|
|
نكسة كانون
إبراهيم اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 02:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ما إن انتشر خبر الاتفاق الأخير مع حكومة دمشق حتى عمّ صمت ثقيل، إذ لم يُستقبل الخبر بارتياح نتيجة غموضه، تحت وطأة شعور ملتبس يخلط بين المتناقضات. بعد أن مرت سنوات طويلة، مريرة، علّمت الناس. كل الناس، ألا يذعنوا وألا يسلّموا أرواحهم ومصائرهم للمجهول، وألا يصدقوا ما يجيء في حبر أو ل بيان، لأن في ذواكرهم ظلال ومرارة تجارب قريبة وبعيدة كثيرة تبين أن أي اتفاق يُعلن ظهرا قدً يُسحب ليلاً، أو العكس، وأن التعهد يُكتب على الورق- فحسب- بينما البنادق تبقى في الشوارع، ما يؤدي إلى الرد على أي اختراق متربص بحق السكان الآمنين. لذلك فقد جاء الترقب مريراً حاداً، كأن أحداً ينتظر تسريب مجرد خبر واحد كي يوقن- ذاتياً- أنه أمام بداية استقرار أم أمام نكسة جديدة. وكلنا يعلم أن الإعلام المضلل لعب دوره سلبياً، حيث بدأت روايات كثيرة مزورة، ومشوّهة، تتشكل، نتيجة غموض اللوحة. فقد تم تصوير الاتفاق الكانوني، وكأنه تنازل قُدّم للكرد- الضيوف- لا مجرد حق أولي انتزعوه بعد تضحيات أبناء هذا المكان الأصليين. أقول أبناء المكان، بعيداً عن سطوة أي سياسي طارئ، رغم إنه دون حده الأدنى. كما قيل إن الخلل يكمن في الطرف الكردي الذي طالب الأمان منذ تأسيس سوريا، لا في المجموعات التي دأبت على السطو والخطف. هذا القلب للوقائع لم يكن اعتباطياً ولا عفوياً، بل هو محاولة منظمة للتبديل بين موقعي: الضحية والجلاد. وما إن يبث مثل هذا الخطاب، على امتداد الأربع والعشرين ساعة، ليلاً ونهاراً حتى يتحول التزوير إلى مناخ عام، ويغدو أي مطلب كردي شبهة جاهزة. في الوقت ذاته بدا تشدد توم بارك لافتاً على نحو يثير القلق. الرجل تصرّف كمن يصنع قيوداً، لا كمن يشيد جسور التواصل. فقد كانت لهجته وقحة، وحادّة، وكانت عباراته ترامبية آمرة، بينما مسافة الحياد المطلوبة من دبلوماسي في موقع حصيف، مثله، بدت شبه غائبة. هذا السلوك أوحى لكثيرين بأن الوسيط الأرعن، لا يؤدي دور توازن، إنما يتحرك ضمن سقف رغبات رجب طيب أردوغان ودوائر هاكان فيدان. وهكذا فقد ظهر الاتفاق كأنه محاصر منذ لحظته الأولى بضغوط خارجية تريد تحجيم دور وحقوق الكرد قبل أي ترتيبات إقليمية، خصوصاً مع تزايد أخبار ضربة محتملة ضد إيران.، باعتبار أن حسابات كبرى تتم في غرف مغلقة، بعيدة، والكرد يُدفعون مرة أخرى إلى موقع الحلقة الأضعف، كما في تجارب سابقة إبان احتلال كركوك2017 وعفرين 2018 هذا الفضاء متأجج الاحتمالات يعيد السؤال الأساسي إلى الواجهة، ومفاده: هل تُوثَق سلطة اعتادت نقض تعهداتها. فقد تم نقض اتفاق آذار2025، كما اتفاق نيسان 2025، ليسوغ هذا النقض بذرائع وأعذار جديدة، عبر الإبقاء أو عبر فرض اتفاق كانوني؟. بدهي، أنه حين تتالى الوقائع بهذا الشكل فإن الشك لا يظل مجرد مزاج سياسي، بل يصبح موقفاً عقلانياً. فالثقة لا تُمنح بالكلام المنمق، بل هي تترسخ من خلال خطوات ملموسة، أولها: حل الميليشيات المنفلتة، ووقف التحريض الإعلامي، والضمانات الواضحة لحماية وسلام المدنيين. ورغم هذا كله يظل وقف الحرب- بين السوريين- ضرورة لا غنى عنها. إذ لا أحد في الشارع يريد اقتتالاً بين كردي