مكسيم العراقي
كاتب وباحث يؤمن بعراق واحد قوي مسالم ديمقراطي علماني بلا عفن ديني طائفي قومي
(Maxim Al-iraqi)
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 23:51
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
140. دبلوماسية الأقنعة... كيف كشف البيت الأبيض باطنية النظام الإيراني وتناقض الخطاب؟
141. عزلة المنبوذ... دلالات الحظر الأوروبي على مسؤولي طهران وموجة القطيعة الدبلوماسية الشاملة
142. لعنة الحسابات الخاطئة... خيط الفشل الرفيع بين تسيليم وطبس وكابول
143. العمى الاستراتيجي والفجوة بين انشغالات الشعب الأمريكي وأوهام النخبة وأخطاء الماضي
144. ديمقراطية العقول والحديد... تشريح الدولة العميقة في أمريكا وصراع النخبة ضد الأرقام
145. زلزال كراكاس.. اعتقال مادورو في 3 كانون الثاني 2026 ونهاية عصر التحصن الأيديولوجي أمام الجراحة الرقمية
146. مشهد اعتقال مادورو في كانون الثاني 2026 كنسخة تكنولوجية مطورة لمشهد اعتقال صدام حسين في 2003
147. الجاليات العربية والعراقية، ومكانتها في سوق النفوذ مقارنة باللوبيات الضاربة في واشنطن
(140)
دبلوماسية الأقنعة... كيف كشف البيت الأبيض باطنية النظام الإيراني وتناقض الخطاب؟
مصدر- الشرق الاوسط 12 ك2 2026
البيت الأبيض: ما تقوله إيران في العلن يختلف عن رسائلها السرية إلى أميركا
https://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5229063-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D9%82%D9%88%D9%84%D9%87-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%86-%D9%8A%D8%AE%D8%AA%D9%84%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7
يمثل التصريح الصادر عن البيت الأبيض، حجر زاوية في فهم السياسة الإيرانية لعام 2026. التأكيد الأمريكي على أن ما تقوله إيران في العلن يختلف عن رسائلها السرية ليس مجرد مناورة إعلامية، بل هو كشف لآلية البقاء الإيرانية التي تعتمد على الفصل التام بين الشعارات الثورية الموجهة للغوغاء، والصفقات البراغماتية الموجهة لمراكز القوة العالمية.
1. تحليل خبر البيت الأبيض..ز الرسائل المزدوجة
عندما تشير واشنطن إلى هذا التناقض، فهي تحلل السلوك الإيراني وفق مستويين:
• المستوى العلني (التعبئة الأيديولوجية): يهدف الزعيق ضد الشيطان الأكبر إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وقادة المليشيات. هذا الخطاب ضروري لمنع انهيار الروح المعنوية لدى اجهزة النظام ومليشياته واداوته الذين قد يضحون بأنفسهم ظناً منهم أن طهران في حالة حرب مقدسة شاملة.
• المستوى السري (البحث عن الضمانات): الرسائل السرية التي تصل إلى واشنطن (غالباً عبر الوسطاء) تتسم بلغة الاستجداء الاستراتيجي. إيران تعرض خلف الكواليس كبح جماح أذرعها، أو تجميد أجزاء من برنامجها النووي، مقابل ضمان عدم استهداف النظام أو تخفيف الخناق المالي.
2. الربط التاريخي... جذور التقية السياسية ونفسية حائك السجاد
هذا النفاق ليس وليد الصدفة، بل هو متجذر في الشخصية السياسية الإيرانية:
• الإرث الصفوي والمكر: تاريخياً، اعتمدت الدولة الصفوية على تغيير الجلود للبقاء بين القوى العثمانية والأوروبية. النفسية الإيرانية تمجد الزرنكي (الدهاء)، حيث يُعتبر السياسي الناجح هو من يستطيع إيهام خصمه بشيء بينما ينسج واقعاً آخر تحت الطاولة.
• التقية كأداة حكم: تم نقل التقية من مفهوم الحماية الفردية إلى تقية الدولة. النظام الإيراني يرى في الكذب على الأعداء (وحتى على الأتباع) واجباً شرعياً لحماية بيضة الإسلام (التي تعني في قاموسهم بقاء الكرسي في طهران).
3. خباثة التوريط... لماذا يضحون بالعراقيين والعرب؟
يرتبط خبر الرسائل السرية بمسألة إرسال المليشيات العراقية لقمع الشعب الإيراني أو القتال في سوريا:
• استخدام الأطراف وقوداً للمساومة: بينما ترسل طهران المليشيات العراقية للميدان لتثبت سطوتها، فإنها تستخدم هذه السطوة كـ ورقة تفاوض في رسائلها السرية لأمريكا. المعنى الضمني هو: نحن نملك مفاتيح التهدئة في العراق وسوريا، أعطونا ما نريد وسنأمرهم بالانسحاب.
• توريط العراق تاريخياً: من خلال دفع المليشيات العراقية لارتكاب جرائم، تضمن إيران بقاء هؤلاء المقاتلين منبوذين محلياً ودولياً، مما يضطرهم للالتصاق أكثر بطهران لأنه لم يعد لديهم ملجأ آخر.
