلك لم يكن ما حدث تحريراً بل إدارة نفوذ. وإذا كان الحكم بيد الخارج في الحالتين، فكيف يُصاغ الأمر كخلاص وطني؟ المسألة بدت أقرب إلى شركة دولية تستبدل بأخرى، حيث العقد قائم والواجهة متبدلة. ولابد من الانتباه، إلى أن التحريض ضد الكرد جاء لتغطية هذه الحقيقة. فقد جرى اختراع خصم داخلي كي تُصرف الأنظار عن اليد التي تدير المشهد من الخارج. وها هي ذي الوقائع الرقمية تكسر السردية من أساسها، إذ إن الأخوة العرب السورييين شكلوا نحو سبعين في المئة من قوات سوريا الديمقراطية، بينما شكل الكرد نحو ثلاثين في المئة، فحسب، ولايزال الأنموذج الأكثر وطنية وسورية والأكثر مواجهة للإرهاب، رغم كل المآخذ التي سجلناها. هذا الرقم وحده يكفي لطرح سؤال بسيط: هل هو تحرير عرب من عرب؟ إذا كانت الغالبية من أبناء المناطق نفسها، فإن الحديث عن احتلال قومي ادعاء دعائي لاستعداء السوريين على السوريين، لا أكثر. شخصياً لا ألوم هؤلاء المقاتلين، ولا أحمّل الطرف الكردي وحده- الآن بعد طوال نقدي له قبل وصول الجولاني إلى دمشق- عبئاً أخلاقياً، إذ إن الطرفين كانا أدوات ضمن ترتيبات أكبر منهما. القرار لم يكن بأيديهم، كما أن الجولاني اليوم مجرد أداة ضمن شبكة مصالح. الخاسر الوحيد هو السوري. موقفي الشخصي ظل واضحاً منذ البداية إذ لم أكن مع بقاء المقاتل الكردي خارج مناطقه بعد دحر تنظيم إرهابي متطرف. المهمة كانت محددة بزمن وهدف، وقد تحقق الهدف، وإن عاد التنظيم في لباس آخر، وهو أشد فتكاً وثأرية، ونشراً للكراهية واستساغة التدمير والقتل والسلب والسطو والسبي، فقد كان يفترض على الطرف الكردي الرجوع، وإن كان الأمر ليس بيده. لقد كان مكرهاً على البقاء في تلك المناطق كما كان مكرهاً على الانسحاب وليس نتيجة هزيمة أمام مقاتلين مرتزقة عابرين. أجل، لقد نقدت هذا التمدد علناً لأن أي قوة حين تخرج من بيئتها تفتح باب الشبهات، حتى لو كانت النية دفاعاً. إنما هذا النقد لا يحول القادم الجديد إلى محرر، فالاستبداد حين يغيّر شكله لا يفقد طبيعته. لذلك يصبح المعيار واحداً: هل تحققت الحرية على نحو ملموس لنشر العدل بشكل يومي؟ إن لم يتحقق ذلك فإن هذه المفردة تفقد معناها، وهي فاقدة له أصلاً. انضمام المقاتلين الكرد إلى جيش وطني أمر ممكن، شريطة إصلاح أيديولوجيا قيادته- المتجولنة- وبناء مؤسسة مهنية خاضعة للقانون لا للعقيدة. إذ إنه عند تحقق هذا الشرط – وحده- يصبح الانخراط خطوة منطقية لأن الهدف حماية المجتمع لا حماية تشكيل بعينه. باعتبار أن الجيش الذي يقوم على المواطنة يوحّد، والجيش الذي يقوم على عقيدة ضيقة يكرر الأزمة. بهذه الرؤية التي أتبناها وأنطلق منها يتضح أن معركتنا الحقيقية ليست بين مكونات المجتمع، إذ إن الحاكم الفعلي ما زال خارجياً يمسك بالخيوط من وراء الستار. وإن كل أصناف التنابذ والتشاتم تخدمه لأنها تطيل أمد هيمنته وغطرسته بعضلات مستعارة، وتحول السوري إلى خصم لأخيه. إنها الدعوة الحقيقية- الآن- إلى أخوّة واضحة ووعي مشترك، لأن الداخل حين يتماسك يضيق هامش التدخل، وحين يتشظى يتوسع نفوذ الغريب، وأن كل تحرير حقيقي يبدأ من كسر ربقة هذا الانقسام، لا من عبر تبديل راية فوق مبنى رسمي. كل ما عدا ذلك يبقى ضجيجاً سياسياً بينما الأرض تنتظر حياةً أكرم وأجمل بعد كل هذا القبح الذي يبلغ أوجه اليوم في سوريانا جميعاً.
#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التوقيع على البيانات بين المسؤولية وفخ الإيقاع
-
في الذكرى الحادية عشرة لانتصار كوباني البطلة قرابين جديدة عل
...
-
في الحصار الثاني على مدينة كوباني: الممر الإنساني بين أبي بك
...
-
حسين الشرع يشهر سكين التحريض في وجه الهدنة والكرد
-
قامشلي في عشية مئويتها! خطاب التعايش في مواجهة مخطط آلة الإر
...
-
كوباني تحت الحصار مدينة تُعاقَب بالجوع والعطش
-
وقائع التهجير من الحسكة ذعر الحصار وفزع الطرق وشبح الحرب!
-
لاحصانة لقاتل: الحرب ليست رخصة للوحشية
-
إنهم يثأرون من الحجارة و الموتى أيضاً! تحطيم شواهد مقابر الش
...
-
ضفيرة ابنة الجبال الشماء حفيدة ليلى قاسم
-
آلية التعتيم الإعلامي الغربي: التغطية على مجازر الكرد عبر تض
...
-
نظرية الحرب الاستباقية دفاعاً عن الذات: تركيا والحرب على أرض
...
-
خبر مفرح وسط نفير الحرب اللعينة!
-
مرسوم رئاسي مؤقت لتسويغ مجازر قادمة مفترضة: التذاكي في لعبة
...
-
لماذا ا لاستباق في تنفيذ العدوان على حيي الأشرفية والشيخ مقص
...
-
ما الذي تغير بين مرحلتين سوريتين أليمتين: من بشار الأسد إلى
...
-
الكرد في مواجهة الإبادة الصامتة: ممنوع التصوير
-
متوالية نقل الخبر وهندسة الكذب في الحروب التي تُدار من غرف ا
...
-
حكومتان ضد ثلاثة أحياء كردية في حلب*
-
سنة جديدة...
المزيد.....
-
عاد اهتمام أمريكا بالنفط العالمي.. فهل يعيد التاريخ نفسه؟
-
هذا ما يأمل هارفي ماسون جونيور تحقيقه في حفل جوائز غرامي الم
...
-
فيديو يظهر ميلانيا ترامب تقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك
-
بيان للخارجية المصرية بعد احتجاز 4 مصريين على متن سفينة فى إ
...
-
وزير الخارجية الأمريكي: النظام الإيراني قد يكون أضعف من أي و
...
-
نوري المالكي وترامب: هل يصل رئيس الوزراء السابق إلى الحكومة
...
-
منع المكياج في أوقات العمل بقرار رسمي من محافظة اللاذقية
-
إلهان عمر تعلق على تعرضها لهجوم بسائل مجهول في مينيابوليس -ل
...
-
تفشي فيروس نيباه في الهند: مخاوف في آسيا وتشديد في المطارات
...
-
السلطات الألمانية تداهم مكاتب -دويتشه بنك- على خلفية شبهات ت
...
المزيد.....
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|