أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي














المزيد.....

الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


لم يكن الليل تلك الليلة زمنًا،
كان حالة كونية من التوقّف.
كأن العالم، بكل تعبه وحروبه وأسئلته المؤجَّلة، حبس أنفاسه ليفسح مجالًا لولادة المعنى.

على أطراف بيت لحم، في مغارةٍ لا تحمل اسمًا ولا تاريخًا، حدث ما لم يكن متوقّعًا:
لم يأتِ الله من الأعلى، بل من العمق.
لم يهبط كقوّة، بل وُلد كهشاشة.
لم يعلن نفسه بصوت الرعد، بل ببكاء طفل.

مريم لم تكن رمزًا فقط، كانت إنسانًا كاملًا في لحظة فائقة الكثافة.
امرأة تواجه المجهول بجسدها، وتحمل المطلق في ذراعيها.
في عينيها لم يكن خوف، بل إدراك صامت بأن الحبّ الحقيقي لا يحمي صاحبه من الألم، بل يعطيه معنى.
حين انحنت على طفلها، انحنى معها التاريخ، وتبدّل مركز الكون:
صار القلب أهمّ من العرش.

وُضع الطفل في مذود.
لا لأن العالم لم يجد له مكانًا،
بل لأن الله اختار المكان الذي لا نختاره نحن.
اختار الفقر لا كحرمان، بل كقرب.
اختار الهامش ليقول إن الخلاص لا يبدأ من القمم، بل من الجراح المفتوحة.
هناك، حيث الإنسان عاريًا من ادّعائه، يبدأ النور عمله الحقيقي.

يوسف كان حاضرًا بصمته.
وصمته لم يكن ضعفًا، بل شجاعة من نوع نادر.
شجاعة الوقوف أمام سرّ لا يُفسَّر، وحبّ لا يُمتلك.
كان يعرف أن بعض الأدوار العظيمة تُؤدّى في الظل،
وأن الحراسة أحيانًا أقدس من القيادة.

في الحقول، بعيدًا عن المدن والنظم والتراتبيات،
كان الرعاة يسهرون.
سهرهم لم يكن عملًا فقط، بل تشبهًا غير واعٍ بالله الساهر على العالم.
لذلك جاءت البشارة إليهم أولًا.
ليس لأنهم أنقى، بل لأن قلوبهم لم تُغلق بعد.
جاؤوا كما هم، بلا أقنعة، بلا لغة لاهوتية،
وجلسوا أمام الطفل وكأنهم عادوا إلى أصلهم.

ومن المشرق، تحرّك العقل.
المجوس لم يسيروا بدافع الإيمان، بل بدافع السؤال.
والسؤال الصادق، حين يُتبع حتى النهاية، يقود إلى الركوع.
حين وصلوا، فهموا أن الحقيقة لا تُختصر في فكرة،
وأن النور لا يُمتلك، بل يُعاش.
فقدّموا ذهبهم ولبانهم ومرّهم،
وكأن البشرية كلّها كانت تقول:
نحن هنا… بما لنا وما علينا.

في تلك الليلة، لم تتغيّر الخرائط،
لكن تغيّر الاتجاه.
لم تُمحَ المعاناة،
لكن لم تعد بلا رجاء.
صار الله قريبًا بما يكفي ليُلمَس،
وصار الإنسان مسؤولًا بما يكفي ليُحِبّ.

وفي التقويم الشرقي، حين تحتفل الكنائس بعيد الميلاد في السابع من كانون الثاني،
لا تعود إلى الماضي، بل إلى الجذور.
تعود إلى إيقاعٍ روحيّ يرفض العجلة،
ويصرّ على أن النور يحتاج وقتًا لينمو.

الميلاد ليس ذكرى.
هو دعوة مفتوحة للعالم كلّه:
أن نعيد تعريف القوّة،
أن نُنصت لله وهو يهمس بدل أن يصرخ،
وأن نسمح للنور أن يولد فينا،
لا ليُدهشنا…
بل ليُغيّرنا.

هذا هو الميلاد في روحه الشرقية:
تواضعٌ عميق،
نورٌ صامت،
وحقيقة تقول للإنسان أينما كان:
لستَ منسيًّا



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العربيزي… حين تُهمَّش العربية في الفضاء الرقمي
- تمرين على النور
- ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى
- يا قلمُ
- تفكيك البديهي
- ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟
- َدْفِنُ مَوْتَانَا وَنَنْهَض
- العبوة النازفة… رواية الإنسان حين يصبح جبهة قتال داخلية قراء ...
- لغةُ الإنسان
- عامٌ جديد… هَبْهُ لنا كما ينبغي
- اعتياد الموت: حين يفقد الوجدان حقّه في الارتجاف
- حين تضرب الإعاقة… وتُديننا جميعًا
- وداعًا عزيزنا عصام مخول
- عامٌ ينكسر… وآخر يُختبر: تأملات في وعي الشرق الأوسط
- محمد بكري… حين يغادر الضمير جسدًا ويبقى شاهدًا
- عقدٌ من النور… حين يصبح التكريم سيرة وطنٍ تربويٍّ وإنسانيّ
- العلّاندا… حين يتقن الضوء فنّ الإيذاء
- في عيد الميلاد… ميتافيزيقا الشمعة والغياب
- «حين يصير الصمت خلاصًا: الراهبات كضميرٍ حيّ للإنسانية»
- ما بعد التحجّر


المزيد.....




- روسيا تلتزم بترميم المعالم التاريخية والثقافية المتضررة
- صالون السينما السعودية المستقلة: مبادرة تنطلق من باريس تعكس ...
- نجوم الفن في مصر ينتفضون لدعم حسام حسن بعد -دراما الأرجنتين- ...
- بوتين يوجه بحزمة إجراءات لدعم اللغة الروسية وتعزيز مكانتها ع ...
- موسم مسرحي حافل بالعروض الأولى في موسكو
- فيلم -ابن مين فيهم-.. الكوميديا تجمع مجددا بين ليلى علوي وبي ...
- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...
- موسكو ترمم منزل ومرسم الفنان فالنتين سيروف التاريخي في شارع ...
- Strategic Culture: كييف تجاوزت -نقطة اللاعودة- في استنزاف م ...
- فضل شاكر يعلق على قرار إخلاء سبيله: كتبت لي سطور جديدة في ال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي