أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - للإنسان أن يتعلم النباح قصة قصيرة














المزيد.....

للإنسان أن يتعلم النباح قصة قصيرة


أمين أحمد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 8562 - 2025 / 12 / 20 - 20:43
المحور: الادب والفن
    


كان يجلس قبالته – كلب سيمو - صامتا على غير عادته - عيناه الواسعتان لا تلاحقان شيء بعينه ، لا العصافير أو حتى السيارات بل تثبتان في وجهي كأنه يحاول تذكر أمور ما ، صور من الوقت الماضي تحضره حين كان صغيرا - قلت له وهو يحدق في البحر بعد أن تعب من ركضه على طول الممر الخشبي الممتد كلسان مرفأ الى وسط الماء

......... لا تنظر الي هكذا
، عيناك تخبر بأسرار
. . لا أقوى على اكتشافها .

هز سيمو ذيله ببطء ثم انزل رأسه ووضعه على قدمي كأن الحركة توحي بجواب مؤجل حين انتقلا للجلوس على الرصيف الحجري قرب الميناء – كانت تظهر باخرات عملاقة في البعيد وغيرها راسية في القريب تضيء بألوان متعددة الألوان خلال نوافذها وسطوحها الامامية و . . من بعضها تصل أصداء لموسيقى واغاني متنوعة اللغات – كنت مرتديا معطفي الناري وسيمو لم يقبل بعد أنه عدى عمر الشباب وقد بدأ يظهر عليه غزو الشيب فمه واطراف اذنيه والمسافة بينهما كانت اقل من ذراع
واوسع من سنوات تذكره حين كان جروا صغيرا يرتجف قرب حاوية قمامة . . يمضغ الهواء خوفا والمدينة تمطر شتاء قاسيا – وكم من العمر عبر عليه تائها في الشوارع – كم هو ساحر الهيئة – لا أعرف كيف سقط إلى هذه الامكنة القذرة من الشوارع الخلفية للمدينة – وأية حيوات عايشها خلال عمره السابقة .

........ لا اعرف كيف اعتني بك
- اعتقد ستكون من يؤنس وحشتي
اتقاء من البشر حولي – اسميك سيمو .

كان اسم اطلقته عليه عن كلب في قصة نرويجية مذهلة اسمه سيمو ، منذ تبناه بارتو ذو الأصل الهندي من مدرسة إعادة تأهيل للكلاب المشردة وهو مازال صغيرا لم يتعدى عمر الأربعة اشهر ، اعتنى به وظل يصاحبه معه في خلوته ورحلاته – كثيرا ما كان يلعبان على المروج ويترافقان في رحلات صيده حتى ادرك بارنتو بعد سنوات طويلة أن سيمو يجعله بديلا عن معاشرة البشر . . الذين لا يأتي منهم سوى الأذى والجرح وتوتير الاعصاب ، انه مخلصا وودودا ومفرحا ببشاشته ووضوح تعامله – كان سيمو قد اغناه عن الصحاب . . حتى كانت ضحكات بارنتو لا تتوقف صدها في كثير من الأوقات في صحبة سيمو .

على المرفأ البحري جالت رؤيا حياة سابقة لصحبتنا في دماغ سيمو
شقة صغيرة ، ضوء اصفر ، رائحة قهوة باردة ، وامرأة تضع حقيبة قرب الباب - قالت :


.......... الكلب ليس لك ، هو مرحلة و . . وانا لا استطيع العيش مع مرحلة لا تنتهي

كان وقتها جالسا في الزاوية ينظر اليهما ، لا يفهم الكلمات وإن كان عندها يفهم النبرة - اقترب من المرأة ، شم يدها ثم تراجع قال الرجل يومها :

- انه لا يعرف كيف يكون كما تشائين . . لوقت محدد .

عاد سيمو الى لحظته عند جلوسنا ومازالت عينيه تبحلقان في وجهي – بادلته بتنهيدة خرجت من صدري دون ارادتي الحاضر مخاطبا :

.......... كلهم رحلوا
، حتى الذين وعدوا ان لا يرحلوا وانت بقيت .

هز سيمو ذيله مرة أخرى ، لكن هذه المرة لم يكن الذيل فرحا
، كان اشبه بحركة ذاكرة تتساوق وحالة شروده

***
في المساء كنا نسير في الشارع نفسه الذي مشياه دائما ، كنت ابطأ في الخطو بينما كان سيمو يتوقف كثيرا متشمم روائح تصدر من بين الحشائش وبعض الشجيرات المتناثرة على الرصيف في فتحاته الترابية – قلت بعد مضي ثلاثة أعوام من وداعي الأخير لصديقي :

........ كنت انتظرني كل يوم
، سنوات ماضية طفرت من العمر
، في نفس الطرق التي اخذت خطونا
، نفس الامكنة
ذات الرصيف والشواطئ حيث لهونا
حتى بعد انقبل أن أعلنت الرحيل ...................... باكيا

