|
|
الرئيس مسعود بارزاني وكردستان سوريا
إبراهيم اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مسعود بارزاني
حين تُغلق الخرائط بواباتها يفتح الجبل صدره
إبراهيم اليوسف
قلبٌ يعرف طريقه!
لا يمرَّ اسم الرئيس مسعود بارزاني في الوعي الكردي، أو الإقليمي، أو الإسلامي، والعالمي، كاسم سياسي عابر، إذ ينهض في الذاكرة على هيئة تاريخ مشرف كامل، حيث تختلط صورة الرجل بصورة الجبل الذي تربى في ذراه، وهو ينشأ في أكاديمية والده التي سيكمل مسيرته في قيادتها، فتبدو الملامح حادة، كما تضاريس الجبل، من بعيد، ثم ما تلبث أن تنكشف عن سماحة. عن دفءٍ روحي داخليٍّ نادر، دفءٍ لا ينصرف إلى التنظير، وإنما إلى التطبيق، بيد أنه يترجم هديراً في ساحات الوغى، كما رآه العالم مع" بيشمركته" في أعلي جبال" شنكال"، في مواجهة داعش، وغيرها من الميادين.
تلك الطبيعة المزدوجة صنعت منه قائداً لا يعتمد على البلاغة ولا على المسرح، إنما على ما يتركه الفعل حين يهدأ الغبار. هكذا تعلّم أن السياسة ليست خطاباً طويلاً، إنما قراراً قصيراً يُتخذ في لحظة تضيق فيها الخيارات، ومن هنا صار حضوره في كل أزمة كردية أشبه بيدٍ تُمدّ قبل أن يطلبها أحد.
لم تكن نشأته سيرة مدرسية، إذ إن الطفولة مرّت بين نزوحٍ ورصاصٍ وخيامٍ ووجوهٍ فقدت أبناءها، حيث رأى العالم من- منفذ-" الخندق" لا من شرفة مريحة، فتكوّن لديه حسٌّ واقعيٌّ لم يعد يثق بالشعارات، ولا يطمئن إلى الضمانات اللفظية. هذه التربية القاسية رسّخت في داخله يقيناً مبكراً مفاده أن الكرامة لا تُوهب ولا تستعار، وأن الحماية لا تُستجدى، وأن من لا يحرس نفسه يُترك في العراء. ولهذا فقد صار ينظر إلى القضية الكردية كوحدةٍ واحدة مهما تعددت الأسماء والحدود، إذ لا معنى لجزءٍ آمن وجزءٍ محاصر، ولا معنى لنجاة مدينةٍ وأختها تحت النار.
كردستان سوريا في ضميره لا في خطابه
لقد كشفت المحنة التي عصفت بكرد سوريا في السنوات الأخيرة هشاشة ما كانت تسمّى صداقات دولية، إذ انكفأت عواصم كبرى إلى حساباتها الضيقة، وتحوّل الحليف إلى مراقب متنكر جاحد، بينما تُقصف القرى وتُخلى البيوت وتضيق الحياة حتى آخرها. في هذه اللحظة- تماماً- كما قبلها، كما هو دائماً، لم يتعامل الرئيس مسعود مع غرب كردستان كقضية تضامن رمزي، إنما كجرح كردستاني. كجرح إنساني. كجرح ذاتي، كوجعٍ شخصيٍّ ينال منه، مباشرةً، إذ رأى في كوباني والحسكة وفي: عفرين- وكل مدن الجزيرة، وكل كردي على خريطة روج آفا كردستان- وكل سوريا، بل في كل أجزاء كردستان. داخل الوطن، وخارجه. أسماء لأماكن يعرفها كما يعرف قراه الأولى. من هنا جاء تحرّكه طبيعياً غير متكلف، لأن الإنسان لا يحتاج إلى أي تسويغ، كي يمدّ يده لأخيه.
ومعروف لدى القاصي والداني أن رعاية اتفاقات هولير الأولى ثم الثانية ثم دهوك لم تكن مبادرة علاقات عامة، إنما محاولة شاقة لترميم البيت من الداخل، إذ أدرك أن الانقسام يمنح الخصم ما لا يستطيع انتزاعه بالقوة. جلس مع المختلفين، سمع اعتراضاتهم، تحمّل حدة الكلمات، وأعاد صياغة الجمل حتى تتقارب المسافات، حيث رأى أن توحيد الموقف أهم من تسجيل انتصار حزبي. العمل جرى بعيداً عن الأضواء، لأن البناء الحقيقي لا يُنجز أمام الكاميرات، إنما في ساعات طويلة من الصبر والمراجعة.
