أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾














المزيد.....

﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8571 - 2025 / 12 / 29 - 02:53
المحور: الادب والفن
    


في عالمٍ تتبدّل ملامحه كما تتبدّل الفصول، وتتعقّد دروبه حتى تتيه البوصلة، يبقى حبّ الأم ثابتًا كالنجم القطبي؛ لا يشيخ ولا يخون الاتجاه. هو الحقيقة الأولى التي نتعلّمها قبل اللغة، واليقين الذي يسبق الأسئلة. ليس شعورًا يُستدعى عند الحاجة، بل نَفَسٌ يسكن الكينونة، ودفءٌ يعمل بصمت في أعماقنا، كما تعمل الجذور في التربة دون أن تُرى.
حبّ الأم وردةُ القلب التي لا تذبل، وريحانةُ الحياة التي تفوح في مواسم القحط. فيه رِقّة الوردة ونقاؤها، وفيه عطر الريحان الذي يُنعش الروح ويعيد ترتيب الفوضى. ليس الحبّ الأمومي عاطفةً عابرة؛ إنه نظامٌ كونيّ مصغّر، تتوازن فيه الرحمة مع التضحية، والصبر مع الأمل. هو النور الذي يسبق الفجر، والنسيم الذي يخفّف وطأة القيظ عن الروح المتعبة.
وحين تُشبَّه الأم بالحبيبة والوطن معًا، لا يكون التشبيه مجازًا بل كشفًا. فالحبيبة سرّ القلب، والوطن أمان الوجود؛ والأم تجمع السرّ والأمان في حضنٍ واحد. عندها نُدرك معنى ما قاله المتصوّفة: إن الرحمة هي الاسم الأعظم الذي به يقوم العالم. وفي هذا المعنى قال جلال الدين الرومي إن الحبّ هو الجسر بينك وبين كل شيء؛ والأم هي أول هذا الجسر وآخره. هي المرفأ حين تعصف الرياح، واليد التي تُمسكنا حين تتهاوى الأسباب.
الأديان جميعها انحنت إجلالًا لهذا المقام. في القرآن، تُقرن الرحمة بالتربية الأولى، ويُستدعى الدعاء للأبوين مقرونًا بذكر الصِغَر والعجز، اعترافًا بأن الفضل سابقٌ والجميل سابق. وفي المسيحية، تُجسّد مريم صورة الأم التي تحتمل الألم لتمنح العالم معنى الفداء. وفي اليهودية، تُعدّ الأم أصل الانتماء والهوية. وفي البوذية، تُضرب محبّة الأم مثلًا أعلى للشفقة الشاملة التي تتمنّى السلام لكل كائن. أما في الكونفوشيوسية، فبرّ الوالدين أساس الأخلاق وعمود النظام الاجتماعي. تتعدّد اللغات وتتوحد الحقيقة: الأم هي المدرسة الأولى للرحمة.
وفي الفلسفة، حين بحث أفلاطون عن الخير الأسمى، وحين جعل أرسطو الفضيلة عادةً تُكتسب، كانا — من حيث لا يصرّحان — يصفان ما تعلّمه الأم بالفعل قبل القول. قال كانط بالواجب الأخلاقي غير المشروط؛ والأم تُمارسه حبًّا لا قانونًا. وتحدّث شوبنهاور عن الشفقة بوصفها أصل الأخلاق؛ والأم تُجسّدها بلا تنظير. أما نيتشه، وهو يُعيد تقييم القيم، فكان سيقف طويلًا أمام قيمةٍ لا تحتاج إعادة تقييم: عطاءٌ لا ينتظر مقابلًا.
وفي الأدب العالمي، تتكاثر الشواهد كما تتكاثر النجوم. كتب فيكتور هوغو أن ذراعي الأم مصنوعتان من الحنان، وأن الطفل ينام فيهما بطمأنينة؛ وقال طاغور إن قلب الأم هو مدرسة الطفل. ورأى تولستوي في الأم الضمير الحيّ الذي لا ينام، بينما صوّر دوستويفسكي رحمة الأمهات كملاذ أخير للإنسان حين تضيق به المدن والذنب. حتى في الأساطير القديمة، كانت الأم الكبرى رمز الخصب والحياة، وكأن الذاكرة الإنسانية اتفقت، منذ البدء، على هذا التوقيع.
