أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أمين أحمد ثابت - - الانسان : الافتراس والشراهة حين فقدت القوة حدودها - - جزء من الفصل الثاني من مؤلفي : - الإنسان ارتقاء نوع من اجل البقاء او انحراف طفروي من اجل الفناء -















المزيد.....


- الانسان : الافتراس والشراهة حين فقدت القوة حدودها - - جزء من الفصل الثاني من مؤلفي : - الإنسان ارتقاء نوع من اجل البقاء او انحراف طفروي من اجل الفناء -


أمين أحمد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 20:55
المحور: قضايا ثقافية
    


من مؤلفاتي الاخيرة غير المنشورة كتاب بعنوان :
" الإنسان ارتقاء نوع من اجل البقاء
او انحراف طفروي من اجل الفناء "


تعتمد كتابة المؤلف على منهج علمي خاص بي جامع بين عديد من العلوم الطبيعية التجريبية والعلوم الانسانية الفكرية النظرية والتطبيقية منها بمنهج اسميته ب ( المنهج العلمي المستحدث ) ، ويتألف من 180صفحة ويتكون محتواه من ستة فصول رئيسية الى جانب ملخص عام ومدخلين عام وخاص تمهيدي ومقدمة وانتهاء بالخاتمة
منتقى جزء من محتوى الفصل الثاني من المؤلف


الفصل الثاني :

" الافتراس والشراهة
حين فقدت القوة حدودها "


يفهم الافتراس في البنية الطبيعية بوصفه ضرورة وجودية صامتة لا تعرف التبرير ولا تستدعي المعنى، إذ لا يظهر الافتراس في أي نظام بيئي بوصفه رغبة مستقلة أو شهوة فائضة عن الحاجة، بل يتجلى دائمًا كاستجابة وظيفية لحالة نقص طاقي محددة، حيث يتحرك الكائن المفترس ضمن أطر عصبية صارمة تضبط سلوكه وتحد من اندفاعه، فلا يقتل إلا حين تفرض عليه معادلة البقاء ذلك، ولا يستمر في القتل بعد تحقق الاكتفاء، لأن الجهاز العصبي ذاته، عبر منظومات تنظيمية دقيقة، يفرض توقف السلوك حالما تُستعاد حالة التوازن الداخلي، وبذلك يصبح الافتراس جزءًا من آلية ضبط كونية لا تسمح للقوة بأن تتحول إلى فائض مدمر أو إلى ممارسة مستقلة عن وظيفتها البيولوجية الأساسية.
هذا التحديد الصارم للوظيفة يفضي إلى نتيجة جوهرية مفادها أن الطبيعة، رغم ما قد يبدو فيها من عنف ظاهر، لا تعرف الشراهة بوصفها نمطًا سلوكيًا، لأن الشراهة تفترض انفصال الفعل عن ضرورته، بينما يظل الفعل في الطبيعة مشدودًا دومًا إلى شرط الحاجة، حيث تعمل منظومات الشبع العصبية بوصفها كوابح داخلية لا واعية، تمنع الكائن من تجاوز حد الاكتفاء، ليس بدافع أخلاقي أو شعور بالذنب، بل لأن الاستمرار بعد الشبع يمثل خطرًا تطوريًا يهدد الكائن ذاته قبل أن يهدد غيره، ومن هنا يمكن القول إن الشبع في الطبيعة ليس مجرد إحساس جسدي، بل بنية تنظيمية تضمن استقرار النظام البيئي بأكمله.
فالقوة، في هذا السياق الطبيعي، لا تحمل أي قيمة رمزية ولا تُختزن بوصفها علامة تفوق أو هوية، إذ لا يسعى المفترس إلى إثبات ذاته عبر قوته، ولا يعي القوة بوصفها امتيازًا، بل يستخدمها استخدامًا عابرًا ينتهي بانتهاء الحاجة، فتغدو القوة أداة مؤقتة لا معنى لها خارج وظيفتها، ويغيب عنها أي بعد استعراضي أو استحواذي، الأمر الذي يجعلها محدودة تلقائيًا، لأن الأداة التي لا تتحول إلى غاية تفقد قدرتها على التمدد غير المشروع، وتظل محكومة بحدود صارمة تفرضها الضرورة وحدها.
