أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد احمد الغريب عبدربه - تاركوفسكي وكانط وبلانشو: ملامح ودلالات مشتركة في فيلم المرشد (1979)















المزيد.....

تاركوفسكي وكانط وبلانشو: ملامح ودلالات مشتركة في فيلم المرشد (1979)


محمد احمد الغريب عبدربه

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 18:49
المحور: الادب والفن
    


مكانية تاركوفسكي
يشير كانط إلي أهمية أن المكان لا يمكن تصوره في ذاته، فهو يكتسب حق ظهوره الحقيقي في ذاته، ويقول أن " الحقوق لا يمكن أن تظهر لنا بنفسها، حيث تفسيرها يقيم في الظاهرة، وتصور الجسم أو المكان لا يتضمن النية، ما يمكن أن يختص بموضوع في ذاته، بل فقط ظاهرة الشئ. فالموضوعات الخارجية في المكان ليس سوي مجرد تصورات لحساسيتنا أي الفاهمة".
في سينما تاركوفسكي الروسي نجد الارض والمكان، وحركات الاشخاص والاشياء خلال ذلك، وهناك توسع لظهور المكان والرحلة ويصر تاركوفسكي علي وجود عناصر الطبيعة الماء، النار، التراب، الهواء، حتي تقترب الاشياء والمعني من الحقيقة، وليس الحقيقة نفسها، ويذهب بنا الأمر هناك الي التأمل الروحي والذهني، وليس العقلي فقط او الروحي ( الشاعري) فقط.

بلانشو وتاركوفسكي
وكما يشرح لفينياس، الفن لدي بلانشو فإن العمل الفني يكتشف اكتشافاً ليس للحقيقة بل للظلام، باكتشاف ليس هو الحقيقة، ظلاماً خارجياً علي نحو مطلق لا يمكن الأمساك به، كما في خلاء لا يمكن أن نعثر علي إقامة فيه، نري عند تاركوفسكي ومن افلامه فيلم الدليل "المرشد"، هذه الصياغة لدي بلانشو، حيث الصورة لدي الفيلم هي البحث عن شئ، وليس تحديد الشئ، ومحاولة الغياب والفقدان والترحال وليس الحضور والتحديد والحقيقة وينبوع الأصالة لدي الفن.
وتأتي اللغة السينمائية من امطار وضبابية وظلام ورحلة طول ثلاث ساعات مدة الفيلم، وجماليات الثلاثة شخصيات من البحث عن اشياء تخص كل واحد فيهم تم فقدها، فهناك في الفيلم ثلاثة شخصيات تبحث عن حياتها ووجودها ومرحلة الفيزيائي الذي يريد أن يصل إلي اكتشاف علمي مرة اخري، والكاتب الذي يبحث عن كلمات جديدة.

المعني والفاجعة
البحث وراء البحث، والمعني وراء المعني وروح بلانشو تحضر في الفيلم، والمناقشات الحادة بينهم والذهاب إلي مكان يمثل القداسة، كلها تجلي للمعني والجميل، تجعل المشاهد يغوص أكثر من مرة في الفيلم وفي الشخصيات والصورة والمعني، لا حقيقة، انما محاولة اكتشاف الحقيقة. كما نري لدي بلانشو، فالكتابة هي الموت والفاجعة فهي تقربنا من الموت، الكتابة او الفن، ففي الموت كما في العمل الأدبي فإن النظام الثابت للأمور ينقلبان، ذلك أن القدرة إلي ما لا يمكن الاضطلاع به، ويأتي في الفيلم المرشد لتاركوفسكي الأحساس بالموت، المخاطرة في مشاهد الفيلم مثل مكان الذي يقال أنه مكان مهجور وخطير جداً والذهاب إليه يعني الموت المحقق لذا الحكومة فرضت عليه حظر الذهاب اليه.
ومطاردة الشرطة العسكرية للسيارة التي تحمل المرشد والأشخاص الاخرين وتفاصيل الطريق الخطيرة إلي المكان، كل ذلك خطورة وموت وغير مباشر حتي إن ذلك تجاوز الرموز والبلاغة ويفتح العمل والفيلم إلي أفاق جديدة ومتجددة وجماليات لا تنضب ولا حدود لها.

كانطية المكان في المرشد
وهناك تطبيقاً كبيرا لفكرة المكان وتحليلها لدي الفيلسوف الالماني ايمانويل كانط، حيث يتجلي المكان لدي تاركوفسكي بشكل كبير في فيلمه ( المرشد) فمعظمه تم تصويره في الخارج، وليس كادرات مغلقة سوي بعض اللقطات داخل منزل المرشد مع اسرته ولقاء الصحبة التي ذهبت الي المكان مع المرشد في الكافيه أو المطعم. وكانت الكادرات بها عمق حقلي وعمق مجال للفيلم والصورة، وكل ذلك أعطي أهمية كبيرة للمكان وتوسيعه وموثوقيته في الفيلم.
وذلك ينقلنا إلي نظرية كانط في المكان باعتباره حدس قبلي للعقل والذهن فهو يدرك كصورة أولية بدون تحديد أو علاقات فهو ضروري، والمكان له أهمية قصوي لدي الإنسان والعقل البشري وهو متعلق بذاتية الإنسان وداخله. فهو المكان وفق لكانط ليس أفهوما أمبيرياً استمد من تجارب خارجية، واذا كان هناك بعض الأحساسات لشئ خارجي ( بمعني بناء تصور لدي الإنسان عن طريق الأحساس) يتم ذلك بتصور المكان سلفاً وقبلياً وليس بعدياً.

