أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي ابوحبله - ثقافةُ المكابرة وتضخيمُ الأنا… حين يتجاوزُ الغرورُ حدودَ العقلِ والأخلاق














المزيد.....

ثقافةُ المكابرة وتضخيمُ الأنا… حين يتجاوزُ الغرورُ حدودَ العقلِ والأخلاق


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 15:50
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


بقلم المحامي علي أبو حبلة
لم تعد ثقافةُ المكابرة في القول والفعل وتضخيم الأنا أمرًا عابرًا أو سلوكًا فرديًا محدود الأثر، بل باتت حالةً اجتماعيةً وسياسيةً وثقافيةً تمتد بين الأسرة والمدرسة والمهنة والمؤسسة والدولة. وهي ثقافة تتغذى على الغرور وتستمد طاقتها من تعطيل القدرة على الاعتراف بالخطأ، وتكريس أن الحقَّ ما ينطق به صاحب الصوت الأعلى لا صاحب الحجة الأقوى. وقد حذّر القرآن الكريم من هذه الآفة حين خاطب المؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؛ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ».
والمكابرة في أصلها من الكِبْر، ومن الفعل “كابر” الذي يدل على مغالبة بين طرفين، حيث يكون المكابر ظالمًا والمكبَر عليه مظلومًا. وقد قال العرب قديمًا: «إذا عاتبتَ أخاك فاترك له موضعًا للاعتذار لئلّا يحملَه المِراءُ على المكابرة»، إدراكًا لما تحدثه المكابرة من خرابٍ في العلاقات والأخلاق.
وتتسلل هذه الثقافة في المجتمع منذ التنشئة الأولى في الأسرة حين يُربَّى الطفل على إخفاء الحقيقة لا على الاعتراف بها، وعلى تزييف الذات بدل تقويمها، ثم في المدرسة عبر علاقة الطالب بزميله والمعلم، وفي العمل عبر الخوف من الاعتذار، فيتضاعف الخطأ وتصبح الخطيئة مقصودة، ويتحول العامل أو الموظف إلى مكابر لا يرى في الاعتراف ضعفًا بل يرى في الخطأ قوة.
وفي المجال السياسي والإداري تكتسب المكابرة أبعادًا أكثر خطورة، إذ يتحول المسؤول إلى “أنا متضخمة” خارج أطر المحاسبة والمساءلة، فيرى أنه لا يخطئ ولو اجتمع الناس على تخطئته. وقد سجلت مؤسساتنا نماذج عديدة من المسؤولين الذين جمعت شهادات الناس على فشل إداراتهم وتكرار أخطائهم، لكن هوس المكابرة ومنطق “عدم الاعتذار” حال دون الاعتراف والتصويب.
وبينما ظنَّ بعض النخب أن المكابرة سلطة لا تُقهر ومكانة لا تهتز، كانت منصات التواصل تكشف الأوهام وتفضح الادعاءات وتخضع الخطاب لرقابة مجتمعية غير مسبوقة. إنها رقابة لم تكن متاحة في زمن كان القول فيه يسبق الفعل، والادعاء يسبق الحقيقة.
وفي المشهد الدولي المعاصر ظهرت الشعبوية المكابِرة بوصفها نموذجًا صارخًا؛ فقد جسّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ظاهرة تضخيم الأنا وتعظيم الذات بلغة شعبوية تنم عن ضحالة سياسية وثقافية، وتستند إلى إثارة الغرائز بدل مخاطبة العقول. ورأى الرجل أن الاعتراف بالخطأ هزيمة، وأن الصوت العالي يغني عن البرهان، وأن الهجوم يغني عن التحليل، وأن تزييف الحقائق يغني عن فهمها. وهذه الشعبوية ليست مجرد مزاج سياسي عابر، بل بنية كاملة تنتعش في المجتمعات التي أُنهكت معرفيًا وثقافيًا. وقد تنبّهت الفيلسوفة حنّة آرندت إلى هذا الخطر حين تحدثت عن «تفاهة الشر»، الذي لا يحتاج إلى العمق بل إلى جمهور يصفق للوهم ويعاقب الحقيقة.
ولم تعد هذه الظاهرة حكرًا على قادة الدول، بل تسربت إلى بعض الإعلاميين و”المثقفين المزيفين” ومنابر تحولت إلى أبواق تحاول فرض أصحابها بالقوة والصوت والتسلق لا بالمعرفة والوعي. فأفلست سياسيًا وثقافيًا وفكريًا حين فقدت القدرة على إنتاج المحتوى واستبدلته بالتراشق والهتاف، لأن اختبار العقل يسقطها واختبار الثقافة يفضح ضحالتها.
وليس الأمر جديدًا على التاريخ؛ فقد كتب ابن خلدون عن “البطر” و“الترف” في مرحلة انحطاط السلطة، وحذّر الجاحظ من الغرور المزهو بالذات، فيما رأى ميكافيلي أن السلطة التي لا تعترف بالفشل تفتح الطريق للهزيمة، وأشار نيتشه إلى أن إرادة القوة حين تفقد أخلاق المساءلة تتحول إلى غطرسة تدمر صاحبها. وأثبتت التجارب التاريخية — من أثينا في حرب البيلوبونيز إلى فرنسا ما قبل الثورة — أن الأمم لا تموت بالهزيمة بل بالغرور الذي يمنعها من تصحيح الهزيمة.
وحقيقة القول إن مواجهة ثقافة المكابرة لا تتحقق بالوعظ وحده، ولا بالتربية وحدها، ولا بالمساءلة وحدها، بل بمنظومة كاملة تحمي الحقيقة وتكافئ الاعتراف بالخطأ ولا ترى في الاعتذار انكسارًا. فالأمم التي لا تراجع الذات تتحول شعوبها إلى ضحايا غرور قادتها ونخبها وأبواقها، ويصدق فيهم قول الكميت بن زيد الأسدي:
«ونمنعُ بالأسنّةِ ما سَخِطْنَا مُكَابرةً ونأخُذُ ما هَوِينَا».