قد رافق التحرك الخارجي كل ذلك بهدوءٍ محسوب، لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، حوارات مع توم باراك، رسائل متكررة إلى دوائر القرار، إذ أوصل فكرة واضحة مفادها أن استهداف كرد سوريا ليس مجرد إجراء أو حدث محلي، إنما خطوة تزعزع استقرار منطقة كاملة. إن اللغة التي استخدمها جاءت واثقة، صادقة، عميقة، بعيدة عن سطوة الانفعال، لأن الانفعال لا يقنع أحداً، بينما الحجة الواقعية تُحرج المتردد. إذ أكد لكل هؤلاء أن التخلي عن شركاء الأمس يترك جرحاً لا يندمل، وإن الأمن الذي يتحدثون عنه يبدأ بحماية من وقفوا معهم في أصعب المعارك، رغم أن الرئيس بارزاني كان قد حذر قيادات- قسد- من مغبة التحرك من دون أية وثيقة أو اتفاق بهذا الخصوص، وذلك منذ العام 2017 كما جاء في لقاء تلفزيوني أجرته معه زينة اليازجي.
رؤيته في الاتصال الذي أجراه معه الرئيس المؤقت أحمد الشرع انطلقت من منطق وقف النزيف قبل أي شيء، حيث فضّل فتح بابٍ للحوار على خطورة حدوث انفجار أكبر، إذ لا قيمة لخصومة سياسية إذا كانت النتيجة مزيداً من القبور. لم يمنح أحداً صك براءة، ولم يسلّم لأحدٍ بالقيادة، إنما بحث عن مساحة تمنع الخراب. هذه البراغماتية المتزنة تعكس خبرة رجلٍ جرّب الحرب طويلاً ويعرف ثمن الرصاصة جيداً.
نصيحة الجبل
التجربة الطويلة مع بغداد ومع المجتمع الدولي جعلته شديد الحذر من الوثائق التي لا يرافقها ضمانٌ عملي، إذ رأى مراتٍ كثيرة أوراقاً تُوقّع في الليل ثم تُخرق مع أول ضوء. لذلك جاءت نصيحته إلى القوى الكردية في سوريا صريحةً لا لبس فيها، فهو لا يسوغ الركون إلى محض تعهدٍ لفظي، ولا يكتفي بالتسليم أمام خطاب حسن النية، إنما يجب أن يكون الاعتماد الأول على القدرة الذاتية وعلى تماسك الصف الداخلي الذي شابه خلل كبير، من جراء غرور بعض أولي الأمر الذين أوصلوا كرد سوريا إلى مرحلة جد صعبة. هذه العبارة لم تصدر من موقع تشكيكي، البتة، وإنما من قاع ذاكرة مليئة بالخيبات.
أجل، لم يكتف الرئيس مسعود بارزاني بتوزيع النصح- فحسب- بل إنه ترجم حرصه وغيرته على كرده بكل ما يمكن معنوياً، ودبلوماسياً، وحتى على صعيد المجال الإنساني الصرف، إذ تحركت مؤسسة البارزاني الخيرية إلى المناطق المنكوبة في كوباني- الجزيرة، كما تحركت من قبل نحو عفرين وجنديرس زمن الزلزال في شباط 2023، إذ واصلت إرسال القوافل نحو مدن كرد سوريا بالغذاء والدواء والكساء. ولقد جرى كل هذا العمل بصمتٍ مطبق، لأن الحاجة لا تحتمل الاستعراض، من دون أن ننسى أن ابني هذه المدرسة النضالية المقاومة: نيجيرفان بارزاني ومسرور بارزاني عملا في الاتجاه ذاته، في مجال تأسيس شبكة دعمٍ متصلة لا تتباهى برفع صوتها، إنما تسعى جاهدة لرفع العبء عن الناس، وهو ما يدعونا للقول باطمئنان:
هكذا تتحول السياسة إلى خبزٍ ودواءٍ ويدٍ تربت على كتف أمٍ مفجوعة!