غير أن التحول الجذري يبدأ مع الإنسان، لا بوصفه كائنًا خرج من الطبيعة، بل بوصفه كائنًا أعاد ترميز علاقته بها، إذ أدى التضخم البنيوي في الدماغ، ولا سيما في القشرة الجبهية الأمامية، إلى نشوء قدرة غير مسبوقة على فصل السلوك عن دوافعه المباشرة، وعلى تحويل الأفعال البيولوجية إلى رموز ومعانٍ وهويات، فخرجت القوة من كونها وظيفة إلى كونها علامة، وتحول الافتراس من استجابة للجوع إلى أداة سيطرة، وأصبح الفعل العنيف قابلًا للتكرار حتى في غياب أي ضرورة بيولوجية، لأن العقل بات قادرًا على استثارة مراكز المكافأة داخليًا عبر الخيال والرمز والتبرير، دون الحاجة إلى نقص حقيقي في الطاقة أو الموارد.
هنا، ولأول مرة في التاريخ التطوري، انفصلت الرغبة عن الجسد، ولم يعد الشبع نهاية طبيعية للفعل، بل صار مجرد عائق نفسي يمكن تجاوزه عبر أنظمة رمزية واقتصادية وأخلاقية مصطنعة، فأصبح الإنسان قادرًا على الاستحواذ دون حاجة، وعلى القتل دون جوع، وعلى التوسع دون ضرورة، لأن القوة لم تعد مرتبطة بوظيفة تحفظ التوازن، بل صارت مرتبطة بهوية تسعى إلى تأكيد ذاتها عبر الإلغاء المستمر للآخر، وبذلك بدأ الانزلاق من الافتراس بوصفه ضرورة، إلى الشراهة بوصفها نمط وجود شامل لا يعترف بأي حد.
هذا الانفصال بين الرغبة والحاجة لم يكن حادثًا عارضًا في تطور الإنسان، بل كان نتيجة تراكمية لتحولات عصبية ومعرفية سمحت للعقل بأن يصبح قادرًا على استباق الإشباع وتأجيله وإعادة إنتاجه رمزيًا، حيث تشير الدراسات التجريبية في علم الأعصاب إلى أن الدوبامين، بوصفه ناقلًا عصبيًا مرتبطًا بالسعي لا باللذة ذاتها، يمكن تنشيطه عبر التوقع والتخيل والهيمنة الرمزية، الأمر الذي يجعل الفعل العنيف أو الاستحواذي قابلًا للاستمرار حتى بعد زوال أي دافع بيولوجي مباشر، وبذلك لم يعد الجسد هو من يفرض حدوده على الرغبة، بل صار العقل قادرًا على تجاوز الجسد وإعادة تشغيل دائرة السعي بلا توقف.
ومع هذا التحول، بدأت القوة تفقد طبيعتها الوظيفية لتتحول تدريجيًا إلى قيمة قائمة بذاتها، حيث لم يعد امتلاك القدرة على الإيذاء أو السيطرة وسيلة عابرة لتحقيق البقاء، بل صار دلالة على التفوق ومصدرًا للمعنى والهوية، وهو ما يفسر كيف يمكن للإنسان أن يستمر في تراكم الموارد أو ممارسة العنف حتى في ظروف الوفرة، لأن الإشباع لم يعد مرتبطًا بالاكتفاء، بل بإعادة تأكيد السيطرة ذاتها، فالسيطرة هنا لا تُمارس لتلبية حاجة، بل لتفادي شعور داخلي بالهشاشة، نشأ أصلًا من وعي الإنسان بفنائه وقدرته على التفكير في موته.
هذا الوعي بالموت، الذي يُعد أحد أعظم إنجازات العقل البشري، تحوّل paradoxically إلى أحد أخطر مصادر اختلاله، إذ بدلًا من أن يدفع الإنسان إلى ضبط القوة، دفعه إلى تعويض هشاشته الوجودية عبر توسيع مجالات السيطرة والاستحواذ، فصار القتل، أو القهر، أو الإقصاء، وسائل غير واعية لإنكار الفناء، وكأن الإنسان حين يُخضع الآخر أو يلغيه، يحاول أن يؤكد لنفسه أنه ما يزال قائمًا، وأنه يمتلك قدرة تتجاوز محدودية جسده، وهنا يتحول العنف من فعل اضطراري إلى طقس وجودي مشبع بالرمزية.
