أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - شاهدة قبر من رخام الكلمات: كتابة على حافة الوجع والبعث














المزيد.....

شاهدة قبر من رخام الكلمات: كتابة على حافة الوجع والبعث


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8414 - 2025 / 7 / 25 - 10:12
المحور: الادب والفن
    


في ديوانه الفريد "شاهدة قبر من رخام الكلمات"، لا يكتب يحيى السماوي عن الحزن، بل يكتب بالحزن، يعجنه بالحروف ويطحنه على حجر الروح. هذا ليس رثاءً كلاسيكيًا، ولا تأمّلًا عابرًا في الفقد، بل هو ميثاق حبّ موشوم بدم القلب، ممتد بين أمٍّ راقدة في ثرى الغياب وابنٍ يتسكع في خرائط التيه والمنفى، يطلب خلاصًا مستحيلًا من لعنة الحياة بعد الأم.

يبدو الديوان أشبه بـ"أنين وجودي" يندفع من صميم كائنٍ مشروخ، يراوده الموت كما تراوده الحياة، في معركة دائمة بين الظلّ والنور. الأم في هذا النص ليست مجرّد شخص، بل كيان كوني، رمز لكل ما هو طاهر، مقدّس، أبدي. يقول الشاعر:

" قبل فراقها :
كُنتُ حيًّا محكومًا بالموت...

بعد فراقها :
صرتُ ميتًا محكومًا بالحياة"
وهنا تتجلى أكبر مفارقات الديوان: الحياة كعقوبة بعد رحيل الأم، والموت كنعمةٍ مؤجلة.

من الناحية الوجدانية، يكتب السماوي بجسدٍ مفتوح، يعرّي ألمه بلا مواربة، يبكي ولا يخجل، يسقط في الشوارع ولا يطلب من أحد أن يرفعه. البكاء هنا ليس ضعفًا بل صلاة، هو شكل من أشكال الإيمان، والعين – كما يظهر في نصوصه – ليست أداة للرؤية بل نافذة للحزن.

أما من الناحية الجمالية، فيتحول الشعر في هذا الديوان إلى فنون جنائزية. الكلمات ليست مجرد أدوات لغوية، بل "رخام" يُنحت عليه الحنين واللوم والرجاء. الصورة الشعرية في الديوان ليست زخرفًا بل هي عصب المعنى، مثلًا:

"دفء أمومتها وليس حطب الموقد... أذاب جليد الوحشة في شتاءات عمري"

كل مفردة هنا تلتمع كدمعةٍ على خدّ اللغة. لا ترف زائف ولا تجميل بلاغي، بل بلاغة الحقيقة المُجرّدة.

ومن الزاوية الفلسفية، يتناول السماوي أسئلة وجودية بعمق مؤلم: من نكون دون أمّهاتنا؟ ما جدوى الشعر والسياسة والدين إن لم تُقرّبنا من أرواح أحبّائنا؟ هل الحريّة تُستعاد من بين ركام الاغتراب، أم تُدفن تحت تراب الوطن المسروق؟
وفي تساؤله:

"أما من سلالم غير الموت للصعود إلى الملكوت؟"
نلمس ذلك القلق الأنطولوجي النبيل، الذي يحوّل الفقد من تجربة شخصية إلى سؤال كوني.

الديوان أيضًا شديد الالتصاق بقضايا الإنسان العربي، إذ لا تنفصل لوعة الفقد الشخصي عن الكارثة الجمعية. أمه الراحلة تتراءى في وجه العراق، والوطن يُختزل في كفّها المعروقة، وفي عباءتها السوداء التي يصوغ منها رايةً لوطنٍ يُذبح كل يوم. ينقلب الرثاء إلى ثورة، والقصيدة إلى وثيقة احتجاج:

"أطلقوا سراحي من قبضة الخرتيت، واعتقلوا الوطن... ثم أعطوني قلماً لأكتب عن الحرية!"

في هذا المزج بين الخاص والعام، الوجودي والسياسي، العاطفي والفكري، تتجلى عبقرية السماوي، الشاعر الذي لا ينحني إلا ليقبّل تراب أمه، ولا يصرخ إلا في وجه الطغاة.

"شاهدة قبر من رخام الكلمات" ليست مجرد قصائد، بل هي "مقبرة نبيلة"، نحجّ إليها لا لنرثي الأمهات فحسب، بل لنرثي الإنسان في زمن يُفتّته الحنين وتفتك به الغربة.

هذا ديوان لا يُقرأ بل يُعاش، لا يُفسّر بل يُبكى، لا يُنقد بل يُحتضن.
إنه عمل شعري نادر في صدقه، راسخ في وجعه، وعميق في حنانه الثوريّ.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوجود يتقيأني… وأنا أبتلع القيامة
- الموروث الشعبي والتربية ، تحليلاً من خلال هويتنا الفلسطينية
- قوس الرمل
- 🌿 تراتيلُ العارفين 🌿
- قصيدة: فَكِّرْ بِنَفْسِكَ وَأَنْصِفْهَا
- -حين كنتُ صغيرة... كنتُ أحلم-
- العائدون من الموت إلى الحياة: شهادات الروح حين تتجلّى
- القصيدة التي نزفت: يحيى السماوي يكتب الوطن بجسده
- حين تمشي يدُ الله في الحقل
- بين سماءٍ وأرض
- وصمة الدم… لا الطُهر
- مناديل من حرير الكلمات: مزامير العاشق الروحاني
- -فراديس إنانا-: تجلّيات الخلاص والموت في شعر يحيى السماوي قر ...
- قراءة في قصة -خمّ الديوك- – لنبيل عودة
- الله يعرفني… وأنا أعرفه… وهذا يكفي
- أن تكون إنسانًا أولاً
- خمسةُ أشهرٍ من الغياب… وكبرُ الحنين
- نظرة من الداخل: المتوحدون وذوو الإعاقات الذهنية التطورية... ...
- البُعدُ أجمَل
- شتّان بين من مهنتهم الأيديولوجيا... وبين من حوّلوها إلى فنٍ ...


المزيد.....




- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - شاهدة قبر من رخام الكلمات: كتابة على حافة الوجع والبعث