أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعد كموني - الخطاب الغيبي المعاصر














المزيد.....

الخطاب الغيبي المعاصر


سعد كموني
كاتب وباحث

(Saad Kammouni)


الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 02:48
المحور: قضايا ثقافية
    


لا يُفهم تجدد الخطاب الغيبي في الفضاء الإعلامي العربي المعاصر بوصفه مجرّد ارتداد إلى أنماط تفكير تقليدية، ولا باعتباره بقايا ثقافية لمجتمع لم يستكمل تحديثه المعرفي، بل ينبغي قراءته بوصفه صيغة حديثة لإدارة القلق الجماعي في زمن اختلال المعنى، وانسداد الأفق، وتراجع الثقة في الفعل الإنساني وقدرته على التأثير. فالغيبي، في صورته الراهنة، لا يأتي من خارج الحداثة، بل يولد من داخل أزمتها.
لقد اعتادت المجتمعات البشرية، في لحظات التحوّل الكبرى، أن تبحث عن سرديات موازية تفسّر ما يعجز العقل التحليلي عن استيعابه. غير أن ما يميّز الخطاب الغيبي المعاصر هو تلبّسه بقناع العلم والتقنية، واستعارته لمفردات العصر – كالذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، والتحكّم الكوني – لا من أجل الفهم، بل من أجل إعادة إنتاج الأسطورة بلغة جديدة. وهنا لا تختفي الميثولوجيا، بل تتخفّى، وتغدو أكثر فاعلية لأنها لم تعد تُقدَّم بوصفها خرافة، بل بوصفها "معرفة سرّية" لا يملك مفاتيحها إلا قلّة مختارة.
يمثّل ميشال حايك، في هذا السياق، نموذجًا دالًا على هذا التحوّل الخطابي. فالتوقّع لديه لا يُطرح كاحتمال قابل للخطأ، ولا كقراءة سياسية أو اقتصادية مشروطة، بل يتحوّل إلى طقس تنبّئي شبه كهنوتي، يُمارَس أمام جمهور واسع في لحظة زمنية ذات شحنة رمزية عالية: ليلة رأس السنة. هذه الليلة ليست تفصيلًا عابرًا في فهم الظاهرة، بل تشكّل مسوّغها الثقافي والنفسي الأعمق.
ليلة رأس السنة، في المخيال الجمعي، ليست مجرد انتقال تقويمي من عام إلى آخر، بل لحظة معلّقة بين زمنين، يتراجع فيها الحاضر ويُستدعى المستقبل بكثافة. إنها لحظة هشاشة وجودية، يشعر فيها الفرد والمجتمع معًا بثقل السؤال: ماذا ينتظرنا؟ وحين يغيب الجواب العقلاني، أو يبدو مؤلمًا ومقلقًا، يظهر العرّاف بوصفه وسيطًا رمزيًا يملأ الفراغ، ويمنح القلق صيغة قابلة للاستهلاك.
في هذا السياق، تصبح تنبؤات العرّافين جزءًا من طقس جماعي لا يُطلب منه الصدق، بل الوظيفة النفسية: تهدئة الخوف، تنظيم الفوضى، ومنح الإحساس – ولو وهميًا – بأن المستقبل “مقروء” ومسيطر عليه. ومن هنا نفهم لماذا لا يُساءَل الخطاب الغيبي في هذه اللحظة، ولماذا يُعفى من النقد، بل يُستقبل أحيانًا بقدر من التواطؤ الصامت.
غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في التنبؤ بحد ذاته، بل في اللغة التي يُصاغ بها. فعندما يُستدعى الذكاء الاصطناعي، وهو نتاج بشري خالص قائم على الخوارزميات والبيانات وبنى السلطة الاقتصادية، ليُربط بقوى فضائية أو عقول غير بشرية، فإننا لا نكون أمام مجاز بريء، ولا أمام مبالغة بلاغية، بل أمام تفريغ معرفي لمفهوم علمي دقيق، وتحويله إلى أداة أسطرة جديدة. هنا يُنزَع الذكاء الاصطناعي من سياقه التاريخي والسياسي، ويُعاد تقديمه كقوة غيبية، بما يعفي الإنسان – فردًا ومجتمعًا – من مساءلة ذاته وأنظمته وخياراته.
هذا التحويل ليس اعتباطيًا، بل يؤدي وظيفة أيديولوجية واضحة: نقل مركز الفاعلية من الإنسان إلى الغيب. فالأزمات لم تعد نتيجة قرارات بشرية، ولا السياسات مسؤولية أنظمة، ولا الخراب حصيلة اختلالات بنيوية، بل “مخططات كونية”، أو “قوى خفية”، أو “إرادات فوق بشرية”. وبهذا المعنى، يصبح الخطاب الغيبي المعاصر آلية ناعمة لإنتاج العجز، لا مجرد تسلية إعلامية.
وإذا كان الغيب في الخطاب الديني – كما يقدّمه القرآن – أفقًا إيمانيًا يُؤسّس للمسؤولية، ويحمّل الإنسان أمانة الاستخلاف والفعل، فإن الغيب الإعلامي المعاصر يقوم على النقيض تمامًا: غياب المسؤولية، وتحييد العقل، وتعليق التاريخ. إنه غيب لا يُحرّض على العمل، بل على الانتظار، ولا يفتح إمكان المعنى، بل يغلقه داخل نبوءة جاهزة.
من هنا، لا يمكن التعامل مع ظاهرة تنبؤات ليلة رأس السنة بوصفها هامشًا ثقافيًا أو لونًا من ألوان الترفيه، بل ينبغي قراءتها بوصفها مرآة لأزمة أعمق في الوعي العربي المعاصر: أزمة ثقة بالعقل، وبالتحليل، وبالقدرة على الفهم. فحين يعجز المجتمع عن تفسير واقعه، يلجأ إلى الغرائبي، وحين يتآكل الأمل بالفعل، تُستدعى النبوءة.
إن نقد هذا الخطاب لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يستهدف البنية الذهنية التي تسمح له بالانتشار والقبول. وهو نقد لا ينطلق من تعالٍ عقلاني، بل من إدراك أن المجتمعات لا تنهض بالدهشة، بل بالفهم، ولا تُدار بالأسطورة، بل بالوعي. فالعقل ليس نقيض الغيب الإيماني، بل شرطه، كما أن مساءلة الخطاب الغيبي المعاصر ليست عداءً للمعنى، بل دفاع عنه.
وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات، ويُعاد فيه إنتاج الخوف بأشكال جديدة، تصبح استعادة العقل النقدي فعلًا حضاريًا بامتياز. إذ لا أخطر على المجتمعات من أن تستبدل سؤال “لماذا يحدث ما يحدث؟” بسؤال “ماذا قال العرّاف؟”. عندها لا يُصادر المستقبل فقط، بل يُصادر الحاضر أيضًا، ويُختزل الإنسان إلى متفرّج ينتظر ما كُتب له أن يُقال، لا ما يمكنه أن يصنعه.



