ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 21:34
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
المقدمة
إن الغزوات الإسلامية التي شكلت العمود الفقري للمرحلة التأسيسية من الإسلام لم تكن مجرد أحداث عسكرية تُسرد بوصفها وقائع تاريخية، بل هي نصوص اجتماعية–رمزية يمكن قراءتها كأداة لإعادة إنتاج السلطة وتكريس التفاوت الطبقي. حين ننظر إلى هذه السرديات بمنهج ماركسي–اجتماعي، يظهر بوضوح أن الميدان لم يكن فضاءً للتكافؤ بين المقاتلين، بل كان مسرحًا تدار فيه لعبة السلطة، حيث تتكون طبقة جديدة يمكن أن نطلق عليها اسم "الأرستقراطية المقاتلة".
هذه الطبقة لم تقتصر على الدور العسكري، بل امتلكت أدوات رمزية ودينية واقتصادية جعلتها عماد البنية الاجتماعية الجديدة. فالغنائم لم تكن مجرد مكافآت، بل وسيلة لإعادة توزيع الثروة وفق منطق طبقي، يميز بين الفارس والراجل، بين القائد والجماعة، وبين النخبة والجند العادي. وهكذا تبلور نموذج جديد من الهيمنة، ثيوقراطي–مقاتل، يحجب مساهمة الأغلبية ويعلي من شأن القلة المتميزة.
إن هذا البحث يسعى إلى تفكيك هذه السرديات، وإظهار ما تخفيه من تفاصيل عن الصراع الاجتماعي، مستخدمًا أدوات التحليل الطبقي والرمزي معًا.
الفصل الأول: الغزوات في السرد الإسلامي
السرد بين التاريخ والرمز
الغزوات كما ترد في المصادر الإسلامية المبكرة تتخذ طابعًا مزدوجًا: فهي من جهة أحداث تاريخية لها سياقات اقتصادية وعسكرية، ومن جهة أخرى نصوص رمزية تهدف إلى ترسيخ صورة معينة عن الجماعة والدين والقيادة.
تُبرز السرديات دائمًا الأبطال الفرديين: حمزة أسد الله، علي الكرار، خالد سيف الله المسلول. هؤلاء يظهرون كرموز للبطولة والقوة، بينما المقاتلون العاديون يُختزلون إلى مجرد "جيش" أو "أعداد". بذلك يتحول الميدان إلى مسرح ملحمي، حيث البطولة تُنسب للفرد المميز، وتُمحى مساهمة الجماعة.
إن هذا النمط من السرد لا يختلف كثيرًا عن الأدب الملحمي في ثقافات أخرى، مثل الإلياذة أو الملاحم الفارسية، حيث يتم التركيز على البطولة الفردية وتغييب الدور الجماعي. لكنه في السياق الإسلامي يخدم غاية إضافية: إعلاء مكانة القيادة وربطها بالشرعية الإلهية.
التفاصيل الميدانية المفقودة
حين نقارن بين السرد الإسلامي وبين أي توثيق عسكري واقعي، نلاحظ فجوة واسعة: لا توجد تفاصيل عن خطوط القتال، أو عن مهام المشاة، أو عن تنظيم الإمداد. الميدان يُصوَّر كأنه لقاء رمزي بين أبطال محددين، بينما آلاف المقاتلين الآخرين يُختزلون إلى خلفية صامتة.
هذا الإخفاء ليس عفويًا، بل يعكس منطق الهيمنة الرمزية: الجماعة العريضة لا يُسمح لها بالظهور إلا ككتلة، بلا أسماء أو بطولات فردية. النخبة المقاتلة تُبرز كبطلة وواجهة رمزية للمعركة. القيادة تُعلي نفسها فوق الجميع، بوصفها صاحبة الشرعية النهائية في الحرب والسلم.
وبذلك يتكرس السرد بوصفه أداة لتشكيل وعي جمعي يرى المعركة لا كصراع طبقي أو مواجهة عسكرية معقدة، بل كـ"ملحمة" يقودها الأبطال والقيادة المختارة، فيما الجماعة العريضة تذوب في الخلفية.