4. التداعيات: كشف الغطاء عن الأتباع
كشف البيت الأبيض لهذه الرسائل السرية هو عملية تعرية أخلاقية للنظام:
• صدمة المؤمنين بالوهم: الرسالة موجهة للمقاتل المليشياوي في العراق: بينما تقتل وتُقتل تحت شعار الموت لأمريكا، ترسل قيادتك في طهران رسائل ودية وطلبات استرحام لذات الجهة التي تطلب منك محاربتها.
• نهاية المصداقية: هذا التناقض يضعف القوة الناعمة لإيران، ويظهرها كدولة مصلحة قومية فارسية بامتياز، تستخدم الدين والشعارات كغطاء لتوسيع نفوذها فقط.
تثبت الأحداث أن النظام الإيراني يعاني من انفصام استراتيجي؛ فهو يحتاج للزعيق ليبقى ثورة، ويحتاج للرسائل السرية ليبقى دولة. الخبر المنشور في الشرق الأوسط يؤكد أن المجتمع الدولي بات يدرك أن الحقيقة في طهران لا تُسمع في خطابات الجمعة، بل تُقرأ في الأوراق السرية المتبادلة في الغرف المظلمة.
(141)
عزلة المنبوذ... دلالات الحظر الأوروبي على مسؤولي طهران وموجة القطيعة الدبلوماسية الشاملة
مصدر- الشرق الاوسط في 12 د2 2026
البرلمان الأوروبي يحظر على الدبلوماسيين أو المسؤولين الإيرانيين دخول مقاره
https://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5228989-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D8%B8%D8%B1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A8%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%AF%D8%AE%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%87
يمثل قرار البرلمان الأوروبي بحظر دخول الدبلوماسيين والمسؤولين الإيرانيين إلى مقاره تحولاً جذرياً في السياسة الأوروبية تجاه طهران. هذا الإجراء ليس مجرد خطوة بروتوكولية، بل هو إعلان رسمي عن انتهاء حقبة الدبلوماسية الناعمة وبدء مرحلة النبذ السياسي.
1. أهمية حظر دخول الدبلوماسيين الإيرانيين للمقار الأوروبية
تكمن أهمية هذا الخبر في عدة نقاط استراتيجية:
• رفع الشرعية السياسية: البرلمان الأوروبي هو صوت الشعوب الأوروبية؛ وحظر المسؤولين الإيرانيين يعني أن النظام في طهران لم يعد شريكاً محاوراً بل جهة غير مرغوب فيها (Persona non grata) شعبياً وقانونياً.
• شل قدرات اللوبي الإيراني: كانت إيران تعتمد على دبلوماسييها للضغط على النواب الأوروبيين لمنع صدور عقوبات. هذا الحظر يقطع قنوات التأثير المباشر ويترك الساحة مفتوحة للمعارضة والناشطين الإيرانيين.
• رسالة تضامن مع الداخل: الحظر جاء كرد فعل مباشر على القمع الدموي للاحتجاجات، وهي رسالة للشعب الإيراني بأن جلاديكم لا يملكون مكاناً في عواصم الديمقراطية.
2. التصنيفات والقرارات الأوروبية الثقيلة
إلى جانب حظر الدخول، اتخذت أوروبا سلسلة من الإجراءات التصعيدية غير المسبوقة:
• تصنيف الحرس الثوري (IRGC) كمنظمة إرهابية:
يعد هذا القرار النووي في السياسة الأوروبية. البرلمان الأوروبي دفع بقوة في عام 2025 و2026 لتصنيف الحرس الثوري بكافة أذرعه (بما في ذلك فيلق القدس) كمنظمة إرهابية، مما يعني تجميد كافة أصوله ومنع أي تعامل مالي مع الشركات التابعة له (التي تسيطر على 40% من اقتصاد إيران).
• توسيع قوائم العقوبات (Human Rights Sanctions):
فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على مئات الشخصيات، شملت:
--قادة في البسيج والشرطة الأخلاقية.
--قضاة أصدروا أحكام إعدام ضد المتظاهرين.
--مديري السجون (مثل سجن إيفين).
• عقوبات المسيرات والصواريخ:
بسبب دعم إيران لروسيا في حرب أوكرانيا، فرضت أوروبا عقوبات مشددة على شركات الطيران الإيرانية (Iran Air) وشركات الشحن، مما أدى إلى شبه عزل للمجال الجوي الإيراني عن القارة الأوروبية.
3. التصريحات الأوروبية.. نبرة اللاعودة
تغيرت اللغة الدبلوماسية من القلق إلى المحاسبة:
• رئيسة البرلمان الأوروبي (روبرتا ميتسولا): صرحت بوضوح: لن ننظر في الاتجاه الآخر بينما يُقتل المتظاهرون؛ لا تواصل مع نظام يقتل شعبه.
• جوزيب بوريل (منسق السياسة الخارجية): رغم محاولاته السابقة لإحياء الاتفاق النووي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن القمع الداخلي والدعم العسكري لروسيا جعلا الاتفاق في غرفة الإنعاش.
• وزراء خارجية (ألمانيا وفرنسا): شددوا على ضرورة الضغط الأقصى (Maximum Pressure) بنسخة أوروبية، تهدف إلى عزل النظام سياسياً وتجفيف منابعه المالية في القارة.