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «دافوس 2026»… عالم يتغيّر خارج القواعد القديمة
- مجلس ترمب للسلام: هندسة سياسية خارج الأمم المتحدة وتثبيت لسي ...
- إسرائيل ترعى “سلام العائلات” في الخليل: إدارة مجتمع أم تآكل ...
- رسالة الطيراوي للرئيس عباس: دعوة لتعزيز الثقة والوحدة الوطني ...
- من يملك حق قرصنة العالم؟ حين تتبدّل شرعية القوة في النظام ال ...
- “مجلس السلام” بين رد الفعل الفلسطيني والعربي واستحقاقات اليو ...
- فتح ملفات البلديات: المساءلة بين سيادة القانون ومتطلبات الإص ...
- كنائس القدس تحذر من المسيحية الصهيونية الإنجليكية ؟؟؟؟
- إدارة اليوم التالي بين خلاف الحلفاء وتدويل الملف
- مواجهة دبلوماسية أم اعتراض شكلي؟
- يا أمة الإسراء والمعراج… القدس تناديكم
- غزة بين خطة السلام والمرحلة الانتقالية
- مبادرة لتحويل نادي الفاضلية إلى منصة ثقافية وتربوية تعزز اله ...
- معبر الكرامة… بين الجغرافيا والسياسة وحقوق الإنسان: قراءة مو ...
- انقلاب ترامب المفاجئ تجاه إيران: صدمة لإسرائيل ودلالات استرا ...
- شعبوية ترمب… حين ينقلب السحر على الساحر
- الأمن والأمان ركيزة أساسية للثبات والصمود والاستقرار
- ترمب بين الشعبوية والسياسة الدولية: تداعيات على صورة الولايا ...
- ابتزاز اقتصادي بوسائل قانونية: دعوى شركة تأمين إسرائيلية ضد ...
- مجلس السلام في غزة: وصاية دولية مُقنّعة أم هندسة لسلام مُكبّ ...


المزيد.....




- مقاطع فيديو تكشف لحظات سبقت نزع عملاء فيدراليين لسلاح يُزعم ...
- مقبرة ضخمة توثق أهوال الحرب العالمية الثانية ويقول بعض الزوا ...
- شاهد.. سكان تكساس يقدمون المساعدة في دفع السيارات العالقة با ...
- بودكاستر أميركي يهاجم إدارة ترامب.. ما علاقة مداهمات الهجرة ...
- 10 سنوات على مقتل جوليو ريجيني في مصر: قضية الباحث الإيطالي ...
- هل يتجسس تيك توك على التطبيقات الأخرى؟
- الولايات المتحدة: حرمان الملايين من الكهرباء وإلغاء آلاف الر ...
- رئيس الوزراء السنغالي سيزور المغرب وسط توتر أشعلته أحداث نها ...
- التصعيد العسكري يهدد الانتخابات والسلام بدولة جنوب السودان
- حكومة جديدة في كوت ديفوار تحت شعار الاستمرارية


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي ابوحبله - ثقافةُ المكابرة وتضخيمُ الأنا… حين يتجاوزُ الغرورُ حدودَ العقلِ والأخلاق