الفصل الثاني: تقسيم الغنائم والهيمنة الطبقية
النصوص القرآنية: تشريع الغنائم
من أبرز ملامح الغزوات الإسلامية أنها لم تكن مجرد صراع عسكري، بل أداة لإعادة توزيع الثروة. فقد جاء التشريع القرآني محددًا بدقة لكيفية تقسيم الغنائم، وهو ما نجده في قوله تعالى في سورة الأنفال (41):
> "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ..."
وفي سورة الحشر (7):
> "مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..."
يتضح من هذه النصوص أن الغنائم لم تُترك لتوزيع عشوائي، بل وُضعت تحت وصاية السلطة المركزية (النبي/القيادة)، مع اقتطاع نصيب ثابت (الخُمس) يُصرف للقيادة والنخب القريبة منها، قبل أن يوزع الباقي على المقاتلين.
التمييز بين المقاتلين: الفارس والراجل
في التطبيق العملي، لم يكن المقاتلون على قدم المساواة. فقد جرى تمييز واضح: الفارس (راكب الخيل) كان يُمنح نصيبين أو ثلاثة من الغنائم (له وللفرس)، بينما الراجل (المشاة) يُمنح نصيبًا واحدًا فقط.
هذا التمييز لم يكن عسكريًا بحتًا، بل طبقياً: الفارس بالضرورة أغنى لأنه قادر على شراء وتجهيز فرس، والراجل أفقر، وهو غالبًا من الطبقات الدنيا التي لا تملك سوى السيف أو الرمح. وبذلك يصبح الميدان أداة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي: الأغنياء يخرجون بأكثر من ثروة مما دخلوا، بينما الفقراء يكتفون بالقليل.
التحليل الماركسي–الاجتماعي
من منظور ماركسي، يمكن فهم الغنائم كوسيلة لإعادة إنتاج الطبقة العسكرية–الاجتماعية، إذ يذهب النصيب الأكبر للفرسان والقادة. كما تكفل تكريس شرعية القيادة، التي تمتلك سلطة توزيع الغنائم عبر الخُمس، وتبقي الجماعة العريضة في موقع التبعية إذ لا تحصل إلا على نصيب محدود، يكفي للبقاء لكنه لا يكفي للصعود الطبقي.
الغنائم لم تكن إذن مجرد مورد اقتصادي، بل أداة سياسية لإدارة الطبقات الاجتماعية: تكريس النخبة واحتواء الجماعة.
جداول توضيحية
الجدول 1: توزيع الغنائم وفق القرآن (الأنفال 41)
الفئة المستفيدة النسبة من الخُمس الطبيعة الاجتماعية
الله/الرسول حصة رمزية + عملية للقيادة سلطة مركزية/ثيوقراطية
ذوي القربى نصيب خاص تعزيز النسب والقرابة
اليتامى نصيب اجتماعي بُعد رمزي–إحساني
المساكين نصيب اجتماعي احتواء اقتصادي للفقراء
ابن السبيل نصيب اجتماعي حماية التنقل والضيافة
بقية الغنيمة للمقاتلين إعادة توزيع على الجيش
الجدول 2: التمييز بين الفارس والراجل في الغنائم
الفئة عدد الأسهم الطبيعة الطبقية
الفارس (راكب الخيل) 2–3 طبقة غنية/أرستقراطية
الراجل (المشاة) 1 طبقة فقيرة/تابعة
النتيجة
إن تقسيم الغنائم في الإسلام المبكر لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل هو آلية طبقية بامتياز: يرسخ الأرستقراطية المقاتلة بوصفها الطبقة الأكثر ثراءً وهيبة، ويحافظ على الجماعة العريضة في موقعها السفلي ضمن الهرم الاجتماعي، ويمنح القيادة شرعية دينية–ثيوقراطية تجعلها الحكم النهائي في توزيع الثروة والسلطة.
وبذلك تظهر الغنائم كأحد المفاتيح الأساسية لفهم تشكل البنية الطبقية في المجتمع الإسلامي الناشئ.
