أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قاربٌ من الطين














المزيد.....

قاربٌ من الطين


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8513 - 2025 / 11 / 1 - 12:18
المحور: الادب والفن
    


أحيانًا تظلّ الذكريات حيّة أكثر من أصحابها،
وما يصنعه الأطفال من طين… قد يكون أثبت من قلوب الرجال.
كان النهر في صيف القرية أشبه بشريان حيّ، تنحدر مياهه ببطء كأنها تروي الزمن نفسه. وهناك، على ضفته الشرقية، كانت طفولتي تمشي حافية، لا تعرف سوى الضحك وإشراقة الأيام البسيطة. كنتُ أتردد إلى النهر كل مساء برفقة حيدر؛ الصبي الذي كان يسبقني في كل شيء، في الجري والمرح والشجاعة.

في إحدى الأمسيات، جلسنا تحت نخلة طويلة تتمايل سعفاتها كأنها تراقبنا. قال حيدر وهو يحدّق في الماء:
«تعال نصنع قاربًا… قاربًا يشبه أحلامنا.»
جمعنا الطين الرطب وخلطناه بالقش الناعم كما كانت تفعل الجدّات في صناعة الجرار. جبّلناه بأيدينا الصغيرتين حتى صار طيّعًا، ثم شكّلناه في هيئة قارب صغير، ناعم الحواف، كأنّه وليد جديد. تركناه تحت الشمس حتى جفَّ، ثم وضعناه على سطح الماء. وقفنا نراقبه بعينين يملؤهما يقين طفولي لا يعرف الشك.
قال حيدر بثقة:
«إذا عبر للضفّة الثانية… نصير رجال.»
ومضت الأيام، فانفرطت الطفولة كما تنفرط حبات الماء بين الأصابع. التحقتُ بالجامعة، وصارت المدينة عالمًا جديدًا في حياتي. أمّا حيدر فذهب إلى الجبهة، وكأن القدر كان يسحبه من بين أيدينا دون استشارة.
كانت رسائله قصيرة، لكنها دافئة كابتسامة أمّ:
«أشتاق لضحكاتنا عند النهر… إذا عدت، نصنع القارب من خشب هذه المرة، قاربًا لا يذوب.»
ثم جاء الصمت.
وصمت الحرب أثقل من القتال ذاته.
وحين وصل خبر استشهاده، لم أبكِ. كنت واقفًا بين الناس، لكن شيئًا في داخلي كان يجلس وحده على ضفة النهر، لا يسمع إلا خفقان قلب مُنهك.
بعد أيام، ذهبت إلى النهر وحيدًا.
النخلة ما تزال في مكانها.
الماء ما يزال يجري في هدوء حكيم.
لكنني لم أعد ذلك الصبي.
جمعت الطين وخلطته بالقش كما كنّا نفعل. شكّلت قاربًا يشبه الأول ما استطعت. وضعته فوق الماء. تحرّك قليلًا، ثم توقف… ثم بدأ يغوص ببطء، كأنه يغادر الدنيا بلا جلبة، بلا وداع.
وحين غاب القارب تحت الماء، شعرت أن شيئًا آخر قد غاب معه:
طفولتي… ضحكاتي… وربما جزء من روحي.
وقلتُ في نفسي وأنا أرقب صفحة النهر:
«بعض الناس يا صديقي… لا يرحلون.
بل يُنتزعون من القلب كما تُنتزع شجرة من جذورها.
ولا يُعوَّضون.»



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تنّور أم زينب
- ذكرى لا تُباع
- ألمُ الفقد
- نبضٌ لا يموت
- ضجيجُ العيش وصمتُ الحكمة
- حديقة البيت رقم ١٧
- ظل الصباح
- الملفد ١٩٥٤ / ظل الجسر
- مقهى على دجلة
- كرسيٌّ فارغ… ووردةٌ على الطاولة
- مرثيّة الظلّ البعيد
- عزاء في الأزقة
- وصيّة في باص مزدحم
- رائحة الخبز في بغداد
- ساعة لا تدقّ
- مقعد في قاعة الانتظار
- حُلْمٌ يُحاكَمُ في اليقظة
- كلية واحدة للحب
- مرثيَّةُ الرُّوحِ الغائبة
- الطريق الى المخيم


المزيد.....




- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...
- فنلندا أكثر دول العالم سعادة للعام التاسع.. وإسرائيل والإمار ...
- قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد ...
- فيلم لـ-لابوبو- قريبا.. يجمع بين التمثيل الحي والرسوم المتحر ...
- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
- اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل ...
- من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك ...
- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قاربٌ من الطين