وفي هذا السياق، لا تعود الأنانية مجرد خاصية تطورية تهدف إلى حفظ الذات، بل تتحول إلى بنية شاملة يعاد إنتاجها اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا، حيث تُصاغ الأنظمة الحديثة بطريقة تجعل الاستحواذ المستمر شرطًا للبقاء داخل النظام ذاته، فلا يكفي أن يكتفي الفرد، بل يُدفع دفعًا إلى التوسع، لأن التوقف يُعاد تعريفه بوصفه فشلًا أو ضعفًا أو خروجًا عن منطق التنافس، وبذلك يتم نزع الشرعية عن الاكتفاء نفسه، وتحويل الشراهة إلى فضيلة غير معلنة.
وحين تُشرعن الشراهة، تفقد القوة آخر قيودها الطبيعية، إذ لا يعود هناك حد عصبي أو أخلاقي قادر على كبحها، لأن العقل يجد دائمًا مبررات جديدة لمواصلة السعي، سواء عبر خطاب التقدم، أو الأمن، أو التفوق، أو حتى الأخلاق ذاتها، التي قد تُستخدم لتبرير أقصى درجات العنف، وهنا تظهر المفارقة الكبرى، حيث يتحول العقل، الذي كان يفترض أن يكون أداة ضبط، إلى أداة تبرير، وتتحول المعرفة إلى وسيلة لتوسيع السيطرة بدلًا من تقليصها.
وتكشف المقارنة الدقيقة بين السلوك الحيواني والسلوك الإنساني أن ما يُسمى غالبًا بـ«قسوة الطبيعة» ليس سوى إسقاط إنساني، لأن الطبيعة، في واقعها التجريبي، لا تمارس العنف خارج إطار الضرورة، بينما الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على إنتاج عنف فائض، لا وظيفة له سوى إعادة إنتاج ذاته، فالعنف الإنساني لا يتوقف عند إزالة التهديد، بل يمتد إلى الإذلال، والإلغاء الرمزي، وإعادة تشكيل الآخر بوصفه كيانًا أدنى، وهو ما لا وجود له في أي نظام افتراسي طبيعي.
هذا الفائض العنيف هو ما يمكن تسميته بالشراهة الوجودية، وهي حالة لا تنشأ من الجوع، بل من فراغ المعنى، حيث يسعى الإنسان إلى ملء هذا الفراغ عبر الامتلاك والتدمير، دون أن يدرك أن ما يلاحقه ليس موردًا خارجيًا، بل خللًا داخليًا في علاقته بذاته وبحدوده، فكلما اتسعت دائرة السيطرة، اتسعت معها الحاجة إلى مزيد من السيطرة، لأن الإشباع المؤقت لا يعالج أصل القلق، بل يؤجله ويضاعفه.
ومن هنا، يمكن فهم كيف تتحول الأنظمة الاجتماعية الكبرى إلى نسخ مكبرة من هذه الديناميكية الفردية، حيث تُبنى الدول، والاقتصادات، والهويات الجماعية، على منطق التوسع الدائم، ويتم التعامل مع الآخر، سواء كان فردًا أو جماعة أو طبيعة، بوصفه مادة خام قابلة للاستهلاك، لا بوصفه كيانًا ذا حدود، وبذلك يُعاد إنتاج منطق الشراهة على مستوى كوكبي، يتجاوز قدرة أي نظام بيئي أو أخلاقي على التحمل.
وفي غياب الشبع بوصفه قيمة، تفقد القوة معناها الأصلي كأداة حفظ، وتتحول إلى قوة عمياء لا ترى إلا استمرارها، وهنا يبلغ الانفصال بين الإنسان والطبيعة ذروته، ليس لأن الإنسان صار أكثر قسوة، بل لأنه صار أقل خضوعًا للحدود، فالطبيعة تقسو ضمن حدود، أما الإنسان فيتجاوز الحدود باسم العقل، والتقدم، والضرورة المصطنعة، فينتج عن ذلك عالم مشبع بالقوة، وفقير بالاتزان.
