أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -المُرّ يُعلِّم الصبر... ولكن!-














المزيد.....

-المُرّ يُعلِّم الصبر... ولكن!-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 02:41
المحور: الادب والفن
    


حدثنا برغوت بن ياقوت، وهو ممن جرّب المرّ حتى اعتاده، وتعلّم الصبر حتى كاد ينساه، فقال:
يا قوم، سمعتُ اليوم من نافذة الفيسبوك ما أثار الفكر وأوقد جمر القلب، مقامةً ، حملت عنوانًا كالسيف: "المُرّ يُعلِّم الصبر... ولكن!". مقامة جاءت كصفعة على وجه الغافلين، وحكمة تمشي بيننا على أطراف أصابعها، لا تصرخ لكنها توجع.
فقلت: يا له من عنوان! كأنه سُلّة من المرّ يهدى للصابرين، أو كأس من العلقم يُقدَّم لمن ظنّ أن الصبر بلا ثمن. ورحت أسبح مع الفكرة، أتلمّس جراح هذا الزمن، حيث نأكل المرّ صاغرين، ونلبس الصبر كأنه تاجٌ مقلوب.
أما المقامة التي أرويها لكم اليوم، فهي مرآة لتلك الحكمة، وظلٌّ يمشي خلفها، فيها من سخرية الواقع ما يُضحك حتى الباكين، ومن مرارة الحقيقة ما يُبكي حتى الضاحكين.
فيا سامعي القول، ومتبصري الحال، تعالوا نغوص في تفاصيلها، لعلنا نجد جوابًا لهذا السؤال القديم الجديد: هل الصبر فضيلة، أم استسلامٌ مُزخرمقامة برغوت بن ياقوت في الصبر المُعلَّم والدهر المُظلِّم



مقامة برغوت بن ياقوت في زمن الفيسبوك والعصر الافتراضي
حدثنا برغوت بن ياقوت، وهو من عُرف بين الأقوام بصبره إذا جاع، وضحكه إذا باع، فقال:
يا قوم، إياكم والعالم الإلكتروني إذا طغى، والفيسبوك إذا علا، فقد سبقنا كل عصور الانحطاط، وصرنا نرى الشعراء والنقاد والأدباء يتكاثرون كالفطر في أرضٍ بلا مطر، حتى أصبح للإبداع عندنا ألف اسمٍ ووجه، لكن بلا قلبٍ ولا نبض، كأنما نبتوا من رماد الحروف لا من وهجها.
أما بعد، فقد مررتُ بسوق الافتراض، حيث تُباع الكلمات وتُشترى الإعجابات، ووقفت عند دكانٍ كُتب عليه: "معلم النقد.. ولكن!". فسألت الرجل الواقف هناك، وكان كهلاً قد أثقلته الأوهام وأرهقته الأقلام:
– يا هذا، أتعلم النقد حقاً؟
– قال: بلى، أعلمه.. ولكن لا أطبقه!
– قلت: ولمَ؟
– قال: لأن النقد صار بضاعة كاسدة، لا يطلبها أحد في زمن المجاملات والنسخ واللصق!
يا قوم، أليس كل جائزة تُمنح اليوم في الفيسبوك تُباع بالثناء الكاذب أو تُشترى بالمجاملات الرخيصة؟ كأن الإبداع أصبح عملةً في مزادٍ علني، والشاعر من يدفع أكثر، والكاتب من يجمع حوله أكثر المتابعين، فلا يقرأ له أحد، لكنه يتفاخر بأعداد الأصدقاء كأنهم جيش لا يُهزم!
أما صفحات "الإبداع الجماعي"، فهي كمدارس لا تعلم سوى الهذيان، حيث يكتب الجاهل ويسمي نفسه ناقداً، ويعلق العابر ويُدعى أديباً، حتى بات الفيسبوك مرعى للألقاب بلا مضمون، وأصبحنا نرى كُتّاباً من كل صوب، كأن الحروف صارت سهلة الترويض، والعناوين تُوزع كالهدايا المجانية!
في عالمٍ تقوده شاشات لا تفرق بين الغث والسمين، وبين الكاتب والشاعر، تجد من يجمع الإعجابات كأنها دراهم تُنفق، ويظن نفسه قد نال مجد الخلود في مجرة افتراضية، حتى إذا جاء يوم النشر الحقيقي، بكى على عتبات دور الطباعة، وقال: "أين ذهب أصدقائي؟ أين اختفى جمهوري؟".
ويا للعجب، أصبحت الدواوين تُنسخ بلا روح، تُجمع فيها السرقات الأدبية من هنا وهناك، وكأن الفيسبوك بات حانةً مفتوحة للناهبين والنسّاخ، لا يضره أن حُذفت أو تُركت، فالأدب اليوم في سوقٍ كاسدة، ومن يملك ألف متابع صار أمير الشعراء، ومن يكتب تعليقًا طويلاً صار ناقدًا لا يشق له غبار. فلا تعجبوا إن مرت الأعوام واندثرت تلك الأسماء، كأنها أسطورة من أساطير "ألف ليلة وليلة"، يرويها الناس على سبيل الغرابة، ويتساءلون: "هل كان هذا حقيقيًا أم من نسج الخيال؟".
في المستقبل، لن يذكر التاريخ إلا من عاش للإبداع الحق، لا من سرق من الفيسبوك زيفًا ومنصات الخداع، فكأنما هي طحالب نبتت في مستنقع، تلمع في السطح وتذبل عند أول نورٍ للحقيقة.
يا قوم، من أراد أن يعيش من الأدب وحده اليوم، كمن يسير في سوق بلا بضاعة، أو كمن ينتظر المطر في صحراء الوعود، فليتعلم كل أديبٍ حرفةً تقيه شر الجوع والعوز، وليكتب من قلبه لا من أجل تصفيقٍ وهمي أو إعجابٍ زائف، فإن الصبر جميل، ولكن وحده لا يكفي في زمنٍ صارت فيه الكلمة تُباع، والفكرة تُشترى، والحروف تُنتهك على منصات العدم!
فيا قوم، النصح واجب، والوعي فريضة، فإما أن ننهض من جديد بعقولٍ تعرف معنى الإبداع، أو نبقى أسرى لظلال العالم الافتراضي، نبكي على أطلال المجد المفقود!