4. الربط مع النفاق الإيراني والرسائل السرية
• هذا التصعيد الأوروبي يفسر لماذا تسعى إيران (كما ذكرنا في المقال السابق) لإرسال رسائل سرية لأمريكا. طهران تدرك أن الحصن الأوروبي الذي كان يحميها من العقوبات الأمريكية المنفردة قد انهار.
• عندما يُطرد الدبلوماسي الإيراني من بروكسل وستراسبورغ، يفقد النظام الغطاء الذي كان يستخدمه للمناورة. لذا، تتحول إيران للنفاق؛ تصرخ في العلن ضد أوروبا، وتتوسل في السر عبر الوسطاء لفتح أي ثغرة دبلوماسية تمنع الانهيار الكامل.
• أوروبا اليوم تنتقل من الحوار إلى المواجهة القانونية. حظر الدخول هو الخطوة الأولى في مسار سيؤدي حتماً إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية بالكامل إذا استمر النظام في سياسة القمع الداخلي وتصدير المليشيات. إيران الآن محاصرة بين زعيقها الذي لم يعد يخيف أحداً، وبين عزلتها التي بدأت تضيق الخناق على مفاصل الدولة.
(142)
لعنة الحسابات الخاطئة... خيط الفشل الرفيع بين تسيليم وطبس وكابول
• تجمع بعض الأحداث خيوط استراتيجية ونفسية عميقة تكشف هشاشة القوى العظمى عندما تصطدم بغرور التخطيط أو سوء تقدير الواقع الميداني. إن الرابط الجوهري بين فشل إسرائيل في اغتيال صدام، وفشل أمريكا في طبس، والانسحاب من أفغانستان، هو انهيار الهيبة أمام التفاصيل الصغيرة.
1. فشل تسيليم ب (إسرائيل - 1992).. الغرور القاتل
كانت عملية العوسج (Operation Bramble Bush) تهدف لاغتيال صدام حسين في جنازة خاله، لاستعادة الردع الإسرائيلي بعد صواريخ سكود في 1991.
في قاعدة تسيليم بصحراء النقب، وأثناء تدريب رطب (بالذخيرة الحية) أمام قادة الأركان (بمن فيهم إيهود باراك)، أطلق جندي صاروخاً حياً بدلاً من الصاروخ التدريبي نتيجة خطأ في الضغط على الزر المتشابه.
قُتل 5 من نخبة كوماندوز سيريت ماتكال.
الفشل هنا كان تكتيكياً داخلياً؛ حيث غلب الحماس والضغط النفسي على الدقة الاحترافية، مما أدى لإلغاء العملية تماماً ونجا صدام من محاولة محققة.
2. عملية طبس (أمريكا - 1980).. الطبيعة تهزم التكنولوجيا
محاولة تحرير الرهائن الأمريكيين في طهران (عملية مخلب النسر) كانت أول اختبار كبير لقوات الدلتا.
اصطدمت طائرة C-130 بمروحية RH-53 وسط عاصفة رملية في صحراء طبس بإيران، مما أدى لمقتل 8 جنود وتفحم جثثهم وترك الطائرات خلفهم.
السبب كان غياب التنسيق بين الصنوف العسكرية والاعتماد المفرط على تكنولوجيا لم تختبر في ظروف صحراوية قاسية.
كان هذا الفشل لوجستياً ومخابراتياً، وأدى لسقوط جيمي كارتر سياسياً وولادة قيادة العمليات الخاصة الأمريكية (SOCOM) كدرس من الكارثة.
3. انسحاب أفغانستان (أمريكا - 2021).. التبخر الاستراتيجي
بعد 20 عاماً من الغزو، انتهى الوجود الأمريكي بمشاهد مأساوية في مطار كابول.
انسحاب فوضوي أدى لسقوط البلاد بيد طالبان في أيام معدودة، تاركاً خلفه معدات بمليارات الدولارات ومترجمين وحلفاء يواجهون مصيرهم.
تحاول الإدارة الأمريكية اليوم تصوير الانسحاب كـ نهاية للحروب الأبدية للتركيز على الصين، لكن وصمة المطار لا تزال تلاحق صورة القوة العظمى.
هذا الفشل كان استراتيجياً وأخلاقياً؛ حيث انهار بناء استمر عقدين في لحظات نتيجة سوء تقدير قوة الخصم وهشاشة الحليف وبناء نظام فاسد نتيجة فساد المنطومة الحاكمة الامريكية كماهو العراق.
4. الربط بين الماضي والحاضر..متلازمة العجز
ما يجمع هذه الأحداث ببعضها وبالواقع الحالي (مثل التعثر في حسم ملفات غزة أو أوكرانيا) هو:
• فجوة المختبر والواقع: التدريب في تسيليم فشل لأنه لم يحاكِ تعقيد الميدان، وطبس فشلت لأنها لم تحسب حساب الرمل، وأفغانستان فشلت لأن واشنطن بنت جيشاً كرتونياً في المختبرات الورقية ونظاما فاسدا.