وعليه، فإن فهم الافتراس بوصفه ضرورة، والشراهة بوصفها انحرافًا، لا يمثل مجرد تمييز لغوي أو أخلاقي، بل يشكل مفتاحًا تحليليًا لفهم مأزق الإنسان المعاصر، حيث لم تعد المشكلة في وجود القوة، بل في غياب حدودها، ولم يعد الخطر في العنف ذاته، بل في فقدانه لأي وظيفة تحفظ التوازن، فحين تنفصل القوة عن الشبع، ويتحول السعي إلى غاية أبدية، يصبح الإنسان الكائن الوحيد القادر على تدمير ما لا يحتاج إلى تدميره، وعلى افتراس ما لا يشبع افتراسه، وعلى تحويل البقاء من شرط للحياة إلى ذريعة لإلغاء الحياة ذاتها.
إن أخطر ما في الشراهة الإنسانية أنها لا تُدرك ذاتها بوصفها شراهة، بل تُعيد تقديم نفسها دائمًا في هيئة ضرورة، حيث يُعاد تعريف التوسع، والهيمنة، والاستحواذ، بوصفها استجابات عقلانية لمخاطر محتملة أو تهديدات مستقبلية، وهو ما يسمح للعقل بأن يظل في حالة تعبئة دائمة، مستثيرًا دوائر السعي العصبية دون توقف، لأن الخطر هنا لا يكون حاضرًا فعليًا، بل مؤجلًا ومتخيلًا، وبذلك يتحول الخيال من أداة وعي إلى أداة استنزاف، ويصبح المستقبل ذريعة مفتوحة لتبرير عنف الحاضر.
وتكشف التجارب السلوكية الحديثة أن الإنسان حين يشعر بالسيطرة، لا يتجه بالضرورة إلى التوقف، بل غالبًا ما يسعى إلى توسيع نطاق هذه السيطرة، لأن الشعور بالقدرة ذاته يصبح مثيرًا عصبيًا مستقلًا، حيث يؤدي الإحساس بالهيمنة إلى إفرازات دوبامينية تعزز السلوك ذاته، بغض النظر عن نتائجه الواقعية، وهنا يتشكل نمط دائري مغلق، تصبح فيه القوة سببًا لاستمرار القوة، لا وسيلة لتحقيق غاية خارجها، وهو ما يفسر كيف يمكن للأنظمة القوية أن تستمر في التوسع حتى بعد زوال مبرراتها الأولى.
وفي هذا السياق، لا يعود الآخر مجرد مورد أو منافس، بل يتحول إلى عنصر ضروري في معادلة الشراهة، لأن وجود الآخر بوصفه كيانًا مستقلاً يذكّر الذات بحدودها، ومن ثم يصبح تقليصه، أو إخضاعه، أو إلغاؤه، وسيلة نفسية لتخفيف هذا التذكير المؤلم، وهكذا يتداخل البعد العصبي بالبعد الرمزي، حيث لا يُمارس العنف فقط لإزالة تهديد خارجي، بل لإسكات قلق داخلي ناتج عن وعي الإنسان بكونه كائنًا محدودًا في عالم لا محدود الرغبات.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تميل البنى الشرهة إلى إنتاج خطاب يُجرّد الآخر من إنسانيته أو فرديته، لأن تحويل الكائن إلى فئة، أو رقم، أو مفهوم مجرد، يسهل عملية الاستحواذ ويخفف العبء الأخلاقي المصاحب لها، وهو ما تشير إليه أبحاث علم النفس الاجتماعي التي تُظهر أن المسافة الرمزية بين الفاعل والضحية تقلل من نشاط المناطق الدماغية المرتبطة بالتعاطف، فتغدو الشراهة أقل تكلفة شعورية، وأكثر قابلية للاستمرار.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن فهم الشراهة بوصفها خللًا فرديًا فقط، بل يجب النظر إليها كبنية معرفية تُعاد برمجتها اجتماعيًا، حيث يتعلم الفرد منذ مراحل مبكرة أن القيمة تقاس بالامتلاك، وأن التوقف يعادل الخسارة، وأن الاكتفاء يمثل تهديدًا للهوية، وبذلك يُعاد تشكيل الجهاز القيمي نفسه ليصبح متوافقًا مع منطق السعي الدائم، لا مع منطق التوازن، فتتحول القيم من أدوات ضبط إلى محركات إضافية للشراهة.
