|
|
في مقاربة معادلة المناطق الكردية لابد ضبط من ضبط الأطراف
إبراهيم اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 22:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
دخلت معادلة المناطق الكردية طوراً حرجاً إذ إن لحظة الانهيار التي أعقبت سقوط النظام السابق لم تترك فسحة للتنظير أو المناورات، وحدثت تطورات دراماتيكية: مجازر مفتعلة ضد العلويين- مجازر ضد الدروز- اختلاق جو عام لحرب عربية- كردية، من قبل أدوات استغلت وسائل التواصل الاجتماعي لشحن الرأي العام من حولها، عبر اختلاق أكاذيب، أو توظيف حوادث ما كبيرة أو صغيرة، خارج سياقها، في إطار تبرئة الذات وتخوين الآخر، لاسيما بعد أن وجد أمثال هؤلاء من يحتضنهم، ومن يقبض المال السياسي مقابل ذلك، أو تفريغ شحنات الحقد واللؤم العنصريين ضد الآخر، لاسيما بعد أن توافر خط جديد لثنائية هذا الشحن، فتم التزاوج بين ما هو عنصري قوموي وطائفي إسلاموي. إن تحريك العشائر والميليشيات، إلى محاولة ومشروع حرب إبادة ضد الكرد، وهي ضد مكونات المكان كلها من: كرد وعرب وشركاء آخرين، دفع القوى المتقابلة إلى اتفاق اضطراري، في الثامن عشر من كانون الثاني 2026، مفروضاً من الخارج، أو نتيجة غريزة النجاة، من دون أن يرتقي إلى رغبة التفاهم التي كانت تستوجب- في الأصل- عدم هدر نقطة دم من الطرفين. حيث جاء هذا التوقيع تحت ضغط الخوف العام من انفجار اقتتال عربي كردي كان يقترب من الأبواب اقتراب النار من هشيم يابس، كان سيأكل: أخضرنا ويابسنا جميعاً، إذ كانت أيادي جميع الحريصين: عرباً وكرداً وشركاء، على قلوبهم، حقيقة، وفعلاً، لا تصوراً، أو مجازاً، لأن الرصاصة الأولى لو انطلقت لفتحت سلسلة لا ولن تتوقف! إذ إن حركة ميليشيات السلطة الجديدة نحو الأطراف التي رأتها رخوة- نتيجة التداخل المكوناتي- واستدعاء تشكيلات عشائرية متمرسة في الغدر لخوض حرب أهلية- ولا أقصد العشائر بل من تنطع لتنفيذ الخطط الخارجية أو التركية أو المحلية المؤتمرة- وتوجيه ميليشيات متمرسة بالإيغال في أنهار لتطويق مناطق" الإدارة"، ضمن إطار خطوات أوحت بأن الحسم العسكري مطروح على الطاولة، إذ ترجم المخطط عبر عمليتي حصار سياسي وعسكري يتخفيان بثياب أمنية، في الوقت الذي كانت فيه قسد في المركز. تلك القوة التي اختلفنا طويلاً مع قيادتها، ولا سيما في ما يتعلق بهيمنة وأثر قنديل في قراراتها غير المنطقية والتي تسببت في تعميق الهوة بين المكونات، غير أن الخلاف لا يسوغ القبول بخنق مجتمع كامل، ولا مقاتلين أبرياء، انخرطوا في صفوفها، دفاعاً عن أهلهم ومكانهم في مواجهة الإرهاب. لقد أخرج سقوط الأسد إلى السطح صنفين واضحين: فئة ترفض الكردي نتيجة ثقافته البعث/ اسئصالية، ولا ترى في الوطن إلا قالباً عروبوياً ضيقاً، وفئة متضررة من تجربة- قسد- لأنها واجهت داعش يوم كان آخرون يساومون أو يصمتون، وهكذا التقى الحقد الأيديولوجي مع الثأر المصلحي في جبهة تحريض واحدة، إذ صار كل إجراء أمني ضد خلايا التطرف يُصوَّر استبداداً، وصار كل معتقل حاضنة لداعش يُقدَّم ملاكاً بريئاً. ذلك الخطاب لم يأت مصادفة، وإنما صيغ لإفراغ أي قوة كردية من شرعيتها الاجتماعية، وحيث جرى تصوير قسد دكتاتورية لمجرد أنها اعتقلت من تورط أو انجرّ، مع أن البديل كان عودة التفجيرات والذبح في الساحات. إنما الإنصاف يقتضي قولاً واضحاً أيضاً، إذ إن قيادات قسد أضرت بالكرد قبل سواهم، واستفاد من ظلها منتفعون- أكثرهم من العشائر- وفي خدمة وحدة سوريا، رفعوا شعارات بعيدة عن حياة الناس، وهتفوا باسم أوجلان بينما الواقع المعيشي يزداد قسوة، وكنا ولا نزال في مواجهة: الأوجلنة وظلالها وتوابعها الملتزمة المفروضة على مجتمعنا، ولن نتعافى منها