أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي ابوحبله - وصايا على فراش الفساد














المزيد.....

وصايا على فراش الفساد


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 14:16
المحور: الادب والفن
    


اعداد: المحامي علي أبو حبلة
المشهد الأول: الغرفة والوريث
الغرفة مظلمة، شعاع واحد من مصباح ضعيف يسلط ضوءه على الجدران المتشققة. رائحة الدواء والنسيان تختلطان بالهواء، في حين يمتدّ جسد الأب على فراش الموت، مهلهلًا، لكنه ما زال يحتفظ ببريق عينين لم تخبو رغم السنين.
الابن، شاب في مقتبل العمر، واقف على بابه، كأنه بين عالمين: عالم أبيه المظلم الذي يعرف قواعد القوة والدهاء، وعالمه هو، حيث الأخلاق والفضيلة لم تُمح بعد من قلبه.
الابن، بصوت خافت، ممزوج بالرهبة والحماس:
"علّمني يا أبي… علّمني علم الفساد كما عرفته أنت، علمًا لا يعرفه إلا المحترفون."
ابتسم الأب ابتسامة فيها خبرة عمر كامل، ضحكته حادة، كسيف يقطع كل وهم بريء:
"اجلس يا بني… فالفساد علم له قواعد وأصول، ومن لا يتقنها يُؤكل قبل أن يأكل."
جلس الابن على طرف السرير، دفتره بين يديه، يداه ترتجفان، لكنه مستعد للاستماع.
المشهد الثاني: قواعد الظل
الأب أخذ نفسًا عميقًا، وصوته أصبح أهدأ، لكنه مشحون بالقوة:
القاعدة الأولى: لا تكن وحدك
"الفساد يا بني ليس عملًا فرديًا، إنه شبكة واسعة. كل من سار وحيدًا سقط، وكل من امتدّ مع القطيع نجا. ابحث عن الحلفاء، اعرف الفاسدين، واحتفظ بهم سندًا لك."
القاعدة الثانية: اشترِ من هم فوق القانون
الأب انحنى قليلًا، وكأن كلامه سرّ:
"هؤلاء الرجال… يقال عنهم ‘فوق القانون’. اغتنِ خبرتهم، ادفع لهم ما يستحقون، فهم يختصرون عليك الزمن ويعلمونك ما لا يعلمه أحد."
القاعدة الثالثة: لا تكبر حصتك
ضحك الأب ضحكة مريرة:
"في كعكة الفساد، لا يوجد عدل، فقط ترتيب. إن كبرت حصتك أكثر من حصص من فوقك، فاعلم أن السقوط أقرب مما تظن."
المشهد الثالث: السحر المظلم للفساد
الأب ألقى بصره على الابن، وقال:
القاعدة الرابعة: كن كريمًا
"فتاتك اليوم يصنع لك جنودًا غدًا. امنح الصغار نصيبهم، سيصبحون لاحقًا مؤيدينك وموثوقين بك."
القاعدة الخامسة: كن قانونيًا
"اللصوص البسطاء يذهبون إلى السجن، أما المحترفون… يُكرّمون. ارتدِ بدلة القانون، اجعل العالم يصفق لك، واصنع لنفسك واجهة مشرقة."
القاعدة السادسة: أخفِ الأدلة
أشار إلى كأس ماء على الطاولة:
"الماء يغسل كل شيء. اغرق الأدلة كما تغرق الأوراق في السيول، فالاختباء أفضل من الدفن."
المشهد الرابع: الحفلات والكلمات
الأب جلس مستندًا إلى الوسادة، وابتسم بسخرية:
القاعدة السابعة: لا تخف
"الخوف يدمر الإمبراطوريات الصغيرة، ونحن في كل مكان. لا تخف، ولا تخجل."
القاعدة الثامنة: أقم الحفلات
"حين تسكر العقول، يسقط الضمير. السهر الطويل يضعف الناس، ويجعلهم أكثر قبولًا لكل شيء."
القاعدة التاسعة: غيّر المصطلحات
"لا تقل ‘رشوة’… قل ‘عمولة’. الكلمات تصنع الواقع، والفاسد المحترف يعرف قيمة الاسم."
المشهد الخامس: التظاهر بالفضيلة
الأب أومأ بحكمة:
القاعدة العاشرة: لا تنكر الفساد، بل عظّمه
"قل للناس إن الفساد قدر محتوم، واهتم بالكلمات أكثر من الحقيقة. تحدّث عن النزاهة والشرف، فالواجهة أهم من الحقيقة."
القاعدة الحادية عشرة: نظف صورتك
"التقط صورًا مع مطاردي الفساد، وابحث عن بوق إعلامي يروج لك. الانتهازيون في الإعلام يختصرون عليك خطوات كثيرة."
القاعدة الثانية عشرة: افهم النفس البشرية
"الفقير الذي تمر الملايين من تحت يده، سيسقط إن غابت الرقابة. الفساد معدٍ، فقط افتح الباب، وستراه ينتشر."
المشهد السادس: الكنوز المخبأة
القاعدة الثالثة عشرة: تجاهل المثقفين
"المثقفون يتناحرون بعيدًا عنك. جدالاتهم لا تهزم الإمبراطوريات."
القاعدة الرابعة عشرة: القاضي الفاسد
"إن وجدته، أغدق عليه. هو حصانتك الأخيرة، عملة نادرة لا يسأل أحد عن مصدرها."
