زكريا كردي
باحث في الفلسفة
(Zakaria Kurdi)
الحوار المتمدن-العدد: 8478 - 2025 / 9 / 27 - 18:04
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تدور هذه المرة ، حول شرح و تبيان الدلالة التاريخية الهامة ،
لإحدى الكلمات العامية الشائعة في اللهجة السورية ( مدينة حلب ).
-----------------------------
عندما يكون أحد الحلبيين في حالة ضيق شديد، أو ضياع حق منه تماماً ، أو ( تشليحهُ )، أو بمعنى أدق : اخذ شيء منه عنوةً ، او سلبه بالإكراه والقوة "
فيقول بالعامية محتجاً : إش هاد خاي ..الشغله " ياغما " يعني,, نهيبة.؟!
فما هو اصل هذه الكلمة " ياغما " ..؟!
- كلمة "ياغما" (Yağma) في اللغة التركية تعني " النهب" أو "السلب"، ( التشليح )، وهي مشتقة من الجذر yağ الذي يدل على الانقضاض أو السكب قهراً وغصباً.
وأصل الكلمة بدأ في سياق الاحتلال العثماني للشعوب ، كانت سلوكيات " الياغما " جزءاً من ثقافة الغزوات العثمانية ، حيث كان يُسمح للجنود بعد الانتصار بإباحة المدينة او البلدة ، لأيام محددة ، يجوز فيها للمقاتل الغازي المنتصر ، بقتل وسبي واغتصاب ونهب ممتلكات المهزومين ، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين .. حقاً ومكافآة ..
و في هذه الحالات ، شاعت ممارسات " الياغما " من نهب اقتصادي إلى عقاب جماعي، شمل السبي و القتل، التهجير، وقطع الرؤوس و انتهاك الحرمات .. .
وبالطبع لم تكن هذه الممارسات اليغماوية عشوائية دائماً ، بل خضعت - أحياناً - لما يُعرف بـ"بروتوكول الحصاد"، أي تقسيم الغنائم (من مال ونساء ) وفق قواعد شرعية، ونصوص اسلامية، أو تعليمات عسكرية متفق عليها مسبقاً..
وحدث في كثير من الغزوات العثمانية، خاصة في البلقان والأناضول، أن استخدمت " الياغما " كأداة للردع والارهاب الجماعي للمخالفين ..
حيث كانت تُمارس بهمجية فظيعة ، ضد أهالي المدن التي قاومت الغزو الاسلامي العثماني ، أو ضد الجماعات الدينية الاخرى، التي اعتُبرت خارجة عن الطاعة ، أو عن ملّة الإسلام حسب مذهبهم واعتقاداتهم...
ولذلك رأى كثير من المؤرخين ان فعل وسلوك " الياغما " يقترب من مفهوم المجزرة ضد الانسانية تاريخياً ، وإن لم تكن دائماً مصنفة كذلك في المصادر الرسمية التركية أو الاسلامية ..
قصارى القول :
في تقديري " الياغما " ليست مجرد فعل مادي همجي قديم ، يبرره البعض بنصوص مقدسة فقط ، بل هي رمز لانهيار الحدود الاخلاقية الإنسانية، بين بني البشر ، و شكل من أشكال الصراع الطويل ، بين الوعي بقيمة الحق و القانون ، و بين شرعنة همجية الرغبة والسيطرة الوحشية ، أو إرواء النزعات التدميرية في الانسان ، بين قيمة العقل والنظام والحضارة وبين ظلمات الفوضى والهمجية المقدسة .
الحمد لله على نعمة العقل
zakariakurdi
==============
بعض المصادر والمراجع:
إسماعيل أحمد ياغي، الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث، أرشيف الإنترنت
موقع الأرشيف العثماني والوثائق التاريخية: arsheefturkey.com
كتاب العثمانيون في التاريخ والحضارة، أرشيف الإنترنت
#زكريا_كردي (هاشتاغ)
Zakaria_Kurdi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