لا كراهية في معاجم الكبار
من عداد الصفات الشخصية للرئيس بارزاني طبيعته، واتزانه، وحكمته التي منحت هذه الأدوار صدقيةً أكبر، إذ يعرف من التقى به أنه يصغي أكثر مما يتكلم، وأنه لا يحمل حقداً دائماً حتى تجاه من أساء إليه. إذ يشتد في الموقف- متى تطلبت الضرورة- إلا أنه سرعان ما يهدأ حين تتاح فرصةٌ للمهادنة، والتسامح، لأن الغاية لديه حماية ذويه. جيرانه. شركائه في المنطقة، لا مراكمة العداوات. هذه السمة جعلته يحوز احتراماً واسعاً خارج حدوده، يشهد له بها أعداؤه، حيث يرى فيه كثيرون- على المستوى المحلي والإقليمي والعربي والإسلامي والعالمي- شريكاً موثوقاً لا مقامراً، وهو ما لم يتأت- مجاناً- وإنما نتيجة خبرات وإرث فكري روحي تجسد في ترجمته القول إلى فعل في أكاديمية النضال والكفاح الإنسانيين.
وقد جاء لقاؤه مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، ليحمل بعداً أخلاقياً إضافياً، إذ نقل قضية الكرد من لغة السياسة إلى لغة الضمير، حيث صارت الحكاية حكاية بشر. شعب. أمة تريد أن تعيش بسلام. هذه الرسالة البسيطة أقوى من أي خطابٍ مطوّل، لأنها تضع الإنسان وإنسانيته، في صميم المركز، بينما يبقى كل ماعدا ذلك مجرد تفاصيل وهوامش.
ومن يراقب دأب واشتغال الرئيس بارزاني يجد أن خروقات الاتفاقات المتتالية، من هدنةٍ تُعلن ثم تُنقض، ومن تعهدٍ يُكتب ثم يُنسف، لم تغيّر بوصلته، إذ ظل يؤكد أن الصراع ليس مع الجوار العربي، إنما مع من يعتدي. هذا التمييز أنقذ علاقات تاريخية بين الكرد والعرب وكل شركائهم في المنطقة، من الانزلاق، بعكس بعض صغار السياسة- وأكاد أقول الكسبة- أو أمراء أو تجار الحرب، لأن الفتنة لا تخدم إلا المعتدي. هكذا بقي خطابه عقلانياً حتى في أشد وأصعب، وأقسى، وأخطر اللحظات، لينصرف إلى العمل بدلاً عن التنظير الأجوف الذي يأنفه.
حضورٌ جبلي
عندما يغيب الآخرون
سيرة مسعود في هذا الملف تبدو كجسدٍ واحد لا فصولاً منفصلة، إذ السياسة عنده امتداد للأخلاق، والإغاثة امتداد للقرار، والكلمة امتداد للفعل. لا فجوات بين ما يقول وما يفعل، ولذلك يلتف الناس حوله ساعة الضيق. لا يحتاج إلى ضجيج كي يُسمع، لأن الأثر يتكلم نيابةً عنه.
من هنا يمكن فهم مكانته في المخيال الكردي، ليس زعيماً حزبياً فحسب، إنما مرجعية وجدانية، رجلٌ يُذكر اسمه حين تتعقّد الطرق. روح الجبل الذي ترعرع وتربى في شعابه وذراه ما زالت تسكنه، إنها الصلابةٌ حين تلزم، والرحمةٌ حين يجب، والحضور العالي الراسخ الثابت كلما تردد الآخرون. هكذا صار مسعود بارزاني عنواناً لمرحلةٍ كاملة. مرحلةٍ يتعلم فيها الكرد أن الاعتماد على أنفسهم أول الطريق، وأن الأخوّة الحقيقية تُقاس بالفعل لا بالتصفيق.
هذا كله يجعل قصته مع كرد سوريا ليست هامشاً في سيرته، إنما قلبها النابض، إذ وقف معهم حين خفّت الأصوات، وتحرك حين جمدت المواقف، ومدّ يده حين تراجعت الأيدي. صورةٌ إنسانية قبل أن تكون سياسية، وصوتٌ بشريٌّ خالص في زمنٍ يكثر فيه الضجيج ويقل فيه الصدق.
