محمد غفير
كاتب و مدون
(Mohamed Gafir)
الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 09:13
المحور:
الادب والفن
في كتاب «الشيطان يحكم» لا يتعامل مصطفى محمود مع الشيطان ككائن أسطوري ذي قرون ونار، بل كقوة ذكية تعمل في الخفاء، تتسلل إلى العقل قبل السلوك، وتستولي على الإنسان من بوابة الفكرة لا من باب العنف. الشيطان هنا لا يأمر ولا يصرخ، بل يهمس، يزيّن، ويعيد ترتيب القيم حتى يبدو الباطل منطقيًا، والشر ضرورة، والأنانية حقًا طبيعيًا لا يُناقش. العالم في هذا التصور لا يُدار بالسيوف، بل بالمفاهيم، ولا يُهزم بالقهر، بل بالاقتناع.
يرى الكاتب أن أخطر لحظات سيطرة الشيطان هي تلك التي يظن فيها الإنسان أنه تحرر تمامًا، وأنه صار سيد نفسه بلا مرجعية أعلى، فينقلب العقل من أداة معرفة إلى محامٍ بارع يبرر الرغبات، وتتحول الحرية إلى انفلات، والذكاء إلى دهاء، والتقدم إلى سباق أعمى بلا بوصلة أخلاقية. الشيطان لا يصنع الشر من العدم، بل يستثمر في نقاط الضعف الإنسانية: الكِبر، الطمع، الشهوة، وحب السيطرة، ويترك الإنسان يتوهم أن القرار قراره، بينما الخيوط كلها في يد غيره.
ومن أكثر أفكار الكتاب قسوة وصدقًا أن العلم حين ينفصل عن القيم لا يحرر الإنسان، بل يجعله أكثر قدرة على التدمير. المعرفة بلا ضمير لا تصنع إنسانًا أفضل، بل شيطانًا أكثر كفاءة. الإنسان المعاصر عرف قوانين الكون، لكنه فقد المعنى، امتلك الأدوات، لكنه ضيّع الغاية، فصار التقدم الخارجي يتزامن مع فراغ داخلي مخيف، حضارة ضخمة من الخارج، هشة من الداخل.
الشيطان في رؤية مصطفى محمود ليس عدوًا خارجيًا فقط، بل حالة داخلية، صوت خفي يبرر السقوط ويغلفه بالحكمة الزائفة. وحين تُقصى القيم ويُختزل الوجود في المنفعة واللذة، يصبح الإنسان مادة قابلة للتوجيه، يسهل قيادته وهو يظن نفسه حرًا. لذلك فالمعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والشيطان، بل بين الإنسان ونفسه، بين عقل يعرف حدوده وعقل يتوهم الألوهية.
الكتاب في جوهره تحذير فلسفي لا وعظي: حين يفقد الإنسان تواضعه أمام الحقيقة، وحين يعبد ذاته باسم العقل أو الحرية، لا يحتاج الشيطان إلى أن يحكم بالقوة، يكفيه أن يترك الإنسان يحكم نفسه… فيسقط وحده، وهو يبتسم.
#محمد_غفير (هاشتاغ)
Mohamed_Gafir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