• الاعتماد على الوكلاء والجواسيس: في كل هذه الحالات، كان هناك اعتماد على معلومات من جواسيس أو خونة تبين لاحقاً أنها مضللة أو ناقصة.
• تآكل الردع: كل فشل من هؤلاء كان يمنح الخصوم (إيران، الميليشيات، طالبان) جرعة ثقة بأن البعبع الأمريكي أو الإسرائيلي يمكن هزيمته بأدوات بسيطة أو بانتظار اللحظة المناسبة.
5. أحداث أخرى مرتبطة (تكمل العقد):
1. حرب لبنان 2006: فشل إسرائيل في تدمير حزب الله برغم التفوق الجوي، وهو امتداد لفشل التدريب على مقاومة حروب العصابات.
2. خداع أكتوبر (حماس 2023)... أكبر فشل استخباراتي إسرائيلي منذ 1973، يرتبط مباشرة بـ الغرور التكنولوجي الذي تسبب في كارثة تسيليم سابقاً؛ حيث تم الاعتماد على الجدران الذكية والكاميرات بينما كان الخصم يخطط تحت الأرض. وهناك راي اخر ان نتنياهو هو من سمح بحدوث الهجوم ليسحق غزة وحزب الله والنظام السوري وايران والمليسيات العراقية والحوثي دفعة واحدة.
3. غزو العراق 2003: الفشل في العثور على أسلحة الدمار الشامل، وهو كذبة حاولت محو فشل احتواء صدام لسنوات، فانتهت بتسليم العراق لإيران.
إن ما يحدث الآن في المنطقة هو انفجار لكل التراكمات السابقة. النظام الإيراني والمليشيات يعيشون اليوم على إرث طبس وأفغانستان، مؤمنين أن القوة العظمى نمر من ورق إذا ما واجهت حرب استنزاف طويلة أو تفاصيل ميدانية غير محسوبة.
(143)
العمى الاستراتيجي والفجوة بين انشغالات الشعب الأمريكي وأوهام النخبة وأخطاء الماضي
تعاني الولايات المتحدة من أزمة إدراك حادة تجاه العالم الخارجي، حيث ينقسم الفهم الأمريكي إلى مستويين متناقضين: شعب منشغل بالداخل، ونخبة غارقة في أيديولوجيا القيادة العالمية التي أثبتت الأيام عقم الكثير من فرضياتها. هذا الانفصام هو المحرك الرئيسي لأخطاء واشنطن المتكررة.
1. فهم الشعب الأمريكي ومشاغله (العزلة الطوعية)
المواطن الأمريكي العادي، في معظمه، يمتلك ثقافة جغرافية محدودة، ليس غباءً، بل لأن اهتماماته محصورة في الجزيرة الأمريكية الشاسعة:
• الاقتصاد المحلي هو البوصلة: مشاغل الأمريكي تبدأ وتنتهي عند سعر البنزين، معدل التضخم، وتكلفة التأمين الصحي. العالم الخارجي لا يظهر في وعيه إلا إذا أثر على جيبه أو أمنه الشخصي.
• فوبيا الحروب الأبدية: بعد تجارب أفغانستان والعراق، تزايدت لدى الشعب نزعة انعزالية. الشعب يتساءل: لماذا تُصرف المليارات على أوكرانيا أو تايوان بينما تنهار البنية التحتية في أوهايو؟.
• التبسيط المخل: يميل الجمهور الأمريكي لفهم النزاعات العالمية كقصص أبيض وأسود (أخيار ضد أشرار)، وهو ما تستغله الماكينة الإعلامية لتمرير سياسات معينة، لكن هذا الفهم ينهار بسرعة عند أول تعقيد ميداني.
2. فهم النخبة (أوهام التفوق والتحكم)
على النقيض من الشعب، تعيش النخبة في واشنطن (مراكز الأبحاث، البنتاغون، الخارجية) داخل فقاعة من النظريات:
• عقدة الأمة الضرورية: تؤمن النخبة أن العالم سينهار دون تدخل أمريكي، مما يدفعهم لفرض قيم ثقافية وسياسية (مثل الديمقراطية الليبرالية) على مجتمعات ذات جذور تاريخية ودينية مختلفة تماماً (كالعراق أو أفغانستان).
• الانفصال عن الواقع الميداني: تعتمد النخبة على تقارير استخباراتية مشوهة غالباً ما تُكتب لإرضاء أصحاب القرار، مما يؤدي إلى قرارات كارثية مبنية على تمنيات لا حقائق.
• الغطرسة التكنولوجية: تعتقد النخبة أن التفوق العسكري والتقني يمكنه حسم أي صراع، متجاهلين العوامل البشرية والثقافية والاجتماعية التي تسببت في هزائمهم التاريخية.
3. أخطاء الماضي الأمريكي (دروس لم تُستوعب)
تكرار الأخطاء هو السمة الأبرز للسياسة الأمريكية، وهي ناتجة عن سوء فهم عميق للتاريخ:
• فشل بناء الدول (Nation Building): أكبر خطأ تاريخي هو الاعتقاد بأن تغيير النظام (Regime Change) سيؤدي تلقائياً لدولة ديمقراطية. حدث هذا في فيتنام، ثم العراق، ثم ليبيا، وكانت النتيجة دائماً هي الفوضى أو تسليم الدولة لخصوم (مثل تسليم العراق لإيران).