بارزاني الإنسانٌ قبل أن يكون قائداً
لم يتكون مسعود بارزاني في مختبر السياسة التلقينية، وإنما استقرأها من تراكم خبرات بيته، أسرته، عائلته، شعبه، محيطه، إذ إن حياته الأولى لم تعرف الفواصل المريحة بين البيت والميدان، ولا المسافة الآمنة بين القرار ونتيجته، حيث اختلطت طفولته بأصوات الانسحاب والعودة، وبوجوه نساءٍ ينتظرن أبناءً لا يعودون، وبطرقٍ ترابيةٍ تُسلك ليلاً كي لا تراها طائرة. هذه التربية القاسية لم تُخرجه مقاتلاً فحسب، إنما أخرجت إنساناً يعرف معنى الخسارة معرفةً مباشرة، ومن عرف الفقد على هذا النحو لا يسوغ له أن يتعامل مع آلام الآخرين كأرقامٍ في تقرير. من هنا بدأت إنسانيته، لا كصفةٍ خطابية، بل كجزءٍ عضوي من نظرته إلى العالم.
إذ إن الرجل الذي رأى البيوت تُهدم فوق ساكنيها لا يمكن أن ينام مرتاحاً وهو يسمع عن مدينةٍ كرديةٍ أخرى تحت القصف، وحيث إن من اقتسم الخبز اليابس مع رفاقه في الخندق لا يستطيع أن يتجاهل عائلةً تبحث عن دواءٍ أو بطانية. تأسيساً على ذلك ظلّ يحمل في داخله حساسيةً عالية تجاه الألم البشري، فيمدّ يده قبل أن يُسأل، ويتحرّك قبل أن تُكتب البيانات. هذه الاستجابة السريعة ليست انفعالاً عاطفياً، إنما عادةٌ تشكّلت عبر عقود، عادةٌ تقول إن السياسة إن لم تحمِ الإنسان صارت لغواً.
حين اشتدّت المحنة على كرد سوريا، وتوالت الأخبار عن حصارٍ وقصفٍ وتهجيرٍ وخذلانٍ دوليٍّ معلنٍ ومستتر، لم يحتج إلى من يذكّره بما يجب فعله، إذ كان المشهد يعيد إليه صوراً قديمة عاشها بنفسه، حيث المدن المعزولة والوعود الكاذبة والانتظار الطويل. لذلك بدا تحرّكه تلقائياً، كأنما يتحرك جسدٌ واحدٌ لا عقلٌ يزن الاحتمالات الباردة. فتح قنوات، أجرى اتصالات، أرسل مساعدات، جمع المختلفين، كل ذلك بلا صخبٍ مقصود، لأن النجدة لا تحتاج إلى ميكروفون.
القوافل التي خرجت من مؤسسات الإغاثة لم تكن عنده نشاطاً خيرياً يُذكر في الخطب، إنما واجباً منزلياً بسيطاً؛ خبزٌ يُنقل إلى جائع، دواءٌ إلى مريض، غطاءٌ إلى طفلٍ يرتجف. هكذا تختصر إنسانيته نفسها في أفعالٍ يوميةٍ لا تبحث عن تصفيق. نيجيرفان ومسرور عملا في الاتجاه ذاته، إذ بدت الأسرة السياسية هنا أقرب إلى عائلةٍ فعلية تتقاسم العبء، لا إلى إدارةٍ تتبادل الصور.
هذه البساطة في الفعل هي التي منحت حضوره صدقيةً عالية، لأن الناس لا يثقون بالكلمات الطويلة بقدر ما يثقون بيدٍ تمسك أيديهم. ومن عاش قربه يعرف أن نظرته إلى المتضرر لا تحمل شفقةً علوية، إنما احتراماً صامتاً، كأنما يرى في كل واحدٍ منهم جزءاً من تاريخه الخاص.
التسامح في معادلة القوة
يشهد للبارزاني الابن أن شدته معروفة، متى تطلب الأمر، إذ خرج من أكاديمية أبيه التي يحرسها، وحقق على مدى عقود حياته ديمومتها، فهي الأكاديمية التي لا تعرف التراخي في مواجهة المعتدي، غير أن هذه الشدة لم تتحول يوماً إلى قسوةٍ عمياء، حيث ظلّ يحتفظ بمسافةٍ أخلاقيةٍ تفصل بين الصراع والضغينة. هذه المسافة- تحديداً- صنعت تسامحه، تسامحاً لا يعني الضعف، إنما يعني القدرة على الفصل بين الحق الشخصي والحق العام.