حتى بعد مئة سنة. الاتفاق الحالي لم يولد من تفوق عسكري للسلطة، ولا من انكسار كردي، وإنما نتج عن تقاطع مصلحة أمريكية مع دور وظيفي للحكومة الجديدة مدعوم خليجياً، حيث التقت خطوط خارجية عند نقطة واحدة اسمها الاستقرار المؤقت، ومن هنا فالاتفاق جاء ضرورة سياسية لا منحة من أحد، ولا يمكن التعامل معه باعتباره تنازلاً من طرف تجاه طرف آخر.... رغم كل هذا وذاك، لما نزل نجد أن أدوات التحريض تعمل بوتائر عالية، بعضها بأسماء مكشوفة وبعضها بأقنعة رقمية، في الوقت الذي نجد أن إعلام السلطة- نفسها- يفتح لها الشاشات بلا مساءلة، إذ يُسمح بالسب والتحريض واختلاق السرديات الملفقة، وكأن البلاد لا تقف فوق برميل بارود، وهكذا يتراكم السم في الفضاء العام المكربن بينما الحديث، من قبل الحريصين على سوريا، والعلاقات التاريخية بين الشركاء، يدور عن تسوية، كي يبرز السؤال الأليم، ألا وهو: ترى أي منطق يقبل كل هذا التناقض؟ في الحقيقة، إن تنفيذ الاتفاق يحتاج- قبل كل شيء- ضبطاً صارماً لهؤلاء، ومحاسبة من يحرض، حتى لو كان قريباً من دوائر القرار في دمشق، لأن الكلمة المسمومة أخطر من الرصاصة حين تهيئ النفوس للقتل. مسؤولية السلطة هنا مباشرة لا تقبل التأجيل، حيث إن ترك التحريض بلا رد يساوي تشجيعاً مبطناً، كما أن على الحركة الكردية المتمثلة- بالمجلس الكردي- ووفد كونفرانس نيسان 2025 أن يصدروا بياناً بعدم الانجرار إلى مستنقع التحريض، ماعدا توضيح الحقائق، في مواجهة الملفقين، وهذه مسؤولية نخب وإعلاميي قسد ومسد اللذين لديهم كل الوثائق اللازمة لدحض الأكاذيب بيد أنهم لما يزالوا غير جادين- ماعدا بعض الأصوات القليلة- في المرافعة عن دورهما. وهنا، لابد من الاعتراف، وبصوت عال، أن قسد -في المقابل- تتحمل عبئاً سياسياً لا يقل، إذ إنها أدارت وتدير بعد كل ما تعرضت له، الملف الكردي بعقل منفرد، ولم تُشرك المجلس الكردي في لقاءات دمشق، ولم تلتزم بالوفد الذي خرج من كونفرنس نيسان 2025، ثم مضت إلى تعيين مسؤولين من دائرتها الضيقة في مواقع الإدارة، وهو ما لا يطمع به أحد من الغيارى. ذلك السلوك يرسخ احتكاراً يضعف الموقف العام ويمنح الخصوم ذريعة جاهزة للطعن في التمثيل. إن وحدة الصف ليست شعاراً أو طقساً احتفالياً، فحسب، بل هي شرط ديمومة ووجود وبقاء، حيث إن أي انقسام كردي يُستثمر فوراً من الخارج. من هنا يصبح توسيع المشاركة واجباً سياسياً لا مجاملة، لأن القضية أكبر من حزب وأقدم من قيادة. موقفنا ظل ثابتاً ضد اقتتال عربي كردي وضد أي حرب داخلية، إذ لا رابح في صراع أهلي، والخاسر مجتمع كامل. مجتمع المكونات كلها. وإن رفع أصواتنا في بعض المحطات في الرد على سرديات مثقفي وإعلاميي- العمشات- كان نتيجة انفعال وغيرة، لفضح السرديات الملفقة المزورة، لاسيما من قبل مثقفين قدمنا بعضهم أو آزرناهم أو عددناهم من أسرنا، وما تسليح عشائر منفلتة إلا عبارة عن إضافة عنصر خطير إلى معادلة متوترة، ولا أقصد عشائر الوقفة الكريمة التي رفضت الدم، إنما أقصد مدمري- العشرة- مأجوري السلاح الذين قبلوا أن يكونوا أداة فوضى بلا ضابط. لأن أية بندقية بلا قانون تعني ثأراً" جوالاً" متنقلا تحت الطلب، وبرسم الاكتراء؟! علينا جميعاً أن نكون في مستوى اللحظة المتأهبة- للانفجار- إذ إن خطورة هذه اللحظة تجعل الشائعات تنتشر، وتتوسع، إذ إن من لا يرى أو لا يريد في الاتفاق إلا محض هدنة تسبق الانقضاض لإبادة الآخر، وهناك من يراه فخاً، ويتوقع أننا على موعد أليم من جولة اقتتال ثأري قادم ضد الكرد، لاسيما إذا تابعنا فيديوهات وبثات ومنشورات بعض المتوعدين الموعودين بتنظيف مناطقنا من الكرد. إزالة هذا الوهم تستوجب قيام السلطة بأفعال ملموسة، ميدانياً، تبدأ بوضع