القاعدة الخامسة عشرة: احذر الشفافية
"هي بداية النهاية، قاتلها كما تحارب النار."
ثم صمت الأب، قبل أن يهمس بصوتٍ خافت:
"وأخيرًا يا بني… عدوك الأول هو الضمير. إن استيقظ، خسرت كل شيء. أبقه نائمًا، مهما كان الثمن."
المشهد السابع: معركة الابن الداخلية
بعد وفاة الأب، جلس الابن وحيدًا في الغرفة، دفتره بين يديه مليء بالقواعد.
فكر في الإرث الذي ورّثه له أبوه: إمبراطورية قائمة على السر، والخيانة، والدهاء.
سأل نفسه بصوتٍ خافت:
"هل أطبّق هذه القواعد لأصبح جزءًا من الإمبراطورية؟ أم أقاوم وأبقي ضميري حيًا؟"
هنا يكمن درس الرواية:
الفساد ليس مجرد فعل، بل شبكة علاقات، وسقوط الفرد أو نجاته يعتمد على اختياراته الأخلاقية، لا على ذكائه أو قوته فقط.
الخاتمة
الفساد قوة مخفية، لكنه قوة مدمرة. من يسعى للنجاح بالطرق الملتوية قد يحقق المكاسب، لكنه يفقد جوهره الإنساني ويصبح رهينًا لنظامٍ لا يرحم.
أما من يرفض توريث هذا الإرث، ويختار الطريق الصعب للضمير والعدل، فقد يخسر على المدى القصير، لكنه يظل فائزًا في أعماق روحه وتاريخ ضميره.
التوصيات
غرس النزاهة والأخلاق: التربية المبكرة على القيم الحقيقية قبل السلطة.
الشفافية والمساءلة: المؤسسات القوية تعتمد الرقابة المفتوحة والإجراءات القانونية الصارمة.
حماية الضمير: لا تسمح لنفسك بتجاوز المبادئ، فالضمير رصيد لا يفنى.
وعي اجتماعي: معرفة قواعد اللعبة ليست للتطبيق، بل للحذر والمواجهة.
كشف الأمثلة السيئة: فضح الفساد علنًا يعزز الثقافة المجتمعية ضد الانتهاز والظلم.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نيكتا خر تشوف وحرب السويس 1956 وعالم اليوم: أين النظام الدول ...
- منع المنظمات الإنسانية في فلسطين تتطلب مسائلة سياسيه و قانون ...
- فنزويلا تحت الاحتلال الأمريكي: اعتقال مادورو يفتح فصلاً جديد ...
- الأمم المتحدة تحذر إسرائيل من مشروع قانون إعدام الفلسطينيين
- غزة بين القلق الإنساني والتسويات السياسية: قراءة في البيان ا ...
- البلديات والمجالس المحلية بين الاختناق الإداري والعبء المتزا ...
- نودّع عامًا… ونستقبل سؤال المصير
- إسرائيل تسعى لاغتيال الأونروا
- في الذكرى الثانية والستين لانطلاقة حركة فتح قراءة استراتيجية ...
- غزة في الميزان… وإيران ولبنان أوراق تفاوض
- اعتراف متبادل مقابل استيعاب سكان غزة – قراءة استراتيجية معمق ...
- ترامب ونتنياهو: لحظة حاسمة لمستقبل المرحلة الثانية من اتفاق ...
- التعايش الإسلامي–المسيحي في فلسطين: ركيزة هوية وطنية ومعركة ...
- الفأر في المصيدة
- بكر أبو بكر وأكاديمية فتح الفكرية: صرح وطني وفكري لتطوير الق ...
- في زمن الانهيار والتحولات الكبرى رؤية استراتيجية للمستقبل ال ...
- حين تصبح الفتنة أخطر من الاحتلال: تحذير وطني من فلسطة الصراع ...
- التهجير القسري في غزة: قراءة قانونية واستراتيجية في تقرير «ب ...
- القومية العربية في ظل التحولات الإقليمية والدولية قراءة استر ...
- الأمم المتحدة تحذر من عرقلة وصول مساعدات الإيواء إلى غزة


المزيد.....




- جائزة دولية مرموقة للفنان العراقي ضياء العزاوي
- قبل كورونا وبعدها: كيف تغير مزاج جمهور السينما؟
- شولة.. حكاية ريشة يابانية أبهرتها الفنون الإسلامية
- الفنان سمير جبران: الموسيقى هي السلاح الأجمل لحماية الهوية ا ...
- سمير جبران: الموسيقى سلاحنا الأجمل لحماية هويتنا الفلسطينية ...
- كتاب -بعد الهمجية-: غزة هي -كاشفة الحقيقة- التي فضحت عرقية ا ...
- كائن فضائي ورديّ اللون أضافه فنان إلى لوحاته يُشعل الإنترنت. ...
- سفير فلسطين لدى لبنان يعزّي الفنانة فيروز بوفاة نجلها
- فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط ...
- عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي ابوحبله - وصايا على فراش الفساد