وعربي، البتة، لأن الدم حين يُسفك لا يسأل عن هوية الضحية، لذلك يبقى الاتفاق، مهما كان هشاً، فرصة يجب حمايتها، وأن رفض الحرب ليس نتاج موقف ضعف، بل هو دفاع عن حياة عادية حُرم منها الناس طويلاً. مؤكد أن سبب القلق لا يرتبط بغموض محتوى الاتفاق وحده، إنما بطريقة إدارته منذ اللحظة الأولى، إذ بقي الشارع خارج الصورة تماماً. لم تُعرض بنود واضحة، لم يُقدَّم شرح مباشر، ولم تُفتح نافذة مصارحة تضع الناس أمام ما جرى الاتفاق عليه مفردة مفردة. هذا الغموض يخلق فراغاً، والفراغ يملؤه الهلع والإشاعة. ثم إن السلطة اختارت طريقاً أضيق، حيث حصرت الحوار بالجهة العسكرية وحدها، وكأن المسألة أمنية صرفه، بينما القضية سياسية واجتماعية وتمس حياة الأبرياء، يومياً. إن أي تجاهل لجهات مدنية وسياسية فاعلة، وتجاوز مرجعيات كردية تاريخية تملك خبرة تفاوضية وشرعية تمثيل، يجعل أي تفاهم مبتوراً منذ بدايته. كما إن أي طلب مقترحات من طرف واحد، من دون العودة إلى السياسي الكردي المتراكم تجربته يضع الاتفاق في دائرة الشك، لأن التوازن يغيب، ولأن الصوت العام لا يُسمع. من هنا يتضاعف القلق، وأن أي اتفاق يُدار خلف أبواب مغلقة لا يسوغ الثقة، حيث إن الشفافية وحدها قادرة على تحويل التهدئة المؤقتة إلى استقرار حقيقي. وللحقيقة، فقد برزت جهود كردستانية عملت بوتائر عالية، من خلال جهود وخبرة الرئيس مسعود بارزاني السياسية التي منحت الموقف ثقلاً كبيراً، فهو المعروف بروحه وحرصه وتغليب الحساب الدقيق على ردات الفعل، وهنا يكمن دور الحكمة الاستثنائية. ناهيك عن تحركات الرئيس نيجيرفان بارزاني التي اتسمت بفتح قنوات اتصال متعددة، إذ إن المنجزات تُبنى من خلال إرث التجربة والتفاهمات والجلد، لا من خلال التصريحات الصاخبة، من دون أن ننسى متابعة السيد مسرور بارزاني التي دفعت باتجاه حضور دبلوماسي يحمي الحد الأدنى من الاستقرار. كل هذا الدعم الدبلوماسي الذي تم في موازاة مع فعاليات الجاليات الكردستانية في أوربا الذي لفت أنظار العالم إلى حقوق الشعب الكردي الذي غدا في مرمى التآمر والغدر والخداع. ولعل تحرّك الرأي العام في الولايات المتحدة الذي حاول رفع الحيف عما تم من غدر من قبل الرئيس دونالد ترامب، وفق صفقات معروفة، لاسيما وإن له تجربة في طعن ظهر الكرد في أكثر من جرح لم يلتئم، في دورته السابقة، إلا أن ما نجده من ضغط إعلامي وبرلماني أمريكي بدأ يطالب بعدم تكرار هذه التجربة بحق الحلفاء، انطلاقا من أمرين هما: شرعية حقوق الكرد وقضيتهم والحفاظ على صورة أمريكا التي بات يعرف فتكها بحلفائها. كذلك فإن فرنسا راجعت حساباتها حيال رعاية مسارات إقليمية معقّدة، بعدما اتضح أن أي تفاهم بلا ضمانات حقيقية يتحول إلى ورقة فاقدة الأهمية، إلا أن تركيا ظلت- في المقابل- مستمرة- ومعها جهات خليجية تسعى جاهدة للتأزيم والتوتير ساعية للإجهاز على قضية وحقوق الشعب الكردي في سوريا، إذ ترى في أي استقرار كردي أو كردستاني خسارة سياسية. هكذا تتواجه صورتان متناقضتان: مرارة نكسة متكررة، مقابل جهود خيّرة تحاول تثبيت أرضية صلبة. إذ بات الكردي لا يبحث عن انتصار خطابي، لكنه في انتظار ترجمة التضامن الفعلي، كي تسير الحياة على نحو عادي، ويرفع الحصار والخطر عن مناطقهم، وتكون مدارس أبنائهم مفتوحة، وأن تعمل مستشفياتهم، وكي تكون شوارعهم آمنة، وبيوتهم بعيدة عن الأخطار. إنها مطالب بسيطة محقة. من هنا يصبح السؤال مشروعاً ومؤلماً في آن: ترى هل نثق بالآخر في صورته التي رأيناها في أكثر من وقعة وموقع؟ هل نثق بالآخرين؟ إذ لا إجابة شافية وسط انتشار وسطوة ثقافة الكراهية، وإن كنا ندرك أن الثقة تتأسس تدريجاً عبر أفعال، وإن مراقبة التنفيذ من أول الضرورات. أجل، ثمة تفاؤل واقعي يفرض نفسه قبل أي اعتبار يتلخص في نشدان العيش معاً، كضرورة تاريخية. طالما أن أبناء وبنات مكونات المنطقة قد عاشوا معاً، وتشاركوا الرغيف والمصير، بعد أن أدرك جميعنا أن كل حرب جديدة- فرضت علينا مكرهين- تعيدنا خطوات إلى مستنقع الخلف. لذلك فإن الخيار الوحيد يكمن في تثبيت دعائم السلم الأهلي، بعيداً عن مساومات المهرولين لأجل مكاسبهم أية كانت هوياتهم، على حساب العيش المشترك، إذ إن لسان حال جميعنا هو: كفى للحرب، فإن في الوطن أهلين يترقبون الأمن والأمان و العيش بعيداً عن أي شكل من أشكال تعكير صفو عيشهم المشترك.
#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المرسوم ١٣ وحدود الاعتراف قراءة في مكانة اللغة ا
...
-
المبادرات الكردية التضامنية في الخارج حضور واسع وحضاري وانضب
...
-
عسكرة العشيرة من بيت حماية إلى خزان دم تفكيك الداخل عبر الضغ
...
-
الرئيس مسعود بارزاني وكردستان سوريا
-
التمثيل الكردي مسؤولية لا امتياز: المطلوب توقيع يجسد إرادة ش
...
-
في بؤس استخدام مصطلح- التحرير- الملفق
-
التوقيع على البيانات بين المسؤولية وفخ الإيقاع
-
في الذكرى الحادية عشرة لانتصار كوباني البطلة قرابين جديدة عل
...
-
في الحصار الثاني على مدينة كوباني: الممر الإنساني بين أبي بك
...
-
حسين الشرع يشهر سكين التحريض في وجه الهدنة والكرد
-
قامشلي في عشية مئويتها! خطاب التعايش في مواجهة مخطط آلة الإر
...
-
كوباني تحت الحصار مدينة تُعاقَب بالجوع والعطش
-
وقائع التهجير من الحسكة ذعر الحصار وفزع الطرق وشبح الحرب!
-
لاحصانة لقاتل: الحرب ليست رخصة للوحشية
-
إنهم يثأرون من الحجارة و الموتى أيضاً! تحطيم شواهد مقابر الش
...
-
ضفيرة ابنة الجبال الشماء حفيدة ليلى قاسم
-
آلية التعتيم الإعلامي الغربي: التغطية على مجازر الكرد عبر تض
...
-
نظرية الحرب الاستباقية دفاعاً عن الذات: تركيا والحرب على أرض
...
-
خبر مفرح وسط نفير الحرب اللعينة!
-
مرسوم رئاسي مؤقت لتسويغ مجازر قادمة مفترضة: التذاكي في لعبة
...
المزيد.....
-
الأمل في المشروع العربي وسط عالم متصارع
-
بمعدات بدائية.. الدفاع المدني يعيد افتتاح أول نقطة له شمالي
...
-
الاحتلال يكشف عن ممر -ريغافيم- لمراقبة معبر رفح
-
بعد تحذير خامنئي من حرب إقليمية.. ترامب يأمل في التوصل إلى ا
...
-
-لتكون حرة مرة أخرى-.. ترامب يتحدّث عن اتفاق محتمل مع كوبا
-
مطار الخرطوم يستأنف عملياته بهبوط أول طائرة ركاب منذ اندلاع
...
-
أخبار اليوم: حظر تجول بشمال شرق سوريا مع بدء اتفاق دمشق وقسد
...
-
بوندسليغا: دورتموند يواصل ملاحقة بايرن وشتوتغارت يؤكد صحوته
...
-
هل تدفع إسرائيل واشنطن إلى توجيه ضربة لإيران؟
-
واشنطن تُرسل كبير مسؤوليها لأفريقيا إلى مالي
المزيد.....
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|