• دعم الدكتاتور الصديق: تاريخ أمريكا حافل بدعم أنظمة قمعية بحجة الاستقرار (مثل شاه إيران)، لتفاجأ لاحقاً بثورات شعبية تنفجر في وجهها وتحول تلك الدول إلى أعداء لدودين.
• سوء تقدير القوى المحلية: في فيتنام، فشلوا في فهم الروح القومية للـ فيت كونغ. وفي إيران (1979)، فشلوا في رؤية قوة التيار الديني. وفي أفغانستان، لم يستوعبوا أن طالبان جزء من نسيج قبلي لا يمكن محوه بالقنابل بل بانظمة شريفة لاتستطيع امريكا بنائها.
4. الربط بين الماضي والواقع الحالي
هذا الجهل المزدوج (شعب غير مهتم ونخبة مغرورة) يفسر التخبط الحالي:
• في العراق: لا تزال واشنطن تتعامل مع النظام الحالي (الموالي لإيران) وكأنه حليف ديمقراطي، متجاهلة رسائل الشعب العراقي في الساحات.
• في إيران: تتردد واشنطن بين المهادنة السرية والزعيق العلني لأنها لا تملك رؤية واضحة لماهية البديل، وتخشى تكرار سيناريو العراق.
تكمن المشكلة الأمريكية في أن القوة أعمتهم عن الفهم. الشعب يريد الانعزال، والنخبة تريد الهيمنة، والنتيجة هي سياسة خارجية تتسم بـ قصر النظر الاستراتيجي. أمريكا لا ترى العالم كما هو، بل كما تريد أن تراه من خلال عدساتها الخاصة، وهذا هو السبب الرئيسي في أن كل تدخلاتها تنتهي بـ فشل ناجح إعلامياً، وكارثة إنسانية وسياسية على أرض الواقع.
(144)
ديمقراطية العقول والحديد... تشريح الدولة العميقة في أمريكا وصراع النخبة ضد الأرقام
خلف ستار الانتخابات الصاخب وصناديق الاقتراع، تُدار الولايات المتحدة بواسطة ترس معقد من النخب العلمية والإدارية والعسكرية. هذا الترتيب ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج فلسفي وتاريخي عميق يرى أن الجماهير قد تمنح الشرعية، لكن النخبة هي من تضمن الاستقرار والسيادة.
1. ممَّ تتكون النخبة الحاكمة؟ (بالأرقام التقديرية)
لا يُحكم القرار الاستراتيجي الأمريكي بواسطة 330 مليون مواطن، بل عبر دائرة ضيقة لا تتجاوز 100,000 إلى 150,000 شخص، يمثلون عصب الدولة:
• النخبة العسكرية والأمنية (~15,000 كادر): تشمل هيئة الأركان المشتركة، قادة القوات الموحدة، ومديري وكالات الاستخبارات (17 وكالة). هؤلاء هم حراس الأمن القومي الذين لا يتغيرون بتغير الرؤساء إلا في المناصب العليا فقط.
• النخبة الإدارية البيروقراطية (~60,000 شخص): يطلق عليهم التكنوقراط، وهم كبار الموظفين في الوزارات السيادية (الخزانة، الخارجية، التجارة). هؤلاء هم من يصيغون القوانين المعقدة ويديرون السياسات المالية التي تحرك الاقتصاد العالمي.
• النخبة العلمية والتكنولوجية (~30,000 شخص): تضم رؤساء الجامعات الكبرى (Ivy League)، مديري مراكز الأبحاث (Think Tanks)، وعلماء المختبرات الوطنية. هؤلاء هم من يحددون اتجاه التفوق التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.
• نخبة المال والشركات (~20,000 شخص): مديرو وادي السيليكون وول ستريت، الذين يملكون القدرة على تمويل الحملات الانتخابية والتحكم في تدفقات الرأس مال.
2. عناصر القوة في هذا الترتيب
تستمد هذه النخبة قوتها من نظام التدوير والدمج:
• الباب الدوار (Revolving Door): ترى الجنرال العسكري المتقاعد يصبح مديراً في شركة سلاح، ثم مستشاراً في مركز أبحاث، ثم وزيراً. هذا يخلق عقلاً جمعياً موحداً للمصالح.
• السيطرة على المعلومة: النخبة العلمية والإخبارية هي من تحدد ماذا يعرف المواطن، مما يحول بقية الشعب إلى أرقام إحصائية أو كتل تصويتية يتم تحريكها عبر الهندسة الاجتماعية.
3. الأساس التاريخي.. الفيدراليون ضد الغوغاء
يعود أصل هذا الترتيب إلى الآباء المؤسسين، وتحديداً الصراع بين ألكسندر هاميلتون وتوماس جيفرسون:
• فلسفة هاميلتون: كان يخشى من طغيان الغوغاء وآمن بأن الدولة يجب أن تُقاد بواسطة الأثرياء والمتعلمين والبارعين. هذا هو الأساس الفلسفي لنشوء البنك المركزي والجيش القوي والبيروقراطية المركزية.