إن المفارقة العميقة تكمن في أن هذا النمط من الوجود، رغم ما يولده من فائض قوة، ينتج في الوقت ذاته هشاشة بنيوية متزايدة، لأن النظام الذي لا يعرف الاكتفاء لا يستطيع أن يشعر بالأمان، وكل توسع يخلق حاجة لتوسع أكبر، وكل سيطرة تفتح مجالًا لقلق جديد، وهكذا يصبح العالم أكثر امتلاءً بالقوة، وأكثر فقرًا بالاستقرار، ويغدو الإنسان محاطًا بإنجازاته، لكنه مطاردًا بها في آن واحد.
وعندما نعود إلى المقارنة مع الأنظمة الطبيعية، يتضح أن الاستقرار لا يتحقق عبر تراكم القوة، بل عبر ضبطها، لأن الأنظمة البيئية التي تتجاوز فيها إحدى القوى حدودها سرعان ما تنهار أو تُعاد موازنتها قسرًا، بينما يفتقد الإنسان إلى آلية تصحيح تلقائية مماثلة، لأن عقله قادر دائمًا على ابتكار تبريرات جديدة لتأجيل لحظة التوقف، وهنا يصبح الخطر الحقيقي ليس في الخطأ، بل في غياب القدرة على الاعتراف بوجود حدٍّ يجب التوقف عنده.
ويزداد هذا الخطر تعقيدًا حين تُدمج الشراهة في بنى مؤسسية ضخمة، حيث تُفصل القرارات عن نتائجها المباشرة، وتُوزع المسؤولية على مستويات متعددة، فيتلاشى الإحساس الفردي بالذنب أو الحد، وتصبح الأفعال الشرهة مجرد إجراءات روتينية، تُنفذ باسم النظام أو المصلحة أو الضرورة، دون أن يشعر أي فاعل بعلاقته المباشرة بالأثر التدميري المتراكم.
في هذه المرحلة، لا تعود القوة مجرد وسيلة للبقاء، ولا حتى وسيلة للهيمنة، بل تتحول إلى شرط للاستمرار داخل النظام ذاته، حيث يصبح التوقف عن التوسع تهديدًا لبنية النظام أكثر من كونه خيارًا أخلاقيًا، وبذلك يدخل الإنسان في مفارقة مأزومة، إذ يجد نفسه مضطرًا إلى مواصلة ما يدرك، في مستوى ما، أنه غير مستدام، لكنه لا يمتلك أدوات الخروج منه دون أن يهدد الأسس التي بُنيت عليها هويته ومكانته.
وهكذا، يتضح أن الشراهة ليست نقيضًا للمنطق، بل هي أحد أشكاله المشوهة، حيث يعمل العقل بكفاءة عالية في خدمة غاية مختلة، ويُسخَّر العلم، والتقنية، والمعرفة، لتوسيع مجال السيطرة بدلًا من تعميق الفهم، فيتحول الذكاء من أداة توازن إلى أداة تسريع، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على الفعل، وأقل قدرة على التوقف، وهو ما يجعل مأزقه معاصرًا لا لأنه فقد العقل، بل لأنه فقد حدود العقل.
إن ما يجعل الشراهة الإنسانية أكثر خطورة من مجرد ميل سلوكي هو أنها تمتلك قدرة عالية على إعادة إنتاج ذاتها عبر اللغة والمعرفة، حيث لا تكتفي القوة بممارسة ذاتها، بل تسعى إلى تأطير ممارستها ضمن سرديات عقلانية تُحوِّل التوسع إلى واجب، والتوقف إلى خيانة، والحد إلى عجز، وبذلك تُعاد صياغة العلاقة بين الفعل ونتيجته على نحو يسمح باستمرار الاستحواذ حتى حين تبدأ آثاره التدميرية في الظهور، لأن الخطاب هنا يعمل كدرع نفسي يقي الفاعل من مواجهة تناقضاته الداخلية.
وفي هذا الإطار، تلعب المعرفة العلمية ذاتها دورًا مزدوجًا، إذ يمكن لها أن تكون أداة وعي وحدّ، كما يمكن لها أن تتحول إلى أداة تسويغ وتكثيف، حيث يُعاد استخدام المفاهيم العلمية، مثل البقاء، والتكيف، والانتقاء، خارج سياقها البيولوجي الصارم، لتبرير سلوكيات شَرِهة لا علاقة لها بالضرورة، فيتحول منطق الطبيعة، الذي يقوم على التوازن، إلى ذريعة لإلغاء التوازن، ويُستبدل شرط الاكتفاء بمفهوم التفوق المستمر.
ويؤدي هذا الانزلاق المفاهيمي إلى تشويه عميق لفكرة التقدم، إذ لا يعود التقدم مرتبطًا بتحسين شروط الحياة أو تقليص المعاناة، بل يصبح مرادفًا للقدرة على السيطرة الأوسع، والإنتاج الأعلى، والاستهلاك الأسرع، وبذلك تُقاس القيمة لا بمدى الانسجام مع الحدود، بل بمدى القدرة على تجاوزها، وهو ما يجعل أي دعوة إلى التوقف أو الاكتفاء تبدو رجعية أو معادية للتاريخ، رغم أنها في جوهرها محاولة لاستعادة منطق الاتزان الذي لا يستقيم الوجود بدونه.
ومع استمرار هذا المنطق، تتآكل تدريجيًا العلاقة الحسية المباشرة بين الإنسان ونتائج أفعاله، حيث تُدار القوة عن بعد، وتُمارس عبر وسائط تقنية ومؤسسية تقلل من الاحتكاك المباشر بالضرر، فتضعف الاستجابة الوجدانية، ويتحول الفعل العنيف أو الاستحواذي إلى عملية مجردة، تُقاس بالأرقام والمؤشرات، لا بالأجساد والبيئات التي تتأثر بها، وبذلك تصبح الشراهة أقل إيلامًا نفسيًا، وأكثر قابلية للتكرار.
وفي غياب هذا الاحتكاك، يفقد الإنسان إحدى أهم آليات الضبط الطبيعي التي كانت، في سياقات أقل تعقيدًا، تحد من الإفراط، لأن الإحساس المباشر بالأثر كان يعمل ككابح داخلي، أما حين يُستبدل هذا الإحساس بسلاسل إجرائية طويلة، فإن الفعل ينفصل عن تبعاته، ويصبح من الممكن الاستمرار في التوسع دون مواجهة فورية مع نتائجه، وهو ما يخلق وهم السيطرة الكاملة، في حين أن التراكم البطيء للأضرار يظل يعمل في الخلفية حتى يبلغ نقطة الانفجار.
ومن هنا، يمكن فهم لماذا تبدو الأزمات الكبرى، سواء البيئية أو الاجتماعية أو الوجودية، مفاجئة رغم أنها نتاج مسارات طويلة من الشراهة المتراكمة، لأن النظام الذي لا يعترف بالحدود لا يمتلك أدوات قراءة الإنذار المبكر، وكل إشارة تحذير تُفسر بوصفها عائقًا مرحليًا يمكن تجاوزه بمزيد من القوة، لا علامة على ضرورة التوقف، وهكذا تُؤجل المواجهة الحقيقية مع الاختلال إلى أن تصبح المواجهة قسرية وغير قابلة للإدارة.
وفي هذه اللحظة، لا تعود الشراهة مجرد خيار، بل تتحول إلى مصير، لأن النظام الذي بُني على التوسع لا يعرف كيف يعمل في وضع السكون، فيستمر في الدفع حتى وهو يدرك، في مستوى ما، أن الاستمرار لم يعد ممكنًا، وهنا تظهر المفارقة القصوى، حيث يتحول العقل، الذي صُمم للتكيف، إلى عائق أمام التكيف، لأنه لا يستطيع التخلي عن النماذج التي منحته الهيمنة سابقًا.
وتشير المقاربات العصبية الحديثة إلى أن هذا العجز عن التوقف لا يرتبط فقط بالمصالح الخارجية، بل ببنى عصبية تعزز التكرار، حيث يؤدي النجاح السابق في السيطرة أو التوسع إلى تعزيز المسارات العصبية ذاتها، ما يجعل التخلي عنها مكلفًا نفسيًا، لأن الدماغ يفسر التوقف بوصفه فقدانًا، لا تحررًا، وبذلك يصبح الإنسان أسيرًا لنجاحاته السابقة، غير قادر على إعادة ضبط سلوكه في ضوء معطيات جديدة.
