|
|
رواية جديدة أخرى عن العراق: -لحم- دافيد سزلاي
حكمت الحاج
الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 16:12
المحور:
الادب والفن
الفائزة بالبووكر العالمية لهذا العام: هل أن رواية دافيد سزلاي *Flesh* هي رواية عن العراق؟ بقلم: حكمت الحاج* حصلت رواية دافيد سزلاي David Szalay مؤخرًا على استحسان كبير، وبلغت ذروتها بالاعتراف المرموق بها باعتبارها الرواية الفائزة بجائزة "البووكر" الشهيرة لهذا العام 2025. لا تسلط هذه الجائزة الضوء على براعة سزلاي الأدبية فحسب، بل تدعو القراء أيضًا إلى استكشاف الطبقات المعقدة لروايته. وبما أنني كنت تناولت في مقالات سابقة لي موضوع "صورة العراق" في الرواية العربية، ثم "صورة العراق" في الرواية الإنكليزية المعاصرة، فقد وجد البعض من الأصدقاء أنه بمكنتهم الخوض معي في تفرعات الموضوع واستنباطاته كلما طرأ الحديث حول رواية جديدة تطرقت إلى العراق حضورا فيها كمكان أو كحدث أو كشخصيات وخلفيات وصراعات وحروب وتجاذبات، وهكذا كان الأمر مع رواية دافيد سزلاي بمجرد الإعلان عن فوزها ببووكر هذا العام. أحاول في هذا المقال أن أتفاعل مع تساؤلات الأصدقاء والصديقات، وأخص منهم بالذكر د. علياء علي، والأستاذ محمد علي أحمد وجينفر ساندبرغ، وأن أواصل جانبا من تناولاتي السابقة بخصوص حضور العراق في الرواية، العربية منها والعالمية. للوهلة الأولى، قد تبدو رواية "اللحم" Flesh وكأنها استكشاف متعدد الأوجه للتجربة الإنسانية، إلا أن المدى الذي يمكن اعتبارها فيه رواية عن العراق يستحق الانتباه. في جميع أنحاء النص، يتعمق سزلاي في موضوعات الهوية والصدمة وتعقيدات الوجود، ويتشابك مع خلفية العراق - وهو عنصر يعمل على إثراء السرد بدلاً من السيطرة عليه. وبينما نبدأ في هذا التحليل، سنكشف كيف يساهم تصوير سزلاي للعراق في الموضوعات الشاملة للرواية وتطور الشخصيات، مما يشكل في النهاية فهمنا لكل من العمل نفسه والحقائق الدقيقة عن العراق. فهل أن رواية دافيد سزلاي *Flesh* هي رواية عن العراق؟ الإجابة المختصرة هي: كلا، رواية Flesh لدافيد سزلاي ليست رواية عن العراق. أما الإجابة المفصلة فهي: قد يتوقف الأمر على ما نعنيه بـ«عن» العراق، عندما نتحدث عن رواية دافيد سزلاي! في روايته "اللحم"، ينسج دافيد سزلاي العراق بشكل معقد في السرد، على الرغم من أن وجود البلاد غالبًا ما يظل غامضًا ومتعدد الأوجه. إن تمثيل العراق ليس مجرد خلفية؛ بل إنه بمثابة حافز لرحلات الشخصيات وصراعاتها الوجودية. إن استكشاف الرواية للعراق يتحدى القراء للنظر في تعقيدات الهوية والصراع والاتصال الإنساني في مواجهة الحقائق الصارخة للمشهد الذي مزقته الحرب. ما كتبته أعلاه، والذي هو تنويع متعاطف مني على ملاحظات الأصدقاء بخصوص الموضوع، يبدو سلسًا ومقنعًا على مستوى الصياغة، لكن حين نضعه تحت مجهر النقد التاريخي والنصي والوقائعي، يتبيّن أن هذا الطرح يُضخِّم دور العراق في رواية *Flesh* ويخاطر بتحويل الرواية إلى شيء ليست ما هي عليه. دعونا نُبطئ الإيقاع قليلًا، ولننظر بعناية. ثمة نقطتان يجب توضيحهما قبل أن يستقيم أي تأويل: 1. دافيد سزلاي لا يبني العراق بوصفه حقلًا ثقافيًا أو تاريخيًا أو اجتماعيًا متماسكًا داخل الرواية. 