علي ابوحبله
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 12:42
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
بقلم المحامي علي ابوحبله
منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، دخلت الأمة العربية مرحلة تدهور استراتيجية غير مسبوقة، تفككت خلالها منظومات الأمن القومي العربي، وجرى إضعاف الدولة الوطنية العربية وتحييد الجيوش المركزية التي كانت تشكل ركيزة توازن الردع في المنطقة. وقد استغلت الولايات المتحدة وإسرائيل تلك اللحظة التاريخية لطرح مشروع “شرق أوسط جديد” يقوم على إعادة رسم خرائط النفوذ، وتفتيت الكيانات، وتقسيم المقسم وتجزيء المجزأ.
لم يكن الهدف من ذلك مجرد تغيير أنظمة أو إسقاط حكومات، بل إعادة هندسة المنطقة جيوسياسيًا بما يضمن دمج إسرائيل في قلب الإقليم سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وتحويل الصراع العربي–الإسرائيلي إلى ملف ثانوي، تمهيدًا لتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتجريد القضية الفلسطينية من بعدها القومي والعقدي والدولي.
لقد امتد الصراع على النفوذ من العراق إلى سوريا واليمن وليبيا والسودان وإثيوبيا والصومال، فيما كان الشعب الفلسطيني يخوض وحده معارك الصمود في غزة والضفة والقدس في مواجهة محاولات التهويد والحصار والتفكيك الاجتماعي والسياسي. وتحوّلت فلسطين إلى البوصلة الغائبة في حسابات العديد من الأنظمة التي لم تدرك بعد أنّ أمنها الوطني يبدأ من القدس، وأنّ استقرار المنطقة لا يستقيم دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.
ومع تراجع النظام العربي الرسمي وتباعد مواقف الدول، نجحت قوى خارجية في تحويل المنطقة إلى ساحات صراع تُدار بالوكالة، وإلى ممرات مفتوحة أمام مشاريع الهيمنة الدولية والإقليمية. لكن الحروب الكبرى أثبتت في الوقت ذاته أنّ الأمة العربية ما زالت تمتلك رصيدًا حضاريًا وشعبيًا قادرًا على قلب المعادلات حين تُستنهض الإرادة السياسية.
اليوم تقف المنطقة أمام سؤال مفصلي:
هل تستمر في مسار التفكيك والتبعية وإعادة إنتاج الأزمات ذاتها، أم تنجح في إنتاج صحوة عربية جديدة تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية وتستعيد القرار السيادي وتبلور منظومة أمن قومي عربية مستقلة، تُقارب المستقبل بمنطق الوحدة والمصلحة لا بمنطق التنازع والاستنزاف؟
إن إعادة بناء النظام العربي ليست ترفًا فكريًا ولا رفاهية سياسية، بل ضرورة وجودية تفرضها التحولات الدولية، وانكشاف الإقليم على مشاريع الهيمنة، وعودة الصراع العالمي على مصادر الطاقة والممرات البحرية والموقع الجيوستراتيجي. ومواجهة هذه المخاطر تبدأ بتعزيز التضامن العربي، واستعادة مركزية فلسطين كقضية جامعة، وإطلاق رؤية عربية مشتركة تحفظ للأمة دورها ومكانتها وأمنها ومستقبلها.
ويبقى السؤال المفتوح أمام صانع القرار العربي:
هل نترك للآخرين رسم خرائط منطقتنا ومستقبل أجيالنا؟ أم نمتلك شجاعة بناء مشروعنا العربي من جديد؟
#علي_ابوحبله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