المكان اللامتناهي
ويري كانط أيضاً إن المكان هو تصور ضروري قبلي بشكل أساسياً لجميع الحدوث الخارجية ( بمعني إذا كانت هناك معرفة نتيجة للحدث الخارجي للإنسان حول أي موضوع يكون المكان شئ ضروري وقبلي لذلك ولا يعتبر حدس خارجي. وإجمالاً علي فيلم المرشد، نري أن المكان كان مسيطر حيث أن الفيلم رحلة إلي مكان مقدس، أو مكان يجد فيه الأشخاص حلول لبعض همومهم وإزماتهم مثل الفيزيائي الذي يبحث عن طريقة للوصول إلي اكتشاف جديد أو الشاعر ( الكاتب) الذي يبحث عن ألهام من أجل كلمات وأبداع جديد.
فهناك تمثل كبير لفكرة المكان لدي كانط، حيث كانت الرحلة أو الطريق للوصول إلي المكان المهجور المقدس مليئة بالتفاصيل والمياه والضباب وكادرات تستعرض تفاصيل الطريق من سكك حديدية وحواجز وطرق قديمة ثم تفاصيل المكان وتصويره بالكامل.
وفي الفيلم هناك توسيع لدائرة المكان ليصبح لامتناهي كلياً من أول الفيلم إلي اخره، ويري كانط المكان يتصور بوصفه كما لا متناهياً معطي، فهو تصوراً متضمناً في كثرة لامتناهية من متنوع التصورات الممكنة وليس لإفهوم محدد.

الحركة والمكان
الحركة في الصورة هي من تحدد وجهة الفيلم فالحركة الي اعلي وهي المرتبطة بالسرعة والتصوير من زوايا اعلي تشير الي حس روائي وحدث وقصة مشوقة، لذا يأتي المكان هندسيا يفتقد الي محتواه الشاعري والميتافيزيقي الديناميكي.
وذلك عكس الحركة الي أسفل وهي مرتبطة بالثقل وثبات الكاميرا، ومحو الابعاد التقنية للغة السينمائية والانتقال الي المكان الديناميكي، حيث تتحول الحركة من الممثل والقصة الي الحركة في المكان نفسه لذا تصبح الحركة شاعرية وليست هندسية فقط مرتبط بزوايا تصوير معينة واداء ممثلين وانواع سرد مختلفة ..
تأتي الحركة والمكان الميتافزيقي من الناحية الكانطية، عندما يتوغل المكان في روح الفيلم ويصبح إدراكه حدسيا وعقليا معا، ويلفت المشاهد الي حقيقة المعني وروح المكان وكان الأقرب الي الروح الكانطية المكان في الصورة هو تاركوفسكي والي الزمان الكانطي هو ثيو انجلوبولس اليوناني ..
لذا تاركوفسكي هو افضل من مثل اللحظة الكانطية لانطولوجيا المكان، فقد حث المشاهد علي ادركات ذهنية وادراكات حسية معا، ولفت إلي تناغم الواقع والعقل معا، وهو ما لفت إليه كانط في إدراك المكان عن طريق مقولات وتصورات تجمع الذهني والحسي لفهم موضوع المكان .

العقل المحض والسينما
السينما هي علم التأليف والتجربة والانسجام مع الواقع، وهي امبيرية تأليفية وفقا لكانط وليست أحكاما أو علما قبليا تخضع للأحكام التحليلية، فليس هناك تحليل ذهني في السينما، ولكن هناك عقلا محضا كانطيا تحليلي، وهو ما بعد السينما أو السينماغراف، أو سينما الذهن والتجريب، وهي التي تخضع المشاهدة للتأمل العقلي والذهاب الي القبليات العقلية، وليس دائما إثارة التجربة. وهذه الضرورة الجمالية وحالة الشدة والموثوقية أشبه والرياضيات، وهي حدس ميتافيزيقي أيضا عن معاني الوجود والحرية والعقل، وتجعل العقل دائما في حالة تفكير
وهذين نوعين المحض الميتافزيقي حول الفكر والعقل التأويلي حول المعاني وهي من قوة العقل نفسه والقبلي الضروري وهو الرياضي المتقن والسينما اقرب الي العقل المحض الميتافزيقي العقلي ..

