أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - وسام فتحي زغبر - من «هنا القدس» إلى أصوات تحت الركام: الإعلام الفلسطيني في مواجهة الإبادة ومحاولات الإسكات














المزيد.....

من «هنا القدس» إلى أصوات تحت الركام: الإعلام الفلسطيني في مواجهة الإبادة ومحاولات الإسكات


وسام فتحي زغبر

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 18:00
المحور: الصحافة والاعلام
    


وسام زغبر
صحفي من شمال غزة، وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين

في التاريخ الفلسطيني، لا يُقاس الإعلام بعدد المحطات ولا بقوة الإرسال، بل بلحظة النطق الأولى، حين تحوّل الصوت إلى فعل وجود. عام 1936، خرج محمد بشناق، ابن مدينة قيساريا المهجَّرة، عبر أثير إذاعة فلسطين، ليقول جملة ستصبح علامة فارقة في الوعي الجمعي: «سيداتي سادتي، هنا القدس». لم تكن عبارة افتتاحية عابرة، بل إعلانًا صريحًا عن حضور فلسطين في الزمن والفضاء.

بشناق، الذي بدأ عمله مع افتتاح دار الإذاعة الفلسطينية في القدس، كان أول إذاعي فلسطيني يطلق صوته عبر المذياع. وعلى مدار اثني عشر عامًا، حتى نكبة 1948، ظل صوته يفتتح البث من القدس، مثبتًا المدينة بالكلمة، في زمنٍ كانت تُستهدف فيه سياسيًا وجغرافيًا. والمفارقة أن هذا الصوت الفلسطيني الأول خرج من حنجرة ابن مدينة ستُمحى لاحقًا من الخريطة، وكأن القدر أراد أن يختصر مأساة فلسطين في سيرة رجل سبق نكبته بالصوت.

بعد احتلال القدس عام 1948، تغيّر كل شيء. انتقلت إدارة الإذاعة إلى رام الله، ثم خضعت للحكم الأردني، ووقف محمد بشناق مرة أخرى أمام المذياع، لينطق هذه المرة: «هنا عمّان». لم تكن الجملة انتقالًا تقنيًا بين محطتين، بل اختزالًا دراميًا لتحوّل سياسي كامل، ولخسارة مدينة، ولانكسار معنى المكان. الصوت ذاته بقي، لكن الجغرافيا سُلبت، كما سُلبت قيساريا ومئات المدن والقرى الفلسطينية.

هذه القصة لا تنتمي إلى أرشيف الإعلام فقط، بل إلى قلب الصراع على الرواية. فهي تؤكد أن الفلسطيني لم يكن بلا صوت، ولم يكن على هامش الحداثة، بل كان في طليعة من استخدموا الإذاعة للتواصل مع العالم، قبل أن تبدأ محاولات منهجية لإسكاته أو مصادرة صوته.

اليوم، وبعد قرابة تسعة عقود على أول «هنا القدس»، يعيش الإعلام الفلسطيني لحظة أشد قسوة، خصوصًا في قطاع غزة. على مدار عامين من حرب الإبادة، لم يكتفِ الاحتلال باستهداف المباني والبنية التحتية، بل شنّ حربًا مباشرة على الإعلام. دُمّرت مقار الإذاعات، وقُصفت الاستوديوهات، وتوقّفت كافة الإذاعات المحلية قسرًا عن البث. قُتل الصحفيون، ولاحق الاحتلال عائلاتهم، ودمّر منازلهم، في محاولة واضحة لإسكات الصوت وكسر الرواية من جذورها.

لكن هذا الاستهداف، كما في كل المحطات السابقة، فشل في تحقيق هدفه. صحيح أن الإذاعات في غزة صمتت تقنيًا، لكن صوتها لم يختفِ. بقي حاضرًا بالكلمة، وبالصورة، وبالتوثيق اليومي الخارج من تحت الركام. تحوّل الصحفي الغزّي إلى إذاعة متنقّلة، وإلى شاهد عيان، وإلى وثيقة حيّة تنقل الحقيقة حين عجزت الأجهزة عن البث.

