حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 07:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يثير المسار الطويل للأزمة السورية، بكل ما رافقه من ضجيجٍ سياسي وثرثرةٍ إعلامية امتدّت لأكثر من أربعة عشر عامًا، قدرًا كبيرًا من الاستغراب والدهشة، ولا سيّما حين نستعيد مشاهد السنوات التي سبقت سقوط النظام، وما جرّته من ويلاتٍ عميقة على الشعب السوري، دولةً ومجتمعًا وإنسانًا.
تطفو إلى السطح اليوم أسئلةٌ كثيرة، طالما جرى تجاهلها أو تأجيلها، في مقدّمتها: أين اختفت شخصيات المعارضة التي كانت تملأ الشاشات صخبًا، وتتنقّل بين فنادق الخمس نجوم في العواصم العالمية، نافشةً ريشها كديكةٍ رومانية، متصدّرة المشهدين السياسي والإعلامي؟
وأين ذهبت تلك الصفقات المالية المشبوهة التي كانت تُبرم مقابل كل تصريحٍ مشوَّه، أو موقفٍ سياسيٍّ مُفصَّل على قياس الجهة المموِّلة؟
وأين تبخّرت الأرصدة التي أغدقتها بعض دول الخليج، وعلى رأسها دولة قطر ذات التوجّه الإخواني، مقابل كل التفافٍ سياسي، أو طاعةٍ عمياء، أو ارتهانٍ فاضحٍ للإملاءات القطرية والتركية؟
أين هم أولئك الذين قُدِّموا يومًا بوصفهم “نخبًا ليبرالية”، وتولّوا رئاسة حكوماتٍ مؤقّتة في المنافي، ولا سيّما في تركيا، بعد سقوط النظام السابق؟
ألم يُسوَّق لهم حينها باعتبارهم القادرين على التحكّم بمستقبل سوريا وإدارة شؤونها في مرحلة ما بعد التغيير؟
ألم تكن تلك المرحلة برمّتها مسرحيةً سياسية هزلية، استُخدمت فيها شعارات الديمقراطية والحرية غطاءً لمشروعٍ إقليميٍّ تقوده تركيا، هدفه إضعاف سوريا، وفتح الطريق أمام احتلالها غير المباشر، وتقسيمها، وتفكيك نسيجها الاجتماعي، الذي كان ـ رغم كل علّاته ـ بعيدًا نسبيًا عن المذهبية الدينية والطائفية والعرقية والإثنية؟
أليس من الواضح اليوم أن تركيا لعبت دورًا محوريًا في فتح الحدود أمام التطرّف، والسماح بتسلّله إلى الداخل السوري، ودعم جماعاتٍ متشددة تحت شعار “إسقاط النظام”، بالتوازي مع توافقاتٍ دولية معقّدة، شملت إقناع الولايات المتحدة والتحالف الدولي، أو على الأقل تحييدهما مرحليًا؟
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل دور إسرائيل، التي سعت بدورها إلى إضعاف سوريا عبر حربها على غزة، واستهداف حزب الله، والعمل على قطع أوصال النفوذ الإيراني في المنطقة، ما مهّد الطريق أمام تقدّم جبهة النصرة، ولاحقًا هيئة تحرير الشام، نحو دمشق، وتولّي الحكم بصيغةٍ إقصائية وقمعية، ولكن هذه المرّة بغطاءٍ دينيٍّ متطرّف وتعصّبٍ قوميٍّ شوفيني.
واليوم، بعد أن مضى عامٌ على تلك التحوّلات وما قيل فيها وما كُتب عنها، يطلّ عامٌ جديد، قد يكون ـ رغم عمق الجراح وكثافة الخيبات ـ أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.
عامٌ نأمل أن يكون عام السلام، والمحبة، والتسامح، وقبول الآخر، وبداية مسارٍ وطنيٍّ حقيقي، يعيد لسوريا وحدتها وكرامتها مع تطبيق حكم اللا مركزية في البلاد، بعيدًا عن الارتهان والتبعية، وعن المشاريع العابرة للحدود التي لم تجلب للسوريين سوى الدمار والانقسام.
#حجي_قادو (هاشتاغ)
Haji_Qado#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