زيف الثقافة والعلم
في فيلمه ستوكر ، والذي قد يكون تسبب في إصابته بسرطان الرئة حيث توفي، لأن موقع تصوير الفيلم كان مكان مصنع كيماويات مهجور، في هذا الفيلم يتشكك تاركوفسكي في قضية محورية الفيلم وهي صدقية الثقافة والعلم . وهل هناك نية حسنة لدي المثقف والعالم ، في اخر الفيلم المتعقب يصرح لزوجته وهو حزين جدا عن فساد اخلاقي للكاتب الشهير والعالم الفيزيائي لانهم يريدون تحقيق أغراضهم الذاتية علي حساب الثقافة وإفادة المجتمع وتغيره..
ويتضح خلال الفيلم هذه الرؤية حيث يرغب الفيزيائي بالوصول الي المنطقة المحظورة من أجل التوصل إلي اكتشاف حتي يجني المكاسب وايضا الكاتب يريد تجديد الإلهام مرة أخري لكي يكتب وهو بنفسه يعترف أنه ليس لديه شئ مفيد للمجتمع فهو يريد ان يحصل علي قيمة عن طريق الكتابة ..

الجليل والمرعب في الكاميرا
عند تاركوفسكي الكاميرا تراقب.. ترصد من بعيد كاميرا غير سينمائية .. تثير الاشمئزار والقباحة... ويصبح الفيلم لديه عمل فني بديع، فقد تلاعب بمفردات الصورة والكاميرا، لتصبح حزينة ثابتة علي ترابيزة تتحرك مع تحرك الحدث، وهي ايضا عدمية بلا مونتاج ...
تنويم مغناطيسي للعب بالمشاعر ووجبة دسمة للشعر دون معني واضح، وتاركوفسكي هنا تجاوز السينما ..وعندما تفقد الكاميرا وظيفته يقترب معني الجليل والرعب من الصورة، فهو يرصد مشاعر الإنسان الحقيقية دون تزييف وهي مرعبة وقوية، الانسان نفسه لا يتحملها ويهرب منها ولكنه يضعه كتلة واحدة أمام المشاهد، بجانب قسوة المشاهد من ماء ونار واماكن مهجورة وتحول الحوار الي سرد شبه ميت مرعب وتماثيل تتحدث هذا السرد المرعب.



#محمد_احمد_الغريب_عبدربه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملاحظات عدة في الفلسفة ونظرية المعرفة
- ملاحظات ودلالات جمالية في المشهدية للصورة في السينما والفكر
- تأملات فلسفية وجمالية قصيرة حول الصورة والسينما والفيلم
- شذرات وخواطر في الفلسفة والكتابة واللغة
- حضور الوجود الهيدجري في النص البارتي
- ملاحظات وتأملات في فلسفة وجماليات السينما (3)
- تمثلات وخطابات الشهوانية المتعددة في السينما
- ملاحظات وتأملات في فلسفة وجماليات السينما (2)
- ملاحظات وتأملات في فلسفة وجماليات السينما
- ثلاثة ملاحظات عامة حول البلاغة والاستعارة في جماليات السينما
- ثلاثة ملاحظات عامة حول البلاغة والاستعارة في جماليات السينما
- ملامح وسمات عامة للفلسفة الوجودية في السينما والافلام
- السينما والفلسفة في ستة أفلام من مصر والعالم
- ملاحظات في دراسات السينما والفيلم
- افلام تجريبية موسيقية تتحدي الليل والمسافات
- مختصرات عن أهمية السيميائي كريستيان ميتز في نظرية الفيلم
- انواع النقد بين الغابات والنظرية المتعددة
- دراسات ومصادر حول الفرنسي السينمائي كريستيان ميتز
- ملامح التفكير الناقد في كتاب في التربية لبرتراند رسل
- شاعرية التكرار في الخطاب السينمائي


المزيد.....




- محافظ طولكرم ووزير الثقافة يفتتحان مهرجان ومعرض يوم الكوفية ...
- حاز جائزة الأوسكار عن -شكسبير عاشقا-.. الملك تشارلز ينعى الك ...
- كولوسيوم الجم التونسية.. تحفة معمارية تجسد عبقرية العمارة ال ...
- الفيلم المصري -الست- عن حياة أم كلثوم محور حديث رواد مواقع ا ...
- بعد مشاهدته في عرض خاص.. تركي آل الشيخ يشيد بفيلم -الست-
- كيف أسهم أدب الرحلة في توثيق العادات والتقاليد عبر العصور؟
- التعلم العاطفي والاجتماعي: بين مهارة المعلم وثقافة المؤسسة ...
- تونس.. فلسطين حاضرة في اختتام الدورة الـ26 لأيام قرطاج المسر ...
- وفاة الكاتب المسرحي الأسطوري السير توم ستوبارد
- في يومه الثاني.. مهرجان مراكش يكرم -العظيمة- جودي فوستر


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد احمد الغريب عبدربه - تاركوفسكي وكانط وبلانشو: ملامح ودلالات مشتركة في فيلم المرشد (1979)