• تحول الحرب الباردة: بعد عام 1945، تضخمت هذه النخبة لتصبح المجمع الصناعي العسكري الذي حذر منه الرئيس أيزنهاور، حيث أصبح العلم والسلاح والإدارة كتلة واحدة لا تنفصل.
4. الفلسفة الكامنة.. النخبوية البراغماتية
تؤمن الدولة الأمريكية بفكرة الاستحقاقية (Meritocracy)؛ أي أن القوة يجب أن تذهب لمن يمتلك المعرفة والكفاءة. في هذا النظام:
• الفرد رقم: المواطن العادي يُعامل كـ مستهلك أو دافع ضرائب. وظيفته هي العمل والاستهلاك لضمان دوران العجلة التي تديرها النخبة.
• الاستمرارية: الرؤساء (مثل بايدن أو ترامب) هم واجهات سياسية. قد يغيرون الاتجاه قليلاً، لكن النخبة العميقة تضمن عدم انحراف السفينة عن مسار المصالح القومية العليا.
أمريكا ليست مجرد ديمقراطية شعبية، بل هي جمهورية نخبوية بامتياز. القوة تتركز في يد من يمتلك (المعلومة العلمية، الرتبة العسكرية، والخبرة الإدارية). الباقون يظلون أرقاماً في جداول الإحصاء، ما لم تحدث ثورة معرفية أو سياسية تكسر احتكار هذه النخبة للقرار.
(145)
زلزال كراكاس.. اعتقال مادورو في 3 كانون الثاني 2026 ونهاية عصر التحصن الأيديولوجي أمام الجراحة الرقمية
يمثل مشهد اعتقال نيكولاس مادورو من داخل قصره الرئاسي في الثالث من كانون الثاني 2026، لحظة فارقة في تاريخ الصراعات الجيوسياسية. إنه ليس مجرد سقوط دكتاتور، بل هو إعلان رسمي عن تفوق الذكاء العملياتي الجديد الذي جعل من القصور المحصنة مجرد أقفاص زجاجية.
1. العملية صفر وقت.. كيف سقط الحصن؟
بالمقارنة مع عملية العثور على صدام حسين عام 2003، والتي استغرقت شهوراً من التتبع البشري في ريف تكريت، جاء اعتقال مادورو كنتيجة لعملية خاطفة اعتمدت على العزل المعلوماتي التام:
• الاختراق السيبراني: قبل ساعة الصفر، تعرض قصر ميرا فلوريس لشلل إلكتروني كامل؛ انقطعت اتصالات الحرس الرئاسي، وتوقفت رادارات التشويش، وعُميت كاميرات المراقبة، مما جعل القوة المهاجمة غير مرئية حتى لحظة اقتحام الجناح الخاص.
• الفرق الجوهري: صدام وُجد في حفرة هارباً ومنعزلاً، بينما أُخذ مادورو من قلب سلطته. هذا الفارق يعكس عقيدة أمريكية جديدة: لا حاجة لملاحقتكم في الجبال، سنأخذكم من كراسيكم.
2. من مادورو إلى خامنئي.. رسالة الرأس المقطوع
اعتقال مادورو في مطلع 2026 يضع النظام الإيراني أمام مرآة مرعبة. السيناريو الذي طُبق في كراكاس هو البروفة لما يمكن أن يحدث في طهران:
• نهاية أسطورة التحصين: يعتقد خامنئي أن الأنفاق والمخابئ تحت جبال طهران ستحميه، لكن تكنولوجيا 2026 التي اصطادت مادورو أثبتت أن البصمة الرقمية للقائد هي أضعف حلقاته.
• الأسر مقابل القتل: تعمد واشنطن أسر مادورو حياً بدلاً من قتله هو قمة الخبث الاستراتيجي. إظهار الزعيم المقاوم مكبلاً بالاصفاد يكسر الهيبة المقدسة أمام أتباعه. إذا طُبق هذا مع خامنئي، فإن أسطورة الولي الفقيه ستتبخر في لحظة استسلام مصورة، وهو ما يخشاه النظام أكثر من الموت نفسه.
3. الحس السياسي الجديد.. التغيير من القمة لتجنب القاعدة
تجنبت أمريكا في 2026 خطأ عام 2003 في العراق؛ فهي لم تغزُ فنزويلا بجيوش جرارة، بل استهدفت الرأس فقط:
• تفكيك الولاء: بمجرد اعتقال مادورو، املت امريكا بانهيار حرس الثورة البوليفارية لأن مركز الدائرة اختفى وهذا لم يحصل للان. هذا هو المخطط لإيران؛ عزل خامنئي تكنولوجياً وبشرياً ليجد الحرس الثوري نفسه بلا قبلة يقاتل لأجلها، مما يفتح الباب لانهيار الميليشيات بالتبعية (في العراق ولبنان).
• تبدل العقيدة: انتقلنا من الصدمة والترويع التي تدمر البنية التحتية، إلى الصدمة الجراحية التي تدمر إرادة القيادة.
4. الربط التاريخي: سيكولوجية السقوط
تاريخياً، الأنظمة التي تقوم على تأليه الفرد (صدام، مادورو، خامنئي) تنهار كلياً بمجرد المساس بهذا الفرد.