الفصل الثالث: ظهور الأرستقراطية المقاتلة
تعريف الطبقة الجديدة
مع تكرار الغزوات وظهور نظام دقيق لتوزيع الغنائم، أخذ يتبلور داخل المجتمع الإسلامي الناشئ بنية طبقية عسكرية، يمكن أن نطلق عليها اسم الأرستقراطية المقاتلة. هذه الطبقة ليست مجرد مقاتلين، بل هي شريحة اجتماعية–سياسية تمتلك الامتيازات الاقتصادية من نصيب أوفر من الغنائم (أسهم الفرسان، حصص القادة، نصيب الخُمس)، والهيبة الرمزية عبر الأبطال الفرديين الذين خلدهم السرد، إضافة إلى الشرعية الدينية التي تربطها مباشرة بالقيادة النبوية أو الخلافية، مما يجعلها ممثلًا للشرع والإرادة الإلهية.
وبذلك لم تعد الحرب مجرد حدث عابر، بل مصنع لإنتاج طبقة متميزة تُعرِّف نفسها عبر السيف والغنيمة والرمز.
الأرستقراطية المقاتلة كوسيط اجتماعي–سياسي
هذه الطبقة لعبت دورًا مزدوجًا. فمن جهة كانت وسيطًا بين القيادة العليا والجماعة العريضة: القيادة تحتاج أداة تنفيذية لحفظ السيطرة، والجماعة تحتاج تمثيلًا عسكريًا واقتصاديًا يربطها بالقيادة. والأرستقراطية المقاتلة هي هذا الوسيط، فهي تحافظ على ولاء الجماعة من جهة، وتضمن تدفق الثروة والشرعية من جهة أخرى. ومن جهة أخرى شكّلت قوة ردع داخلية وخارجية: داخليًا لضبط المعارضة أو التمرد، وخارجيًا لتوسيع رقعة الفتوحات وضمان تدفق الموارد من الغزوات.
الرمزية في السرد: إخفاء وتضخيم
السرديات الإسلامية بالغت في إبراز دور هذه الطبقة، وقلّصت من شأن الجماعة العريضة. الأبطال الفرديون مثل حمزة، علي، خالد، الزبير، أصبحوا رموزًا تتجاوز أشخاصهم إلى تمثيل طبقة كاملة. أما المشاة (العامة) فصُوِّروا كخلفية صامتة بلا أسماء ولا بطولات مستقلة، بينما وضعت القيادة العليا في مقام أسمى بوصفها صاحبة القرار والشرعية المطلقة. هذه الرمزية لم تكن بريئة، بل أداة أيديولوجية لإخفاء مساهمة الكثرة وتعظيم القلة، وبذلك يترسخ الوعي الجمعي بأن الانتصارات منسوبة للطبقة المقاتلة المتميزة لا للجماعة ككل.
مقارنة مع البنى الاجتماعية الأخرى
حين نقارن الأرستقراطية المقاتلة الإسلامية بنظيراتها في حضارات أخرى، نجد تشابهًا واضحًا: في أوروبا الإقطاعية حيث النبلاء الفرسان مقابل الفلاحين الأقنان، وفي اليابان حيث الساموراي مقابل الفلاحين والتجار، وفي الهند حيث طبقة الكشاتريا (المحاربين) مقابل الشودرا والطبقات الدنيا. لكن ما يميز الحالة الإسلامية هو البعد الثيوقراطي، إذ لم تبرر هذه الأرستقراطية وجودها فقط بالقوة العسكرية، بل ألبست نفسها ثوبًا دينيًا لتصبح "ثيوقراطية مقاتلة"، أي سلطة عسكرية–دينية في آن واحد.
النتيجة
تشكّلت في المجتمع الإسلامي المبكر طبقة جديدة هي الأرستقراطية المقاتلة، التي جمعت بين السلاح والثروة والرمز والشرعية. هذه الطبقة كانت حجر الأساس في البنية الاجتماعية الناشئة، وأداة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية، وقوة رمزية ودينية تضمن استمرارية النظام. لقد كانت الغزوات مصنعًا لا لإنتاج الانتصارات العسكرية فحسب، بل لإنتاج نخبة اجتماعية–طبقية ستظل مؤثرة لقرون طويلة في التاريخ الإسلامي....يتبع
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