أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. تفكيك إخفاق النماذج الجنينية في الثورة السودانية














المزيد.....

9. تفكيك إخفاق النماذج الجنينية في الثورة السودانية


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8460 - 2025 / 9 / 9 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شهدت الثورة السودانية ولادة تلقائية لأشكال تنظيمية جنينية حملت في طياتها بذور سلطة شعبية حقيقية. فقد نظمت لجان الأحياء الدفاع الذاتي في مواجهة بطش السلطة، وشن العمال إضرابات شلت مفاصل الاقتصاد، وانتزع الفلاحون تعاونيات واحتلوا الأرض، وأدار عمال المصانع والأطباء المستشفيات والمرافق بشكل ذاتي خلال انهيار أجهزة الدولة. هذه النماذج كانت الدليل الحي على أن الجماهير الكادحة قادرة على إدارة شؤونها بأفضل مما تفعل الدولة البيروقراطية والرأسمالية الطفيلية. لكنها رغم ذلك، ومع كل ما مثلته من نجاح تكتيكي، تعثرت جميعها تقريباً، إما عبر القمع المباشر أو عبر الاستلاب والاحتواء أو عبر الذبول الذاتي. هذه المفارقة بين النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي هي المعضلة المركزية التي ينبغي تحليلها بجدية ثورية.

لقد أدركت قوى الثورة المضادة، المتمثلة في التحالف العسكري الإسلاموي الرأسمالي الطفيلي، أن القمع وحده لا يكفي، فطورت أدوات مركبة لإجهاض هذه النماذج. اعتمدت أولاً على القمع الانتقائي عبر استهداف القيادات العضوية الأكثر وعياً وتأثيراً، واعتقال أو تصفية من برزوا كقادة ميدانيين لإضرابات الميناء أو لنشاط لجان الحماية الشعبية. كما استخدمت مليشيات النظام لمهاجمة التجارب التي بدت أكثر قدرة على الصمود، مثل التعاونيات الفلاحية أو المصانع المحتلة التي تجرأت على ممارسة الإدارة الذاتية.

وفي الوقت ذاته لجأت إلى الاستلاب والاحتواء، عبر دمج بعض الأشكال في أجهزة الدولة ومنحها شرعية شكلية لتفريغها من مضمونها، كما حدث حين جرى تحويل بعض لجان الأحياء إلى جمعيات خدماتية خاضعة للحكومة المحلية، أو عبر استقطاب النشطاء وإغرائهم بمناصب وامتيازات لتفكيك إرادتهم الثورية وتحويل بعضهم إلى أدوات إجهاض من الداخل. وإلى جانب ذلك استُخدمت أموال منظمات المجتمع المدني لتبديل أولويات النضال من سياسي طبقي إلى خدمي إداري.

ولم تكتف الثورة المضادة بكل ذلك، بل شنّت حرباً إعلامية مكثفة لتشويه هذه النماذج، فصوّرت إضرابات العمال كتخريب للاقتصاد الوطني، وروّجت شائعات عن فساد قيادات التعاونيات، وبثت أخباراً كاذبة عن فشل الإدارة الذاتية في المصانع والمستشفيات، وفرضت تعتيماً إعلامياً لعزل التجارب عن بعضها ومنع تكوين وعي جماعي بقدرتها.

إلى جانب هجوم الثورة المضادة، كانت هناك ثغرات ذاتية ساهمت في التعثر. فالعفوية التي ميزت انطلاق هذه النماذج لم تُترجم إلى أطر تنظيمية دائمة، فبمجرد انحسار الموجة الثورية الأولى، تراجعت قدرتها على الصمود. غابت القيادة الاستراتيجية الواعية القادرة على الربط بين التكتيك والهدف الاستراتيجي، وتركزت القيادة في أشخاص يسهل استهدافهم، ولم تتطور آليات فعالة لتجديد الكوادر وضمان استمرارية التجارب.

وإلى جانب ذلك برزت النزعة الانعزالية حيث بقيت كل تجربة ناجحة محصورة في نطاقها الجغرافي أو القطاعي، فعجز العمال والفلاحون ولجان الأحياء عن بناء شبكة أفقية للتكامل والدعم المتبادل، وبقيت النضالات متفرقة غير قادرة على تشكيل كتلة ثورية موحدة.

ووسط هذا الضعف التنظيمي تغلغل الخطاب الإصلاحي، فتم حرف البوصلة من هدف إسقاط النظام وبناء سلطة المجالس الطبقية إلى المطالبة بالإصلاح والمشاركة في مؤسسات الدولة القديمة. هذا التراجع الأيديولوجي فتح الباب أمام الهيمنة الشعبوية والهوياتية وأضعف المضمون الطبقي للصراع.

وزاد الأمر سوءاً غياب برنامج انتقالي واضح يجيب على سؤال: ثم ماذا بعد؟ كيف تتحول إدارة مصنع أو مستشفى أو مزرعة إلى سلطة بديلة؟ كيف يمكن ربط النضال الاقتصادي بالنضال السياسي للسلطة؟ هذه الأسئلة ظلت بلا إجابة، ما جعل الحركة في موقع رد الفعل المستمر بدلاً من فرض أجندة ثورية واضحة.

إن تعثر هذه النماذج ليس قدراً محتوماً ولا دليلاً على استحالة التغيير الثوري، بل هو نتاج لتفوق مؤقت في أدوات الثورة المضادة ولضعف ذاتي في الرؤية والتنظيم لدى الحركة الثورية. الدرس المركزي الذي ينبغي استخلاصه هو أن العفوية والحماسة لا تكفيان لإحداث القطيعة الثورية مع النظام القائم.