2. إن الفترة القصيرة التي قضاها بطل الرواية "إستيفان" جنديًا في العراق هي فترة عرضية، استرجاعية، وهامشية. تظهر بوصفها محطة عابرة في سيرة حياة تتحدد بالتيه، والذكورة المأزومة، والهشاشة الاقتصادية، والتعرّض الجسدي، والفراغ العاطفي، لا بوصفها انخراطًا فعليًا في الواقع العراقي. بكلمات أوضح: العراق حاضر في الرواية، نعم، لكنه حضور أداتي ومحدود، لا مركزي ولا مُؤسِّس. اذن، ماذا يفعل العراق فعليًا داخل رواية Flesh؟ إنه في الحقيقة يؤدي ثلاثة وظائف محدودة لكنها دالّة: 1. علامة على ذكورة متضرّرة: فتجربة العراق تُسهم في تكوين الصدمة الصامتة، والتبلّد العاطفي، والاغتراب الجسدي لدى البطل. الحرب لا تُعرض كحدث سياسي، بل تُسجَّل كـأثر نفسيجسدي. 2. اختزال سردي للعنف: سزلاي لا «يُصوِّر» الحرب، بل يستدعيها. العراق يعمل كإشارة مكثفة—مثل «الجيش» أو «العمل الأمني» أو «الخدمة في الخارج»—لا كعالم معيش. 3. فراغ ذو دلالة: المهم ليس ما هو العراق، بل ما يتركه خلفه: خواء عاطفي، غموض أخلاقي، وعجز عن سرد التجربة بوضوح. وهذا ينسجم تمامًا مع مشروع سزلاي الروائي الأوسع: حيوات تُروى عبر الحذف، والبياض، والانجراف الجسدي. إنه أقرب إلى تيار ما بعد الحداثة وجماليات اللا-إلتزام، أكثر منه إلى تقاليد أدب الحرب أو السرد ما بعد الكولونيالي. إذن صديقاتي أصدقائي، السؤال النقدي الحقيقي ليس: «هل Flesh رواية عن العراق؟»، بل: «ماذا يعني أن يظهر العراق مجرد ضباب في سيرة حياة غربية؟». هذا السؤال يفتح مسارًا نقديًا أشد حدّة وصدقًا وقابلية للتفاهم، ومتسقًا مع مقترباتنا النقدية العربية، بدل تضخيم الموضوع على حساب النص. وهذا ما يجعل Flesh رواية عن ما بعد الحرب، لا رواية عن الحرب ذاتها. إن رواية دافيد سزلاي *اللحم* هي استكشاف عميق للمسار الجسدي والنفسي لبطلها، إستيفان. وفي حين أن حرب العراق تمثل فصلاً محورياً ومؤلماً في حياته، فإن علاقة الرواية بالصراع العراقي معقدة وغير مباشرة. تتابع الرواية الخامسة لدافيد سزلاي بطلها "إستيفان" من سنوات مراهقته في حي سكني في هنغاريا عبر سلسلة من المراحل التي غيرت حياته. وتعد خدمته في حرب العراق كجزء من الجيش الهنغاري إحدى هذه المراحل، لكنها ليست المحور الأساسي للكتاب. بدلاً من ذلك، يتعامل سزلاي مع الحرب كـ "حدث تاريخي حقيقي" يرسخ القصة في الزمان ويوفر مصدراً لصدمة عميقة، غالباً ما تكون غير معبر عنها. وهكذا نعيش مع "إستيفان" شبابه في هنغاريا حيث العزلة، اليقظة الجنسية، واحتجاز الأحداث. ونعيش معه أداءه الخدمة العسكرية في العراق حيث الخسارة المؤلمة، الصلابة الجسدية، وبداية اضطراب ما بعد الصدمة. ثم ندلف معه إلى مرحلة ما بعد الحرب في هنغاريا حيث الصراع مع "عدم القدرة على التعبير عن التجربة" والعلاج. وأخيرا يأخذنا معه إلى لندن حيث الرجولة والفحولة والثروة، والمكانة، والأمن كحارس شخصي