وحين نقول: «هي أمي، ولا شيء كحبّ أمي»، فإننا لا نغلق باب المقارنة تعصّبًا، بل نعلن فرادةً لا تُقاس. إنه حبّ غير مشروط، لا يعرف المساومة ولا يطلب الضمانات. نهرٌ يفيض بالعطاء، وسماءٌ تظلّل بالرعاية، وقوّةٌ تعرف الصبر أكثر مما تعرف اليأس. هو الأمان الذي لا ينفد، والحنان الذي لا يتعب.
وسط زحام الأيام، يبقى حبّ الأم ملاذًا صافياً، ومرآةً نرى فيها أنفسنا حين تتكسّر الصور. منه نستمدّ القدرة على الوقوف بعد السقوط، وعلى الإيمان بعد الشكّ. هو البذرة التي تُزهر في الأفعال والكلمات، والأثر الذي يرافقنا حتى حين نغيب. هو الحبل السرّي الذي يربطنا بالحياة، والضوء الذي يسبق خطواتنا نحو المستقبل.
فلنحفظ هذا الكنز كما يُحفظ الاسم الأعظم في القلب، ولنردّ الجميل دعاءً ووفاءً وعملاً. فحبّ الأم ليس ذكرى تُروى، بل عهدٌ يُصان؛ وإذا كان للعالم خلاص، فربما يبدأ — كما بدأ دائمًا — من حضن أم.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة في العصر الحديث – السياسات، العولمة، النقد، والمستقبل
- المرأة بين التاريخ والتحوّل – من الجذور القديمة إلى لحظة الت ...
- الموارد الطبيعية في منظور الجغرافيا السياسية والجيوبوليتك
- الثورة البيولوجية وعلم البلوچينوم: من الشفرة الوراثية إلى ال ...
- مقامة حانة الأقدار
- الأمة المثلى والأخلاق المفقودة
- رحاة الضياء
- حين تنعكس الشمس على ملامحها
- المقامة الهمذانية في الزمنِ المهزوم
- **الزمن بوصفه قدرًا: قراءة في مأساة الوعي والاغتراب في «أهل ...
- «حين يتحرّك السكون»
- النيجر: قلب الصحراء الذي يمشي بين ضوءين
- – ليبيا: الأرض التي تمتدّ من زرقة المتوسط إلى قلب الصحراء ال ...
- مالي: المملكة التي مشت فوق الذهب، ونامت على ضفاف النيجر، وظل ...
- موريتانيا: بلاد البيضان والمحيط والرمل الذي يتكلّم
- الجزائر: أنغام الماضي، إبداعات الحاضر، ونكهات الحياة
- الجزائر: الطبيعة الصامتة، الصحراء الذهبية، وواحات الحياة
- الجزائر: أنفاس الإبداع وروح الجمال
- الجزائر: وجه البحر، ذاكرة الجبال، وأنفاس المدن التي لا تنام
- – الجزائر: القلب العميق للصحراء الكبرى


المزيد.....




- وفاة الممثل جيمس فان دير بيك نجم مسلسل - Dawson’s Creek- بعد ...
- إطلالات غير دقيقة -تاريخيًّا- لمارغوت روبي في فيلم -مرتفعات ...
- إتقان اللغة يعزّز نشاط الدماغ وقدرة حل المشكلات
- يعود للقرن الثالث الهجري.. شاهد نسخة نادرة من -المصحف الأزرق ...
- الثقافة حين تتقن تفادي الأسئلة
- حرب الروايات بين كييف وموسكو كما يراها المحللون
- دراسة: أدمغة المواليد تفهم الإيقاع الموسيقي قبل الكلام
- هندسة الرواية: كيف يُستخدم -بعبع- بوتين للتغطية على فضائح نخ ...
- العراق يستدعي السفير التركي احتجاجا.. وأنقرة تتحدث عن «سوء ت ...
- بعد سنوات من -المنع-.. مكتبات الرصيف بمعرض دمشق للكتاب والمن ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