أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - رئتان تتنفّسان الندم














المزيد.....

رئتان تتنفّسان الندم


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8504 - 2025 / 10 / 23 - 00:30
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يدخّن ليؤذي نفسه — كان يفعلها ليملأ فراغًا لا يُرى.

كان يظنّ أن الدخان يبدّد القلق، أن غيمةً صغيرة تخرجه من ليله الطويل.

قال لنفسه ذات مرة:



“هي لحظة… ثم تنقضي.”


لكن اللحظة امتدّت، صارت عادةً، والعادة صارت وطنًا ضبابيًّا يسكن فيه بلا هواء.

كل سيجارة كانت تشبه وعدًا بالكذب، ووعدًا آخر بالنسيان.

لم يكن يرى كيف تتسلّل الرماد إلى صدره، كيف تتحوّل الرئة شيئًا فشيئًا إلى غرفةٍ مغلقةٍ تخنق نفسها.



كان يضحك حين يسعل، ويقول: “بردٌ بسيط.”

لكنه لم يكن بردًا.

كان البدء البطيء لغياب الهواء.

مرت الأعوام،

وصار صوت السعال موسيقى صباحه الوحيدة.

صار يفتح النافذة لا ليستنشق، بل ليبحث عن بقايا نفسه التي ضاعت في الدخان.

وحين حاول يومًا أن يصعد الدرج، شعر بأن الرئتين صارتا حجرتين من زجاج،

كل نَفَسٍ فيهما مهدّدٌ بالانكسار.



جلس على المقعد في عيادة الطبيب، يستمع دون أن يسمع.

الطبيب يتحدث عن “انسداد رئوي مزمن”،

وعن أن “الرئتين فقدتا مرونتهما.”

كلمات باردة، كأنها أوراق تقارير لا تخصه.

لكنه حين قال الطبيب:



“الهواء لم يعد يجد طريقه إليك كما كان.”
شعر لأول مرة أن الحياة تُغلق بابها ببطء،
وأن الطريق بينه وبين شهيقه الأخير بدأ يُرصف بالندم.
عاد إلى بيته،

خلع معطفه كما لو أنه يخلع حياةً كاملة.

جلس أمام النافذة، لا يدخّن.

للمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا،

لم يكن في يده شيء يحترق —

سوى قلبه.



السماء كانت رمادية، تشبه صدره.

والهواء في الخارج يهبّ نقيًّا، ساخرًا ربما من رئةٍ نسيت كيف تُرحّب به.

أغمض عينيه، وتذكّر أول سيجارةٍ أشعلها أمام رفاقه في المدرسة.

كان يريد أن يبدو كبيرًا، أن يملأ فراغه بشيءٍ من الدخان.

ولم يكن يعلم أنه يستبدل الهواء بالوهم.

كل سعالٍ الآن كأنه تذكير.

كل شهيقٍ معركة،

وكل زفيرٍ انتصارٌ مؤقت.



صار يُحادث رئتَيه كما يُحادث أمًّا غاضبة:



“أعرف أني أرهقتكما… لكن ابقياني قليلًا.
لم أعد أريد إلا أن أتنفّس الضوء.”


وحين يشتدّ ضيقه،

يمدّ يده إلى صدره كما لو يحاول احتضان نفسه،

ويهمس:



“كنت أظنّ أن التدخين حرّيتي،
لكنّه كان سجني الذي دخنت جدرانه بيدي.”
في المساء، يُطلّ من شرفته،

يرى الناس تمشي بخطى سريعة،

يدخّنون كما كان يفعل.

يريد أن يصرخ:



“احذروا! الهواء أغلى مما تظنون!”
لكن صوته لا يخرج،
فالرئتان أصبحتا ناعمتين كرمادٍ قديم، لا تحتملان الانفجار.
في الليل، حين ينام،

يرى حلمًا متكررًا:

طفلٌ صغير يركض في حقلٍ أخضر، يضحك، يلهو،

ثم يقف، يفتح ذراعيه، ويملأ صدره هواءً نقيًّا.

وفي الحلم، يشعر أنه هو ذلك الطفل،

قبل أن يختنق بالعادات،

قبل أن يُبدّد عمره في دخانٍ كان يظنه حياة.



يستيقظ متعبًا لكنه مبتسم،

فالحلم صار نجاته الصغيرة،

نافذته نحو رئةٍ لا تؤلمه.

الآن، يجلس كل صباح أمام الضوء،

يشكر الهواء حين يمرّ من حوله.

يعرف أنه لا يستطيع استعادته،

لكنّه يستطيع أن يرويه للآخرين،

كمن يقدّم اعترافًا أخيرًا للعالم:



“كل نفسٍ هو هدية،
وكل سيجارةٍ حريقٌ صغير في العمر،
والرئتان لا تنسَيان…
إنهما تتنفّسان الندم حتى آخر هواء.”



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين توقّف الطريق، بدأوا بالوصول
- قصيدة: أقرأ الأرض كي أنجو
- قراءة أدبية في قصيدة -أقرأ الأرض كي أنجو- - للشاعرة رانية مر ...
- .حين نغادر كي نعود أنقى
- النقد كوعيٍ حيّ: قراءة الإنسان في مرايا الكلمة
- 🔹 قراءة في كتاب (الفينيق من الرماد) للكاتبة رانية مر ...
- الطيبة لا تموت
- حين تنصت اللغة إلى الله قراءة رانية مرجية في رواية إكسير الأ ...
- قراءة أدبية : في قصيدة (( لا يعرفونني)) للشاعرة رانية مرجية ...
- ثلاث مدن تمشي إلى الغياب (نصّ روائي شعري عن نكبة 1948) v ...
- نساءُ الضوء – رانية مرجيّة
- قراءة ادبية في قصيدة -أن تكون مثقفًا- للشاعرة الفلسطينية ران ...
- قراءة في قصيدة ما بين أوتار المكابرة … ، للمحامية عائشة يونس ...
- أنشودة مريم والنور
- الذين يبيعون الظل
- رواية- الخاصرة الرخوة- أنوثةٌ تُجلد باسم الطهارة ووطنٌ يُستب ...
- “أنشودة الإنجيل الأخير”
- وجهُ الذاكرةِ… حين تكتب حياة قالوش بمداد الحنين
- ‏قراءة ادبية في : ‏كتاب بعنوان -الرملة ٤٠٠ ...
- قراءة وجدانية فلسفية في ديوان «صبا الروح» للشاعرة سلمى جبران


المزيد.....




- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟
- متحف النصر يحيي ذكرى الحرب الوطنية العظمى بمعرض تشكيلي للفنا ...
- رواية -غرفة حنا دياب- تفك شفرة الهوية الحلبية وأسرار ألف ليل ...
- فقر بـ-فلاتر- وموسيقى مرحة.. كيف يجمّل -ورد على فل وياسمين- ...
- فنون الطبخ المتوسطي تتألق في تونس استعدادًا للموسم السياحي
- -هندسة التمثيل-: قراءة تحليلية في تعديلات النظام الانتخابي ا ...
- أوبرا -الحرب والسلام- لكونشالوفسكي تفتتح مهرجان -بروكوفييف ل ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - رئتان تتنفّسان الندم