للأثرياء. يصف النقاد غالباً رواية *Flesh* بأنها رواية عن "الخارجية" أو "البرانية"، مع التركيز على الوجود الجسدي للبطل وتحفظه. حرب العراق تُبقى إلى حد كبير "خارج المسرح"؛ فالسرد لا يتعمق في العمليات القتالية أو التحليل السياسي. ومع ذلك، وحسب ما جاء ببيان لجنة "جائزة البووكر"، فإن "تأثير" الحرب حاضر في كل مكان. يعود إستيفان مصاباً باضطراب ما بعد الصدمة بعد أن شهد وفاة صديق له، وهو حدث يعزز اغترابه وعدم قدرته على التواصل مع الآخرين. وكخلاصة للقول فيمكنني اعتبار رواية *Flesh* "رواية عن العراق" فقط بالمعنى " السيرذاتي" المحدود. إنها ليست "رواية حرب العراق" بالمعنى التقليدي لأعمال مثل "الطيور الصفر" لكيفن باورز، التي تركز على حرب الخطوط الأمامية. بدلاً من ذلك، إنها رواية عن "العواقب الوخيمة طويلة الأمد" للحرب وتأثيرها على الإنسان العادي. يعمل العراق كعامل محفز لـ "عدم قدرة إستيفان على التعبير" وانجرافه اللاحق إلى عالم لندن النخبوي العقيم وعالي المخاطر. في النهاية، الرواية أقل عن الحرب نفسها وأكثر عن كيفية تشكيل "جسد" الإنسان من خلال القوى الخارجية الوحشية للقرن الحادي والعشرين. هامش:/ * لاقتناء نسخة من الرواية بطبعة الجيب: * https://share.google/tqoldoDhXkMsCN00I * ينشر هذا المقال بالاشتراك مع مجلة كناية الرقمية الثقافية المستقلة وموقع الحوار المتمدن. كل الحقوق محفوظة
#حكمت_الحاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من يسكب الهواء في رئة القمر
-
الحرب، وما أدراك
-
نهر عناقنا المكسور
-
صورة العراق في الرواية الإنكليزية المعاصرة
-
قل مرحى لمنفى آتٍ يا رفيق
-
ثلاثون مثقالا من الزمن
-
أوزماندياس
-
الأنهار التي تصغر
-
كوضع السيف في موضع الندى
-
النص الهجين بين القصة القصيرة وقصيدة النثر
-
فوق الغيم في غرفة مليئة بالقصص والحكايا
-
عندما تكتبُ الكردية شعراً، يُصلّي الوردُ معها بلغتين
-
رسالة فلسفية شعرية.. تراكتاتوس فيلوسوفيكو بويتيكوس
-
الرواية العراقية ما بعد الغزو
-
قصة المصعد.. قصة الدقيقة الواحدة
-
صديق البحر الأخير
-
تعاويذُ وَلُقى
-
الميتا-لغة والشعر والما-صدق بحسب فيتغنشتاين
-
حينما يفكر المعلم في لحن شارد: مرثية إلى زياد
-
النص اليتيم وتداعياته
المزيد.....
-
عبلين تستضيف مختارات الشاعر الكبير سميح القاسم “تقدّموا” وأم
...
-
عن -قصة حقيقية-.. تركي آل الشيخ يكشف المزيد عن فيلم - العيون
...
-
فيلم -الخادمة-… كيف تحول الحلم الأميركي إلى مصيدة؟
-
رواية -أيتها القُبّرة-.. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة و
...
-
فيلم -كولونيا-.. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة
-
المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
-
على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا
...
-
الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت
...
-
المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
-
كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|