عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 08:04
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
ليست قلعة أربيل مجرد معلمٍ أثريٍّ يعلو مدينةً حديثة، بل هي تلّ حضارات تكوَّن عبر آلاف السنين، طبقةً فوق طبقة، حتى غدت شاهدًا حيًّا على تعاقب المدن السبع التي استوطنت المكان نفسه، وأعادت إنتاجه وفق حاجاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
معنى “تلّ الحضارات”
في علم الآثار، لا ينشأ “التل” طبيعيًا، بل يتشكّل من تراكم الاستيطان البشري: بيوت تُهدم، وأخرى تُبنى فوقها، وطرقات تُطمر، ثم تُعاد صياغتها. وقلعة أربيل مثالٌ نموذجيٌّ لهذا النمط؛ فهي مدينة لم تُهجَر، بل ظلّت مأهولة باستمرار، وهو ما منحها خصوصيةً نادرة بين مدن العالم.
المدن السبع: تعاقب بلا انقطاع
حين نصف القلعة بأنها تلّ المدن السبع، فإننا نشير إلى سبع مراحل حضارية كبرى، لا إلى أرقامٍ جامدة، بل إلى تحوّلات تاريخية تركت بصمتها في النسيج العمراني:
1- المرحلة السومرية–الأكدية
حيث ظهرت أولى نواة الاستقرار، المرتبطة بالزراعة والعبادة وتنظيم الجماعة.
2- المرحلة الآشورية
وفيها برز الموقع بوصفه عقدةً دفاعية وإدارية ضمن شبكة المدن الشمالية لبلاد الرافدين.
3- المرحلة الميدية–الأخمينية
مرحلة انتقالية رسّخت أهمية التل كموضع سيطرة ومراقبة إقليمية.
4- المرحلة الهلنستية
حيث انعكست التأثيرات الإغريقية في التخطيط والعمران، مع بقاء الجوهر المحلي.
5- المرحلة الساسانية
التي عززت الطابع الدفاعي والديني، ورسّخت القلعة كمدينة–حصن.
6- المرحلة الإسلامية
من العصر العباسي مرورًا بالأتابكة، حين تحولت القلعة إلى مدينة متكاملة: جامع، سوق، مدرسة، بيوت، وسلطة.
7- المرحلة العثمانية–الحديثة
حيث استمر السكن حتى القرن العشرين، مع تحولات اجتماعية وعمرانية عميقة.
القلعة: مدينة فوق مدينة
ما يميّز قلعة أربيل عن غيرها من التلال الأثرية أن كل مرحلة لم تُلغِ سابقتها، بل استندت إليها. فالأزقة الضيقة، وتلاصق البيوت عند الحافة، وارتفاع التل، كلها نتاج تراكم حضري واعٍ وغير واعٍ في آنٍ واحد. ولهذا يمكن قراءة القلعة بوصفها أرشيفًا معماريًا حيًّا، لا أطلالًا صامتة.
دلالة حضارية وإنسانية
إن توصيف قلعة أربيل بتلّ الحضارات السبع ليس مجازًا أدبيًا فحسب، بل حقيقة علمية وتاريخية. فهي تختصر قصة المدينة المشرقية: الاستمرارية، التكيّف، والقدرة على البقاء رغم الحروب والتحولات. ولهذا استحقت أن تُدرَج ضمن الذاكرة الإنسانية بوصفها واحدةً من أقدم أماكن الاستيطان المستمر في العالم.
خاتمة
قلعة أربيل ليست ماضيًا نُشاهدُه، بل زمنٌ متراكم نسكنه ونقرأه. هي تلّ الحضارات، وتلّ المدن السبع، ومرآةُ الإنسان وهو يعيد بناء مدينته فوق آثار نفسه، دون أن يفقد جذوره. وفي هذا تكمن عظمتها الاستثنائية.
#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