وفي مقابل هذا المسار، تبدو الطبيعة، مرة أخرى، أكثر حكمة لا لأنها واعية، بل لأنها غير قادرة على خداع ذاتها، إذ لا تستطيع الأنظمة الطبيعية تبرير تجاوز حدودها، ولا تملك خطابًا يؤجل التصحيح، فإذا اختل التوازن، يحدث الانهيار أو إعادة الضبط، دون مفاوضات رمزية، أما الإنسان، فيملك القدرة على تأجيل التصحيح عبر المعنى، لكنه يدفع ثمن هذا التأجيل مضاعفًا حين يحدث التصحيح أخيرًا
وعليه، فإن مأزق الإنسان مع الشراهة لا يكمن في كونه كائنًا قويًا، بل في كونه الكائن الوحيد القادر على فصل القوة عن الحقيقة، والاستمرار في الفعل رغم وضوح نتائجه، لأن العقل، حين يفقد ارتباطه بالحد، يتحول من أداة إدراك إلى أداة إنكار، ومن وسيلة للتوازن إلى آلية هروب، وهنا يصبح السؤال الجوهري ليس كيف ننتج قوة أكبر، بل كيف نستعيد القدرة على التوقف قبل أن تتحول الشراهة من نمط سلوك إلى شرط انهيار شامل.



#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حصار برياح انقلاب لاتقف قصيدة
- ملحمة سداسية اليمن لابن ثابت الراوي
- وحشية ما بعد الإمبريالية - صور متحولة للاستعمار -
- اصوات لا يعلمها الكلام قصيدة نثر شعري
- حين يعبر الملح جرحك - قصيدة نثر
- كيف أحادثك وانت تهرب من يدي - قصيدة نثر شعري
- نزوح تلميذة - هروب من الحرب - - قصة قصيرة / 31ديسمبر2025
- كيف اصبح الوقت غريبا / قصيدة نثر
- ملاك العام الجديد . . ما تسرب عن تلك الليلة - قصة قصيرة / 30 ...
- كتابي : - الانسان إرتقاء نوع او طفرة انحرف خبيث . . لمعلن ال ...
- أهناك . . من يستحق أن تلتقيه - قصيدة نثر / 30 نوفمبر2025
- ماذا أرى؟! - قصيدة / 25ديسمبر٢٠٢£ ...
- ماذا أرى؟! - قصيدة / 25ديسمبر٢٠٢& ...
- وتهفو الرياح إليك / قصيدة نثر - 23اكتوبر 2023م
- للإنسان أن يتعلم النباح قصة قصيرة
- وتظل عالـــــقا / قصيدة نثرية
- كم أنت وحدك . . مستوحش - قصيدة نثرية 18ديسمبر2025م ليلا
- ويعتليك الوهم. قصيدة
- الترحل البشري عبر الوعي والمعرفة
- ملخص وخطة بحث - وهم انتهاء الحرب الكلاسيكية : اليمن نموذج ال ...


المزيد.....




- اتصال بين وزيري دفاع سوريا وتركيا وسط التصعيد العسكري في حلب ...
- لقطات تُظهر اشتعال مبانٍ حكومية في إيران وسط احتجاجات متواصل ...
- الجزائر تنهار أمام نيجيريا وتودع كأس الأمم الأفريقية في ربع ...
- -الفُقع- هدية الشتاء الفلسطيني.. غذاء من الأرض وطقس متوارث
- عاجل | العليمي يعلن تشكيل لجنة عسكرية عليا بقيادة تحالف دعم ...
- باكستان تبدأ -المناورة الملهمة- مع الجيش الأميركي
- أمين حزب المؤتمر الشعبي: لا بد من حكم مدني في السودان
- ما حقيقة مساهمة تنسيقات عشائرية سرية داخل -قسد- في حسم معركة ...
- عاجل | الرئاسة اليمنية: نطالب دولة الإمارات بالسماح بسفر عضو ...
- سوريا: إغلاق مطار حلب أمام حركة الملاحة الجوية


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أمين أحمد ثابت - - الانسان : الافتراس والشراهة حين فقدت القوة حدودها - - جزء من الفصل الثاني من مؤلفي : - الإنسان ارتقاء نوع من اجل البقاء او انحراف طفروي من اجل الفناء -