حد لخطاب الفتنة، وتنتهي بإغلاق باب الحرب، وفتح نوافذ الطمأنينة وإعادة نشر خطاب التآخي والسلام، وهو ليس صعباً إن بدأ ب: خطوات ميدانية عاجلة لمحاسبة محرضين ظهروا في منصات التواصل، وفتح دعاوى قانونية بحق من يعمل على إشعال النار من الداخل أو الخارج أياً كانت هويته. العدالة هنا رسالة طمأنة لا عقوبة فقط. ما آلينا إليه، يحتاج يداً هادئة تفك الأسلاك لا أصابع ترتجف. يداً تفك القنبلة المزروعة التي يقف عليها بلدنا. فالحكمة السياسية تقتضي إزالة مسببات الحرب، وضبط الخطاب، وإغلاق منافذ السرقة المنظمة التي رافقت الفوضى. فثمة من يحرض على الحرب لا حباً في شعار ولا دفاعاً عن مبدأ، وإنما طمعاً في بيوت الكرد، ونهب أملاكهم، وسبي نسائهم. تلك الجرائم تتحرك في ظل الفوضى مثل ظلال اللصوص في ليلة مقمرة.. لكل هذا فإن المعادلة واضحة، لا يمكن لها أن تسوى من دون ضبط الأطراف كشرط لضبط المناطق، تحت ظل قانون نافذ لاستعادة لثقة الناس، من أجل شراكة سياسية حقيقية كشرط لاستمرار أي اتفاق. لأن الوطن لا يدار بالشعارات، وإنما من خلال إجراءات ميدانية- إسعافية- تحمي البشر. لأن هدوء الشارع مرتبط بصون كرامة الأهلين، من المكونات جميعها، وهكذا يصبح الاتفاق بداية استقرار فعلاً لا ورقة مؤقتة، وفي ذلك ما يفسح المجال أمام السلطة ذاتها، كي تنفذ مهماتها، وتبدأ عملية البناء العام المنتظر. البناء الذي سيشترك فيه كل سوري حريص: كل من جهته!
#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
محمد حلاق المثقف الثائر: المبدع عندما لا يترك وراءه أثره
-
في وداع مناضل كردي خليل إبراهيم السياسي الاستثنائي
-
موفد المجلس الوطني الكردي واستكمال الإقرار الدستوري لحقوق ال
...
-
أيام القلق والنَّفير: بيوت كردية لم تعرف النوم
-
جيل الشباب الكردي المهاجر يواصل الذاكرة ويستعيد الحضور
-
بطاقة بحث عن اتفاق نيسان الكردي: عندما يهضم ابن البيت حقوق أ
...
-
نكسة كانون
-
المرسوم ١٣ وحدود الاعتراف قراءة في مكانة اللغة ا
...
-
المبادرات الكردية التضامنية في الخارج حضور واسع وحضاري وانضب
...
-
عسكرة العشيرة من بيت حماية إلى خزان دم تفكيك الداخل عبر الضغ
...
-
الرئيس مسعود بارزاني وكردستان سوريا
-
التمثيل الكردي مسؤولية لا امتياز: المطلوب توقيع يجسد إرادة ش
...
-
في بؤس استخدام مصطلح- التحرير- الملفق
-
التوقيع على البيانات بين المسؤولية وفخ الإيقاع
-
في الذكرى الحادية عشرة لانتصار كوباني البطلة قرابين جديدة عل
...
-
في الحصار الثاني على مدينة كوباني: الممر الإنساني بين أبي بك
...
-
حسين الشرع يشهر سكين التحريض في وجه الهدنة والكرد
-
قامشلي في عشية مئويتها! خطاب التعايش في مواجهة مخطط آلة الإر
...
-
كوباني تحت الحصار مدينة تُعاقَب بالجوع والعطش
-
وقائع التهجير من الحسكة ذعر الحصار وفزع الطرق وشبح الحرب!
المزيد.....
-
رأي.. أردم أوزان يكتب: الشرق الأوسط يدخل عصر ما بعد النظام
-
ما الذي يجري في المحادثات الأمريكية الإيرانية؟ مراسل CNN يشر
...
-
وُجدت جثتها داخل حقيبة سفر.. جريمة مروّعة تهزّ مصر وتكشف فش
...
-
أسطول عالمي جديد: 100 قارب وآلاف الناشطين يبحرون لكسر حصار غ
...
-
أخبار اليوم: إجلاء أكثر من 140 ألف شخص تحسبا للفيضانات في ال
...
-
هل يشتعل القرن الإفريقي في خضم التنافس الإماراتي السعودي؟
-
لماذا نُقلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية من إسطنبول إلى مسق
...
-
نتنياهو يحذر من -تعاظم- قوة الجيش المصري
-
تقرير: نتنياهو طلب مراقبة ومنع تعاظم قوة الجيش المصري
-
إيران.. تعيين علي شمخاني أمينا لمجلس الدفاع
المزيد.....
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|