إذ كثيراً ما واجه خصوماً أساؤوا إليه وإلى تجربته، ثم عاد فجلس معهم على طاولةٍ واحدة إذا رأى في ذلك مصلحةً للناس. لم يتصرف بروح الثأر، ولم يترك جراحه الشخصية تقود القرار. هذه القدرة على كبح الغضب الداخلي نادرة في السياسة، لأن السهل أن ينتقم المرء، بينما الصعب أن يبتلع مرارة ألمه ويختار طريقاً أقل ضجيجاً وأكثر فائدة.
سمة التسامح لديه لم تكن يوماً شعاراً أخلاقياً مجرداً، إنما أداة عمل، تفتح باباً حين يرى أن الباب قد يمنع حرباً، ويصافح خصماً حين يرى أن المصافحة قد تحقن دماً. هكذا يتصرف من يعرف كلفة الرصاصة، ومن رأى بأم عينه كيف تتحول الخصومات الصغيرة إلى مقابر فاغرة الأفواه. لذلك لم يتردد في الحوار حتى مع من اختلف معهم بشدة، ولم يضع نفسه في زاوية العداوة المطلقة.
هذه السمة ظهرت بوضوح في مقاربته لملف كرد سوريا، إذ لم يسمح للخلافات الحزبية أو الاتهامات المتبادلة أن تمنعه من محاولة جمع الأطراف. رعى اتفاقات هولير الأولى والثانية ثم دهوك بصبرٍ طويل، لأنه رأى أن الشقاق الداخلي هدية مجانية للعدو. تحمّل كلماتٍ قاسية، وسمع اتهاماتٍ لا تستقيم، ثم واصل العمل، حيث كان همه أن يخرج الناس بحدٍّ أدنى من الوحدة.
تسامحه لم يكن سذاجةً سياسية، إنما حكمة رجلٍ خبر الدورات التاريخية، ويعرف أن الأمس قد يتحول غداً إلى تحالف، وأن الأبواب المغلقة قد تُفتح فجأة. لذلك ظل يحتفظ بخيطٍ رفيع مع الجميع، خيطٍ يسمح بالعودة إلى الحوار متى لاحت فرصة.
قوة الحجة وصدق الرسالة
كثيرون هم من يرفعون أصواتهم ليبدوا أقوياء، بينما قوة الرئيس مسعود تأتت من هدوئه، إذ إن حجته لا تحتاج إلى الترويج والصوت ذي النبرة العالية في غير مكانها، فهو من يتكلم بجملٍ قصيرة، مباشرة، خالية من الزخرفة، لأن ما يقوله نابعٌ من تجربةٍ لا من مجرد متن أو نصٍّ مدون. هذه البساطة منحت رؤاه، وزناً خاصاً، حيث يشعر المستمع- المتلقي- أنه أمام رجلٍ يقول ما عاشه. ماخبره، لا ما قرأه.
على هذا النحو، فإن قوة الرئيس مسعود الحقيقية تكمن في شجاعته. في روح المقاومة مع حليبه. في صدقه، فهو لا يعد بما لا يستطيع، ويترفع عن كل أمل مجاني، بعيداً عن تجميل الوقائع. إذ يحذّر من وثيقةٍ بلا ضمانٍ يفعل ذلك لأنه شهد بأم عينيه وثائق كثيرة تُخرق، وعندما كان يدعو إلى الاعتماد على الذات فهو يفعل ذلك لأنه جرّب انتظار الآخرين فلم يجدهم ساعة الحاجة. من هنا تصير كلماته قريبة من الواقع، لأن الواقع نفسه هو مصدرها.
إذ إنه في لقاءاته الدولية، ومع مسؤولين أمريكيين ومع توم باراك ومع دوائر القرار، لم يستخدم لغة الاستجداء، إنما لغة الشريك الذي يذكّرهم بمسؤولياتهم. قال لهم إن من وقف معكم في الحرب لا يُترك في السلم، وإن التخلي عن الحلفاء ينسف الثقة. هذه الحجة الأخلاقية يصعب الرد عليها، لأنها لا تقوم على المناورة بل على مبدأ واضح.