المطلوب هو بناء مناعة ذاتية عبر قيادة جماعية تتجنب تركيز السلطة في أشخاص يسهل استهدافهم، وبناء صناديق تضامن مستقلة تقطع الطريق أمام التمويل المشبوه، وإقامة إعلام ثوري موازٍ يوثق النجاحات ويكسر الحصار الإعلامي.

كما أن تجاوز العفوية يتطلب تطوير البنى التنظيمية من لجان مؤقتة إلى مجالس طبقية ديمقراطية قاعدية تمثل العمال والفلاحين وسكان الأحياء بشكل مباشر، مع صياغة برنامج انتقالي يربط النجاحات المحلية برؤية وطنية لإدارة الاقتصاد والمجتمع وفق مصالح الطبقات الكادحة.

لا تقل المعركة الأيديولوجية أهمية عن المعركة التنظيمية، إذ ينبغي فضح حدود الإصلاحية ورفع مستوى الوعي الطبقي وربط كل نضال يومي بالهدف الاستراتيجي لبناء سلطة شعبية بديلة.

إن طريق الثورة يمر عبر الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، وليس عبر التبرير أو الاستسلام. ما حدث من تعثر يجب أن يُقرأ كتجربة غنية بالدروس والخبرات لا كإعلان هزيمة. فالنماذج الجنينية، رغم محدوديتها، أثبتت أن الجماهير قادرة على التنظيم الذاتي وإدارة شؤونها، وأن السلطة الشعبية ليست حلماً طوباوياً بل إمكانية مادية أثبتها الواقع.

المهمة التاريخية المطروحة أمام الثوريين اليوم هي استخلاص هذه الدروس وتطويرها نحو بناء مجالس طبقية تمتلك الرؤية والبرنامج والأداة التنظيمية القادرة على قيادة المعركة حتى النصر. الفشل ليس قدراً، بل لحظة عابرة في صراع طويل، والانتصار ممكن حين تتسلح الجماهير بالوعي الطبقي والتنظيم الثوري القادر على تحويل النجاحات التكتيكية إلى استراتيجية قادرة على إسقاط النظام وبناء مجتمع اشتراكي جديد.

"كل جيل يجب أن يكتشف مهمته، إما أن ينجزها أو يخونها."
فرانز فانون.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 8. المجالس الطبقية من البناء التنظيمي إلى المعركة الشاملة
- 7. المجالس الطبقية كسلطة بديلة: الطريق الوحيد أمام الثورة ال ...
- 6. السودان بين الثورة والثورة المضادة: السوفييتات أو الهزيمة
- الانتهازية والانعزالية: وجهان لعملة واحدة في أزمة اليسار الث ...
- 5. أشكال بلا مضمون: كيف حوّلت الثورة المضادة أدوات النضال ال ...
- 4. السوفييتات - النموذج التاريخي والضرورة الراهنة
- 3. الجذور التاريخية للثورة: دروس من تجارب الشعوب
- 2. الوهم الإصلاحي ولجان الأحياء: آلية البرجوازية الصغيرة لسر ...
- على خط النار: الثورة السودانية بين الأوهام والسلطة 1. لماذا ...
- 21. إصلاحية مقنّعة، جذرية منهزمة
- 20. المشروع الثوري: طبقية، تنظيم، ممارسة
- 19. المشروع الثوري: طبقية، تنظيم، ممارسة
- 18. من الراديكالية الزائفة إلى الانحراف البيروقراطي
- 17. هيمنة البرجوازية الصغيرة: صراع طبقي داخل الحزب
- 16. استعادة القيادة البروليتارية: شرط البقاء الثوري
- 15. الأممية الشكلية والديمقراطية الشكلية: أدوات هيمنة البرجو ...
- 14. الريف الغائب: جغرافيا الصراع الطبقي المُهملة
- 13. البرجوازية الصغيرة: خطاب بلا ثورة، كلمات بلا محتوى طبقي
- 12. البرجوازية الصغيرة: خطاب بلا ثورة، كلمات بلا محتوى طبقي.
- 11. ​خزينة الحزب الثوري: البوابة السرية لهيمنة البرجوا ...


المزيد.....




- مباراة الجزائر-النمسا.. -مؤامرة- للتأهل سوية وإقصاء إيران؟
- موريتانيا تراهن على الغاز.. والمغرب يواجه عجزا تجاريا
- العراق يلاحق متهَمين بالفساد في الخارج والأردن ينفي تلقيه طل ...
- إيران ولبنان مباشر.. محادثات إيجابية في الدوحة ولواء غفعاتي ...
- 62% من الأمريكيين: احتفالات الاستقلال مسيسة والديمقراطية في ...
- بعد قرارات عباس الانتخابية.. المشهد الفلسطيني بين شرعية الصن ...
- مهمة واحدة لكلاب الإنقاذ: العثور على ناجين من زلزال فنزويلا ...
- عون: سوريا ترغب في فتح صفحة جديدة مع لبنان
- -يد الله-.. المنتخب الإنكليزي يعود مجددا لذات الملعب بعد 40 ...
- ارتفاع حصيلة القتلى بعد تفجير عبوة ناسفة في دمشق


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. تفكيك إخفاق النماذج الجنينية في الثورة السودانية