أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - قصة قصيرة : زقاق الغيمات














المزيد.....

قصة قصيرة : زقاق الغيمات


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 22:15
المحور: الادب والفن
    


المدينة في تلك الليلة لم تُعرَف مكانًا، بل حالةً معلّقة بين ما حدث وما لم يُكتَب بعد. كان البلل يصعد من الأرض، كأن الأزقة تتنفّس ذاكرتها الثقيلة. في الزقاق الضيّق، كانت الفتاة تمشي لا لتصل، بل لتختبر وجودها؛ ظلّها يتشقق على الإسفلت، وخطواتها تبدو صدى لامرأة أخرى مرّت قبلها ولم تلتفت. لم تكن المظلة الرمادية درعًا من البلل، بل قناعًا هشًّا لما يتساقط داخلها من أفكار بلا ملامح.
الزقاق يعانق الخريف، والمدينة تُغسل ببطء، كأن المطر طقس اعترافٍ جماعي. الرصيف يلوّح بأدراجه، والأوراق المتساقطة تنحدر كمشاعر حبٍّ ضائعة، لا تجد صدرًا تستقر عليه. شمسٌ صغيرة تحاول النجاة من الغياب، فيما المطر ينهمر كزخّات ذكريات لا تعرف لمن تعود.
خطواتها على السطوح المبلّلة تنسج لحنًا مكسورًا، لا يسمعه أحد سوى الهواء. الضباب يلتف حول الشوارع بشغفٍ كثيف، يطمس الوجوه، ويحوّل المارّة إلى أشباح تعبر بلا أسماء، بلا ماضٍ واضح. ومن المقهى القريب، تتسرّب رائحة القهوة، فتشعل في قلبها رغبةً قديمة في الدفء، كأن الكلمات يمكن أن تكون مأوى مؤقتًا.
مسحت قطرات المطر عن المظلة بيدٍ مترددة، وتذكّرت كيف صار الشوق جزءًا من يومها؛ لا يُعلن حضوره، بل يترك أثره. تساءلت: أهي أنغام الصوت البعيد علامة افتقار، أم أن الألوان المتلاشية في الزاوية تتكلم نيابةً عن فراغٍ أعمق؟ كل ما حولها بدا فوضى جمالية، تشبه العاطفة حين تستقر في لحظة صمت ولا تجد تفسيرًا.
توقّفت قليلًا تراقب الازدحام العابر، فبان لها أن الناس يسيرون داخل بيوت غير مرئية، محمولة فوق أكتافهم، وعيونهم مفتوحة على بحثٍ لا يعرف اسمه. فجأة، انسكب الضوء الخافت على المكان، لا ليكشفه، بل ليعيد ترتيبه كحلمٍ مؤجَّل. تمنّت لو تستطيع اقتناص تلك اللحظة، أن تضمّها إلى صدرها كذكرى لا يطالها التلف.
تابعت سيرها بخطوات أكثر يقينًا، كأنها تستكشف مدينة لا تُرى إلا لمن يضيع فيها. كل نقطة مطر حكاية مؤجَّلة، وكل ورقة تسقط أغنية بلا صوت. وفي نهاية اليوم، أدركت أن الحياة، بكل تضاريسها المتداخلة، ليست لوحة مكتملة ولا رسمًا واحدًا، بل طبقات من ألوان تتراكب، وتترك في الداخل أثرًا لا يُقال، ولا يُمحى.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما
- ملامح الغياب والضوء
- وهم الانشغال
- قرب بلا رغبة
- قصة قصيرة الجولة المفتوحة
- قصة قصيرة أثرٌ لا يجفّ
- السفر إلى المستقبل… عبر تطبيقات الهاتف
- هوس المبالغة… حين يتحوّل كل شيء إلى حدث تاريخي
- النجاح صفة من يقود الحياة
- الوعي الصفة الأكثر قوة في الشخصية
- ثقافة الاختلاف والتعدد : هل يمكن للثقافة أن تزدهر دون تنوع؟
- كانت أحلاما
- دور القراءة في الوعي
- الراتب ومحاولة الاقتصاد في الصرف
- يوم منظم... أو هكذا نعتقد!
- القراءة... سؤال الوعي في زمن السرعة


المزيد.....




- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...
- الفنان توفيق عبد الحميد يحسم اعتزاله بلا رجعة.. وهذه أسبابه ...
- بوتمن: مشروع أول جامعة متخصصة في موسيقى الجاز في روسيا جاهز ...
- -الحرب لا تنتهي عند الرصاصة الأخيرة-.. مصور إسباني يوثق جراح ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - قصة قصيرة : زقاق الغيمات