الصدق يمنح الرسالة قوة إضافية؛ حين يتكلم لا يشعر السامع بأنه أمام سياسي يناور، إنما أمام رجلٍ يضع الوقائع على الطاولة كما هي. هذه الشفافية تجبر الآخر على احترامه حتى لو اختلف معه. لذلك حاز اعترافاً واسعاً خارج حدوده، لأن العالم يميّز بين من يتكلم ليُرضي ومن يتكلم ليُصيب.
رسالته ظلت ثابتة؛ حماية الإنسان أولاً، وصون الكرامة ثانياً، وكل ما عدا ذلك وسائل. هذا الثبات يمنح خطابه تماسكاً داخلياً، إذ لا تناقض بين الأمس واليوم. من يسمعه بعد سنوات يجد النبرة ذاتها والفكرة ذاتها، لأن الأصل واحد.
ابن أكاديمية الخالد
لابد من الإشارة، إلى أن الانتماء إلى مدرسة الملا مصطفى بارزاني ليس نسباً عائلياً، فحسب، إنما التزاماً أخلاقياً صارماً، إذ تلك المدرسة صاغت مفهوم القيادة بوصفها تضحيةً لا امتيازاً، وبوصفها خدمةً لا سيطرة. مسعود نشأ داخل هذا المعنى، فحمل إرثاً ثقيلاً من المسؤولية قبل أن يحمل لقباً سياسياً.
نشأ الرئيس مسعود في أكاديمية البارزاني الأب الخالد، إذ كان ملازماً له، يسير في الصف الأول، جد قريب منه، وأن القرار يُتخذ تحت النار لا خلف الطاولات، وأن الناس يثقون بمن يشاركهم المخاطر لا بمن يكتفي بالتوجيه. هذه الدروس لم تبقَ حكاياتٍ تُروى، إنما تحولت إلى سلوكٍ يومي. لذلك ظلّ قريباً من" البيشمركه" ومن العائلات، بلا حواجز نفسية ولا بروتوكول متضخم.
وإنه لمن الطبيعي أن ترسخ هذه الأكاديمية ذاتها قيم الحكمة والنبل والوفاء فيه. الوفاء للمكان وللناس وللذاكرة، كما ومن هنا أيضاً حمل بارزاني قضية كرد سوريا كما يحمل قضية أربيل ودهوك، بلا فصلٍ مصطنع. الحدود السياسية لم تغيّر نظرته، لأن الخريطة الحقيقية عنده مرسومة في الضمير.
إذ كلما ضاقت الأرض على الكرد في مكانٍ ما، عاد إلى ذلك الدرس الأول، لا يُترك أحدٌ وحيداً. هكذا تحرك نحو غرب كردستان لا كوسيطٍ بعيد، إنما كابن بيتٍ واحد. هذه الروح العائلية في السياسة نادرة، لأنها تتطلب استعداداً لتحمل الأعباء، من دون انتظار مقابل. إذ تجسدت قوته الأخلاقية هنا مضاعفة؛ ليس لأنه يحمل تاريخاً طويلاً فحسب، بل لأنه ظل أميناً لهذا التاريخ. كثيرون يرثون الأسماء بيد أنهم لا يستطيعون الديمومة، بينما حافظ هو على ثقل رؤاه، إذ بقيت البوصلة هي ذاتها التي حملها الخالد: ألا وهي كرامة الإنسان- أي إنسان- قبل أي شيء.
قارة واحدة
لا جزر متناثرة!
هذه الملامح تُقرأ كلها- معاً - كي تبين فحوى تجربة الرئيس مسعود محيطاً متكاملاً، لا جزراً متباعدة، إذ إن إنسانيته تقود سياسته، كما إن تسـامحه يضبط قوته، مثلما يمنح صدقه حجته صلابة، كما إن انتماءه إلى مدرسة الخالد يمدّه بعمقٍ تاريخي. لا تناقض بين هذه العناصر، لأن الأصل واحد، رجلٌ يرى نفسه مسؤولاً عن الناس قبل أن يرى نفسه صاحب منصب.