#سعد_كموني (هاشتاغ)       Saad_Kammouni#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معنى الصلاة في قوله تعالى ( ما سلككم في سقَر)
- أزمة الوعي في زمن الهوية مقاربة تفكيكية
- امتحان الأخلاق بعد تحقق القوة
- صلاة الاستسقاء نقد الفكر التقليدي ومسؤولية العقل
- هل سبيل الله طريق نمشي إليه أم معنى نمشي به/ إطار مفاهيمي لل ...
- هل سبيل الله طريق نمشي إليه أم معنى نمشي به؟ من الطريق إلى ا ...
- البنية الدلالية للقدرة والابتلاء
- المنبر بين التلقين والتنوير
- النهضة الممكنة
- دينٌ بلا وصاية ، وعي بلا خوف
- أزمة الوعظ في المجتمعات العربية المعاصرة
- الرحمة مبدأ كوني شامل /قراءة أسلوبية دلالية ومقاصدية في الآي ...
- طمأنينة التفكيك الكاذبة
- الإهلاك الإلهي ناموس غير اعتباطي
- ذنوب الذين كفروا وإهلاكهم
- آللهُ يهلكنا!؟
- الأسلوب ما يجب أن يتغير راهناً
- لا شيء يستدعي الثقة
- نحن فاعل هلاكنا
- لن نستفيد من عزلتنا


المزيد.....




- هل يمكن لترامب أن يتعلم شيئًا من ممداني؟.. شاهد ما قاله خبير ...
- الملياردير الإماراتي حسين سجواني يشارك بمزاد خلال حفل ترامب ...
- ترامب يسحب الحرس الوطني من شيكاغو ولوس أنجلوس وبورتلاند
- رئيس تايوان يتعهد بالدفاع عن سيادة الجزيرة بعد مناورات الصين ...
- حرب أوكرانيا.. بوتين وزيلينسكي يطلان برسائل رأس السنة
- الجيش الأميركي يهاجم قوارب لتهريب المخدرات ويقتل 8 أشخاص
- ترامب ينتقد كلوني بعد حصوله على الجنسية الفرنسية
- بلغاريا تتحول لليورو مع دخول 2026 في خطوة تثير الجدل
- الانتقالي الجنوبي يتحدث عن إعادة انتشار بمشاركة قوة حكومية ف ...
- أول تصريح لرئيس فنزويلا بعد ضربة CIA -غير المسبوقة-


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعد كموني - الخطاب الغيبي المعاصر