من محمد بشناق الذي قال «هنا القدس» قبل النكبة، إلى صحفيي غزة الذين يواصلون نقل الحقيقة وسط القصف، تمتدّ سيرة الإعلام الفلسطيني كسلسلة من المواجهة مع محاولات الإلغاء. قد تتغيّر العناوين، وقد يُمنع البث، وقد يُقتل الصحفي، لكن الصوت الفلسطيني أثبت، مرةً بعد أخرى، أنه لا يُمحى.

في فلسطين، الإعلام ليس مهنة فقط، بل فعل مقاومة. وحين تُستهدف الكاميرا والمذياع والميكروفون، فذلك لأن الحقيقة ما زالت أخطر على الاحتلال من أي سلاح. لذلك، ورغم الدمار والإبادة، ما زالت الرسالة واضحة، حتى وإن لم تُسمع عبر الأثير:

هنا فلسطين… الصوت الذي لم يُهزم.



#وسام_فتحي_زغبر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يصنع المنجّمين في زمن الذكاء الاصطناعي؟ الإعلام بين تجارة ...
- غزة بين مخلفات حرب الإبادة وصمت العالم
- القرار 2803… بين الحماية والوصاية: سباق فلسطيني لتحديد المسا ...
- السوق السوداء في غزة: حين يصبح البقاء سلعةً في زمن الإبادة
- غزة بعد وقف النار – اختبار جديد للإرادة الفلسطينية والمجتمع ...
- في الذكرى الثانية لحرب الإبادة في غزة: حين يصبح البقاء فعل م ...
- حرب الإبادة بالعطش: الماء كسلاح تطهير جماعي في غزة
- «أبو شباب»: خنجر الاحتلال المسموم في خاصرة غزة
- «مادلين».. سفينة الحرية التي كسرت حاجز الصمت وفضحت قرصنة الا ...
- مراكز الإغاثة تتحوّل إلى ميادين إعدام: واشنطن تقود المجازر ف ...
- إما وقف العدوان أو استمرار الإبادة: غزة في مواجهة فخ المساوم ...
- صرخة من تحت الركام بعد أكثر من 600 يوم من حرب الإبادة في غزة
- يوم من حرب الإبادة في غزة... وصمة في جبين الإنسانية والعدالة ...
- بأوامر عليا: إسرائيل تحوّل الفلسطينيين إلى أدوات موت في مياد ...
- «ركيفت».. الجريمة المستترة تحت الأرض
- المقاطعة تتقدّم... وإسرائيل تُعزل في عقر دار داعميها
- من التهجير إلى الوصاية: المشروع الاستعماري يُستكمل في غزة
- الصحافة تحت النار: حين تصبح الكاميرا شاهدة على الرحيل الأخير
- التهجير تحت نار الحرب: -ليس مجرد قصف... بل اقتلاع للإنسان-
- غزة تنادي في اليوم العالمي لحرية الصحافة: أوقفوا إبادة الصحف ...


المزيد.....




- كيف علقت السعودية والأردن على إعلان تشكيل -مجلس السلام- بشأن ...
- كل ما ترغب بمعرفته حول تعليق تأشيرات دخول الولايات المتحدة ا ...
- النوم تحت الضوء ليلاً… تهديد صامت لقلبك
- واشنطن تؤكد جديتها بشأن غرينلاند وأوروبا تعزز حضورها العسكري ...
- وول ستريت جورنال عن كارولين ليفيت: لا أحد يعرف خطط ترامب بشأ ...
- قوات حفتر تبدي رغبتها في تطوير العلاقات العسكرية مع فرنسا
- الرئيس الصومالي يزور مدينة لاسعانود لأول مرة منذ 50 عاما
- قاضية فدرالية تحد من صلاحيات شرطة الهجرة في مينيسوتا
- الجيش السوري يستعد للانتشار غرب الفرات ويؤكد عدم استهداف قسد ...
- -غرينلاند- تضع استمرارية حلف الناتو على صفيح ساخن


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - وسام فتحي زغبر - من «هنا القدس» إلى أصوات تحت الركام: الإعلام الفلسطيني في مواجهة الإبادة ومحاولات الإسكات