لكل هذا فقد ظلّ اسمه يُستدعى كلما اشتدّ الخطر على كرد سوريا، إذ يعرف الناس أن خلف هذا الاسم فعلاً لا مجرد وعد، فهو من يتحرك حين يتردد الآخرون، وهو من يجلد عندما ينفد صبر الآخرين، ويمدّ يده حتى لمن خاصمه، إذا رأى أن في ذلك نجاةً لطفلٍ أو أمٍ أو شيخ، أو أي امرىء، أو أي إنسان.
يتضح، من كل هذا أن الرئيس مسعود بارزاني ليس صاحب مجرد سيرة تُكتب على الهامش، إنما هو ذو حضور حي في لحظةٍ تاريخيةٍ دقيقة. إنه حضورٌ يشبه حضور بهاء، وألق، وشموخ توأم روحه. الجبل الذي هو ملاذ الكرد. الجبل الذب هو ثابتٌ مترسخ الأرومة في مكانه. الجبل واسعُ الصدر. الجبل العصي على المعتدي. الرؤوف باللائذين. هكذا يظل شامخاً، وهكذا يُقرأ، وهكذا يتذكره أهلوه، والغرباء، عندما تضيق الأرض ويتّسع الجبل في صدر رجل.
26-1-26
#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التمثيل الكردي مسؤولية لا امتياز: المطلوب توقيع يجسد إرادة ش
...
-
في بؤس استخدام مصطلح- التحرير- الملفق
-
التوقيع على البيانات بين المسؤولية وفخ الإيقاع
-
في الذكرى الحادية عشرة لانتصار كوباني البطلة قرابين جديدة عل
...
-
في الحصار الثاني على مدينة كوباني: الممر الإنساني بين أبي بك
...
-
حسين الشرع يشهر سكين التحريض في وجه الهدنة والكرد
-
قامشلي في عشية مئويتها! خطاب التعايش في مواجهة مخطط آلة الإر
...
-
كوباني تحت الحصار مدينة تُعاقَب بالجوع والعطش
-
وقائع التهجير من الحسكة ذعر الحصار وفزع الطرق وشبح الحرب!
-
لاحصانة لقاتل: الحرب ليست رخصة للوحشية
-
إنهم يثأرون من الحجارة و الموتى أيضاً! تحطيم شواهد مقابر الش
...
-
ضفيرة ابنة الجبال الشماء حفيدة ليلى قاسم
-
آلية التعتيم الإعلامي الغربي: التغطية على مجازر الكرد عبر تض
...
-
نظرية الحرب الاستباقية دفاعاً عن الذات: تركيا والحرب على أرض
...
-
خبر مفرح وسط نفير الحرب اللعينة!
-
مرسوم رئاسي مؤقت لتسويغ مجازر قادمة مفترضة: التذاكي في لعبة
...
-
لماذا ا لاستباق في تنفيذ العدوان على حيي الأشرفية والشيخ مقص
...
-
ما الذي تغير بين مرحلتين سوريتين أليمتين: من بشار الأسد إلى
...
-
الكرد في مواجهة الإبادة الصامتة: ممنوع التصوير
-
متوالية نقل الخبر وهندسة الكذب في الحروب التي تُدار من غرف ا
...
المزيد.....
-
هل ترقى النسخة الجديدة من برنامج Star Search إلى مستوى نجاحه
...
-
قرقاش يتحدث عن التصعيد بين أمريكا وإيران.. وتعرض بلاده لحملة
...
-
شهر من التقلبات الحادّة في خطاب ترامب.. ما الذي تريده الولاي
...
-
بعد تصنيفه -منظمة إرهابية- في أوروبا.. ماذا نعرف عن الحرس ال
...
-
قضية حُميرة .. حكم تاريخي يكسر جدار التمييز للباحثين عن سكن
...
-
فرنسا: الأكاديمية الفرنسية تعلن رسميا عضوية الكاتب الفرنسي ا
...
-
الاتحاد الأوروبي يصنف الحرس الثوري الإيراني -منظمة إرهابية-
...
-
أمريكيون يقضون 45 مليار دقيقة في مشاهدة -بلووي- مسلسل الرسوم
...
-
إيران تنهض بوجه ترامب: ألف مسيّرة جاهزة للقتال.. ومناورات با
...
-
فيديو ضرب شرطي مسلمتين في هولندا والسلطات تحقق
المزيد.....
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|