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة من قلب برئ من الهوى والجنون
- «حين يُباعُ الوطنُ… ويُقادُ الأحياءُ إلى المذابح»
- «المشاريع الكبرى المولودة من رحم المحن لا تموت»
- ضربة حظ
- مقامة الاستجارة والرجوع
- ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا& ...
- المرأة في العصر الحديث – السياسات، العولمة، النقد، والمستقبل
- المرأة بين التاريخ والتحوّل – من الجذور القديمة إلى لحظة الت ...
- الموارد الطبيعية في منظور الجغرافيا السياسية والجيوبوليتك
- الثورة البيولوجية وعلم البلوچينوم: من الشفرة الوراثية إلى ال ...
- مقامة حانة الأقدار
- الأمة المثلى والأخلاق المفقودة
- رحاة الضياء
- حين تنعكس الشمس على ملامحها
- المقامة الهمذانية في الزمنِ المهزوم
- **الزمن بوصفه قدرًا: قراءة في مأساة الوعي والاغتراب في «أهل ...
- «حين يتحرّك السكون»
- النيجر: قلب الصحراء الذي يمشي بين ضوءين
- – ليبيا: الأرض التي تمتدّ من زرقة المتوسط إلى قلب الصحراء ال ...
- مالي: المملكة التي مشت فوق الذهب، ونامت على ضفاف النيجر، وظل ...


المزيد.....




- سارايكتش للجزيرة نت: الاستشراق الصربي تحول إلى أداة لتبرير إ ...
- قصة الحب وراء تاج محل.. لماذا تتعدّد الروايات حول من شيّده؟ ...
- كيف تشكّل اللغة إدراكنا البصري؟
- باب شرقي وحيّه.. حيث تبدأ دمشق ويُشرق المعنى
- الرجال لا ينهارون! كيف تُنتج ثقافة القوة إرهاقا صامتا؟
- من هم قادة الرأي الرقميون؟ وكيف يؤثّرون علينا؟
- نجلاء البحيري تطلق -امرأة الأسئلة-.. إصدار شعري جديد يطرق أب ...
- المغرب يعلن اكتشاف بقايا عظمية تعود لـ 773 ألف سنة بالدار ال ...
- بعد فوزه بعدة جوائز.. موعد عرض فيلم -كولونيا- في مصر والعالم ...
- العودة إلى الشعب: مأزق التعددية الحزبية وفشل التمثيل السياسي ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -المُرّ يُعلِّم الصبر... ولكن!-