• فشل تسيليم ب وطبس: كانت تلك العمليات قديماً تفشل بسبب ضعف التنسيق التقني. في 2026، تم محو ذاكرة الفشل تلك؛ فاعتقال مادورو من داخل قصره أثبت أن الدروس المستفادة من إخفاقات الماضي قد تحولت إلى آلة قتل واقتناص لا تخطئ.
• في 3 كانون الثاني 2026، استيقظ العالم على حقيقة جديدة: لا يوجد مكان آمن. اعتقال مادورو هو إشعار بقرب نهاية الأنظمة الثورية التي تعيش على الشعارات وتختبئ خلف الأسوار. العيون الآن تتجه إلى طهران؛ فالمسافة بين ميرا فلوريس وبيت الرهبر لم تعد تُقاس بالكيلومترات، بل بالوقت الذي سيستغرقه الذكاء الاصطناعي لفك شفرة المخبأ القادم.
(146)
مشهد اعتقال مادورو في كانون الثاني 2026 كنسخة تكنولوجية مطورة لمشهد اعتقال صدام حسين في 2003
يبرز مشهد اعتقال مادورو في كانون الثاني 2026 كنسخة تكنولوجية مطورة لمشهد اعتقال صدام حسين في 2003، لكن مع فوارق جوهرية في الحس السياسي والأمني تعكس تغير الزمن وتبدل العقيدة العسكرية الأمريكية:
1. بين الحفرة والقصر.. رحلة الهروب والاصطياد
• صدام حسين: اختار التواري الكامل والذوبان في الجغرافيا الريفية (مزرعة في الدور). كان حسه قائماً على فكرة المقاومة من الظل وانتظار استنزاف العدو. غاب عن الأنظار لشهور، واعتمد على شبكة ولاءات عشائرية بدائية، وانتهى به الأمر في حفرة تفتقر لأدنى تكنولوجيا، حيث كان سلاحه الوحيد هو الرسائل المسجلة.
• نيكولاس مادورو: على العكس، كان حسه أمنياً مؤسساتياً بامتياز؛ فقد رفض الاختباء في الغابات أو الأرياف، وظل متمسكاً بـ مركز السلطة في كاراكاس (مجمع فورت تيونا). كان يظن أن الدرع الكوبي والتحصينات الرقمية والأنفاق العميقة ستحميه. بينما كان صدام يهرب من التكنولوجيا بالعودة إلى الأرض، كان مادورو يحاول مواجهة التكنولوجيا بتكنولوجيا مضادة (فاشلة)، فانتهى به الأمر مختطفاً من قلب حصنه في 47 ثانية.
2. الخداع الاستراتيجي وبصمة السقوط
• في حالة صدام: اعتمدت واشنطن على الوشاية البشرية التقليدية (معلومات من الدائرة القريبة). استغرق الأمر أشهراً من البحث الميداني الشاق والاستجوابات للوصول إلى مكانه.
• في حالة مادورو: كان السقوط سيبرانياً بامتياز. استغلت واشنطن بصمة صوته التي التقطتها المستشعرات الجوية لتحديد موقعه بدقة الميليمتر داخل القصر. لم تكن هناك حاجة لشهور من البحث؛ فبمجرد أن أصدر مادورو أمراً صوتياً واحداً، كشف عن مكانه لـ مروحيات الدلتا. هذا يظهر أن مادورو كان يملك حساً تكنولوجياً زائفاً جعله يثق في وسائل اتصال ظن أنها مشفرة.
3. التشابه في الارتباك السياسي والاختلاف في الخاتمة
• وهم الصمود: كلاهما سقط في فخ التقارير المضللة من القادة العسكريين؛ فصدام ظن أن جيشه سيقاتل لسنوات، ومادورو ظن أن ميليشيات الكولكتيفوس ستشعل الأرض تحت أقدام الأمريكيين. في الحالتين، انهار الدفاع في لحظة الصفر أمام صدمة القوة الجوية الأمريكية.
• المسار القانوني: بينما حوكم صدام داخل العراق (رغم الإشراف الأمريكي) لتثبيت شرعية النظام الجديد، نُقل مادورو فوراً إلى نيويورك ليحاكم كـ تاجر مخدرات وليس كرئيس دولة. هذا يعكس رغبة ترامب في إهانة الرمزية السياسية لمادورو وتحويله من زعيم ثوري إلى مجرم جنائي أمام الناخب الأمريكي.
صدام كان ضحية الولاءات المباعة في عصر ما قبل الرقابة الشاملة.
مادورو كان ضحية الثقة المفرطة في الآلة في عصر السيادة السيبرانية.
في صراع القوى العظمى، لا يحميك الخندق ولا النفق؛ فمن يملك الترددات يملك الرأس.
(147)
الجاليات العربية والعراقية، ومكانتها في سوق النفوذ مقارنة باللوبيات الضاربة في واشنطن
1. خارطة الوجود... الأرقام في مواجهة التأثير
تعد الجالية العربية في الولايات المتحدة كتلة بشرية معتبرة، حيث تشير التقديرات المحدثة لعام 2026 إلى وجود نحو 3.7 مليون أمريكي من أصول عربية. تأتي الجالية اللبنانية في الصدارة، تليها المصرية، ثم السورية واليمنية. أما الجالية العراقية، فقد شهدت قفزة ملحوظة لتتجاوز 400 ألف نسمة، يتركز ثقلها الأكبر في ولاية ميشيغان (خاصة ديربورن وديترويت)، تليها كاليفورنيا وتكساس.