لم تزل نظرات سيمو تعلق فيه وبعض همهماته – أتذكر حين كتب عليك الرقود في المشفى – كان يمنع دخول الكلاب والقطط – تسلل خفية وبمراوغات كثيرة حتى لا يرى ل . . يظهر اعلى جسدي فوق السرير لاعقا وجهي والفرحة تجعل جسد يرتعد بشدة متناهية – كان كما لو انه يطلب مني النهوض والسير خارجا وبعيدا من كل البشر والمواجع وآلام الجسد التي لا تبارح مواضع صريرها منك – كان رجع كلمات الطبيب . . ربما تتضرر الذاكرة إثر الحادث الذي ألم بك – قد يصبح سلوكك باردا . . تجاه من عايشوك الذاكرة لاثني عشرة سنة ماضية- ماذا ، إنها اجمل ذكريات عمرك ، اجمل صحبة عشتها – كيف لي أن لا اعرف سيمو او أكون باردا معه – احس مدركا ما جال بخاطري ، لعق وجهي ويداي وعنقي بانتشاء وكانت نظراته تطمئني بأن ذلك لن يحدث ، عليك سرعة النهوض واستعادة نشاطك – لا تزال هناك سنوات طويلة قادمة من الفرحة – وحين كتب لك الخروج من المستشفى كنت قد انا نسيت اسماء كثيرة ، نسيت وجوها و تواريخ لم تعد تذكر منها شيئا ل . . لكنك سيمو انسى نفسي ولا أنساك – بعد وقت من التشافي جلسا قرب شجرة
ا يتأملان في المدى وكل واحد منهما يرحل في عالمه بصمت ولم تتوقف يدي اليسرى عن تربيت جسده وملامسة جبينه وجبهته برقة عفوية – مرات كثيرة كنت اشعر انك تريد أن تسألني اكثر من سؤال ، كنت تصمت وتكتفي بالإشارة لما تحمله عينيك من الاستفهام .


مر الوقت دون الشعور به – منذ ما غادرنا سيمو الى ضريحه الأخير . . حيث دفناه في الفناء الخلفي من البيت في منطقة خالية سوى من عشب بري وقريب من شجرة ديمن - كان زمنا مقتولا ازهقت فيه المتعة والاحاسيس ، كان وقتا لا تعرف كيف تعيشه او تجهضه دون وجود صاحبك - جلست على صخرة والظلام يحيط بك في منطقة خارج المدينة اسفل قلعة القاهرة . . تتذكر كيف كتبت حياة ممتعة لك
- اعتقد انها اجمل من تلك التي عاشها بارتو
.......... إنك ي . . يجب يعمل لك فلم
، فصحبتك لا تصل إليها قيمة
كل قصص الأصدقاء والوفاء .



#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وتظل عالـــــقا / قصيدة نثرية
- كم أنت وحدك . . مستوحش - قصيدة نثرية 18ديسمبر2025م ليلا
- ويعتليك الوهم. قصيدة
- الترحل البشري عبر الوعي والمعرفة
- ملخص وخطة بحث - وهم انتهاء الحرب الكلاسيكية : اليمن نموذج ال ...
- اوليات لمدخل فهم فوضى التمزيق الامريكي لليمن ( حلقة ١ و ...
- لهيب بعمر يشيخ
- سقوط وتلاشي نظريات علم الاجتماع في العصر التقني
- قصيدة لمناضل محي من سجل التاريخ
- لا سجل لك هنا يوليو١٩٩ ...
- ذهاب من الذاكرة
- شتاء سير تحت اضواء شاحبة
- هل ستسأل عن الريح قصيدة نثر ١&# ...
- العنف اشكالية تناقض مفهومي بين النظرية والواقع
- إشكالية الجنس في سياق التقنين الإنساني ونظم التحريم الدينية ...
- أعظم جريمة في التاريخ . . أنتجها الإنسان / مقالة فكرية
- عشق . . يفوق ذاته / اقصوصة خاطرة مارس18 /٢٠£ ...
- على حافة الذاكرة / ١٥ نوفمبر ٢٠£ ...
- الذكاء الاصطناعي عبقرية تهدد الانسانية ب : تحولات السلطة وال ...
- وجها مرآة واحدة / يناير ٢٠٢٣ م


المزيد.....




- مهرجان -جدّي كنعان- الرمضاني.. تعليم وترفيه للأطفال بروح مقد ...
- بن يونس ماجن: شطحات لكبار السن
- وزير الثقافة السعودي يزور المتحف الوطني السوري
- الشرع في افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب: -سوريا تعود-
- مصطفى محمد غريب: شهادة التأمل في الفصول
- محمد حلاق المثقف الثائر: المبدع عندما لا يترك وراءه أثره
- كيف أعاد التغير المناخي كتابة سرديات الرعب؟
- الممثل جوزيف غوردون ليفيت ينضم إلى حملة لإنهاء حصانة بعض شرك ...
- فضيحة صادمة في معرض القاهرة الدولي للكتاب بطلها -شات جي بي ت ...
- أسعد دوراكوفيتش: ترجمتي الثانية للقرآن تسعى إلى تعليم محبة ا ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - للإنسان أن يتعلم النباح قصة قصيرة