وعلى الرغم من هذا النمو العددي، تظل هذه الأرقام متواضعة عند مقارنتها بالكتلة اللاتينية الضخمة التي تتجاوز 65 مليون نسمة وتمثل قوة انتخابية تقلب موازين الولايات الحاسمة، أو الجالية اليهودية التي تناهز 7.6 مليون نسمة، والتي تمتاز بتمركزها الاستراتيجي في مراكز المال والقرار.
2. صناعة القرار.. الفجوة بين الصوت والدولار
يكمن الفارق الجوهري بين الجاليات في كيفية تحويل الوجود البشري إلى نفوذ سياسي ومؤسساتي. اللوبي اليهودي (مثل أيباك) يمثل القمة في هذا المجال، ليس فقط بسبب أعداد الجالية، بل بفضل قدرته على جمع مئات الملايين من الدولارات وتوجيهها بدقة عبر لجان العمل السياسي لدعم المرشحين، مما يضمن ولأً مطلباً في الكونغرس.
في المقابل، صعد اللوبي اللاتيني ليصبح اللاعب الجديد الأكثر تأثيراً انتخابياً، حيث باتت أصواتهم في ولايات مثل فلوريدا وتكساس وأريزونا تحدد هوية الرئيس. وقد نجح قادة مثل ماركو روبيو في تحويل هذا الثقل الانتخابي إلى مناصب عليا في الدولة العميقة، مستندين إلى تمويلات ضخمة من رجال أعمال لاتينيين يربطون بين استقرار الحديقة الخلفية ومصالحهم التجارية.
أما الجالية العربية والعراقية، فرغم قوتها المالية كأفراد (أطباء، مهندسون، ورجال أعمال)، إلا أن مساهمتها السياسية المؤسساتية تظل مشتتة. وغالباً ما يتسم تحركها بـ رد الفعل المرتبط بالأزمات في الأوطان الأم، بدلاً من التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد الذي يميز اللوبيات الأخرى.
3. اللوبي الكردي.. نموذج التحالف الذكي
يمثل اللوبي الكردي حالة فريدة في واشنطن؛ فبالرغم من صغر حجم الجالية الكردية مقارنة بالعربية، إلا أنها تمتلك نفوذاً يضاهي جاليات أكبر بكثير. يعود ذلك لعدة أسباب:
• وحدة الرسالة: يتحرك الأكراد ككتلة واحدة تدعم قضية كيانهم في العراق وسوريا، بخلاف الجاليات العربية التي تستهلك طاقاتها في صراعات سياسية وطائفية داخلية.
• التحالفات المتقاطعة: نجح الأكراد في بناء جسور مع اللوبي اليهودي والمنظمات الإنجيلية، مما وفر لهم حماية سياسية في دوائر الدفاع والخارجية.
• صورة الحليف الأرضي: استغل الأكراد دورهم كشريك عسكري للولايات المتحدة في محاربة الإرهاب( على الرغم من الدور المتواضع لهم في حرب داعش بل تواطوء البيشمركة والاحزاب الكردية اولا مع داعش وتقاسمهم شمال العراق الى الحد الذي اعترف فؤاد معصوم بدولة داعش عندما قال لقد اصبحت بيننا وبين العراق دولة!!!) لترسيخ صورتهم كـ الحليف الموثوق الوحيد في المنطقة.
وبذا نجد هناك سرديات للاحزاب الكردية والاحزاب الايرانية تحتلف عن الحقائق والوقائع! ونحن مازلنا احياءا شهداء عليها فكيف باخبار التاريخ الغابر التي كتبت حسب رغبات الاقوياء!
4. أسباب التباين في موازين القوى
يرجع تراجع التأثير العربي والعراقي أمام اللوبيات الأخرى إلى الانقسام الهوياتي؛ فالجاليات العربية في أمريكا تعكس غالباً انقسامات الشرق الأوسط، مما يمنع تشكيل لوبي عربي موحد. كما أن المهاجرين اللاتينيين واليهود نجحوا في صياغة هوية أمريكية المظهر، خارجية المصالح، مما جعل واشنطن ترى في مطالبهم جزءاً من المصلحة الوطنية الأمريكية، بينما لا تزال قطاعات واسعة من الجالية العربية تُعامل كـ صوت خارجي أو مراقب للأحداث.
في انتخابات نوفمبر 2026، ستبقى الجالية العراقية في ميشيغان ورقة ضغط انتخابية قوية (صوت عقابي)، لكنها لن تصل لمستوى النفوذ الهيكلي الذي يتمتع به اللوبي اللاتيني أو اليهودي إلا إذا تحولت من كتلة غاضبة إلى مؤسسة مالية وسياسية تشتري نفوذها في أروقة واشنطن.
#مكسيم_العراقي (هاشتاغ)
Maxim_Al-iraqi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