أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد حسين يونس - مش مهم عندنا منهم كتير















المزيد.....

مش مهم عندنا منهم كتير


محمد حسين يونس

الحوار المتمدن-العدد: 7714 - 2023 / 8 / 25 - 07:51
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


أغلب الشعوب التي خاضت حروبا مهلكة .. تعلمت منها و تحسنت و تفوقت و تحررت و أصبحت أكثر إنسانية ..إلا نحن .. لم نستوعب الدرس أو نتغير .
هل بسبب أننا صدقنا كذبهم بكونها نكسة و تجاهلنا أنها هزيمة .. أم لان دماء ناسنا رخيصة و أموالنا سايبة وبيت المال نهيبة ينفق منه ( الحاكم ) كما يحلو له لمداراة فشله ومغامراته...أم لان الشعب المسالم لا يحارب ووقف يتفرج علي ماتش بين جيش عبد الحكيم و جيش موسي ديان .. يشجع فريقه بحماس حتي إنهزم عبد الحكيم وإنتحر.
أبناء الشعب لم ينهزموا .. لانهم لم يكونوا شركاء .. حزنوا قليلا لضياع أسلحة فريقهم وسوء أداؤه ..و إكتئبوا أقل من أجل الضحايا ..ثم نسوا الأمر وعادوا لسيرتهم الاولي و ما هم فيه من هم و غم كسب لقمة العيش بعناء في غابة الضوارى... و علاج ما خربه الضباط بمؤسسات الدولة بعد أن عبثوا بقواعد تشغيلها ، وابتلعوا خيراتها، واستبعدوا كفاءاتها ..و تركوها خرابات .
الأمر لمن يراه من الخارج عبثي .. لقد إستشهد الالاف بدون سبب أو جدوى ..في نفس الوقت يرفض الأبناء التعلم من دروس السقوط بل يكررون الأخطاء مرة تلو الأخرى و كلما خابوا قالوا خيرها في غيرها .
لو مت في هذا الزمن كنت سأضيف رقما للكشوف.. لا أكثر و لا أقل . . و ينتهي الأمر بمعاش للورثة يرددون بعده بفخر أجوف أن والدهم الشهيد قد ضحي فداء للوطن..و صورة عليها شريط أسود في صدر المنزل لو إهتموا.. وبوكية ورد أمام قبر الجندى المجهول كل سنة و دمتم .
56 سنة مرت.. أصبح الشاب مسنا لا يسمع جيدا و نظره ضعيف ولا يتذوق الأكل و لا يفرق بين الحلو والحادق أو يستطيع ممارسة الجنس أو الرياضة أو حتي الشجار .. و مع ذلك يلح علية بإستمرار نفس الأسئلة دون إجابة..لماذا زج بنا في هذه الحرب و نحن غير مستعدين .. و هل بموتنا تغيرت الأمور ..و هل تحسنت حياتنا بعد أن سالت دماء الشهداء في حروب 48 و 56 و67 . و اليمن ثم 73.. بالإضافة إلي ضحايا الأرهاب و تجار المخدرات بسيناء ..و هؤلاء الذين تم تصفيتهم في السجون والمعتقلات و أثناء فض الإضرابات و الإعتصامات .. و كلهم شهداء
أم كان علي الناس أن تدفع الثمن أرواح بنيها و دماء غالية من أجل أن يفوز بالغنيمة من تسببوا في الهزيمة يحصدون المكاسب و يعيشون في أمن و رغد مقيم .
أثناء تواجدى بسيناء في يونيو 1967.. واجهت الموت خمس مرات ..الموت هناك كان حدثا طبيعيا مريحا خصوصا لو جاء كخاتمة لحياة تعسة مهينة يعيشها الشباب في الصحراء دون طعام أو شراب أو أمان أو علاج أو سبب.
لذلك لم أرهبه أو أخاف منه عندما أطل في أربع حالات كان الموت فيها لحظات و تنتهي حياتي التي لا قيمة لها سواء عند الظلمة من الجنرالات الأثرياء الذين يتحكمون في كل نشاط أو مكان بالوطن.. ويتدخلون بفكرهم الرخيص فيما لا يخصهم يفسدون ما حولهم مع كل خطوة يخطونها كما لو كانوا قد إستعمرواهذا المكان و هؤلاء الناس من 15 سنة .أو كانوا جماعات من المماليك خرجت من كتب التاريخ لتحكم مصر .
أو عند الناس اللي واكلين تاتورة و مغيبين و بيوزعوا الشربات علي العساكر و الضباط أمام المعابر لسيناء علي أساس أنهم سيعلقون بعد ساعات موسي ديان علي أقرب شجرة كما يقول لهم المذيع أحمد سعيد ..
أو حتي عند نفسي الماسوشيتية المستعذبة للقهر التي تعاني من متلازمة ستوكهولم..فقد كنت أعرف بلاويهم و عدم كفاءتهم بحكم معايشتي لهم و مع ذلك فضلت الصمت و المواكبة حرصا علي قروش نهاية الشهر .
المرة الأولي التي واجهت فيها الموت كانت عندما عدت من مركز قيادة الجيش بجبل لبني في اليوم التالي للحرب و عرفت هناك أن القوات الإسرائيلية متفوقة وأنها حققت عدة إنتصارات علي مدرعاتنا .. و تتحرك دون مقاومة من العريش في إتجاه الفرقة التالتة بين الحسنة و القسيمة.
فقد جلست في خندق حفرناه لحماية الافراد .. صامتا حتي لا أشيع الذعر بين الزملاء .. أراقب الطيران المعادى الذى كان يمتلك الجو منفردا وقد جذبته معدات المهندسين الضخمة فبدأ في تدميرها .. بنزق طفولي ..دعي طياريهم لإستعراض مهاراتهم بالهبوط لدرجة أنني كان بإستطاعتي رؤية وجه الطيار واضحا أحمر منتفخا يرتدى خوذة الطيارين و أرى الخرطوم الخارج منها لتنظيم التنفس و هو يهاجم المكان بغل و شراسة مطلقا النار من رشاشاته .
لم أخاف .. و لم أرتبك حتي بعد أن ملأت دماء جثث من ماتوا والمصابين في المكان حولي ملابسي و كفاي .. لقد ذهبت للحرب بإرادتي ..و هذه هي المعارك ..إسكت
المرة الثانية كانت فيها قوات العدو .. قريبة منا لدرجة أننا كنا نرى طول الليل شعلات الإضاءة التي يستخدمونها لكشف المكان..
في الصباح إكتشفنا أن قائد الكتيبة و رئيس العمليات قد غادرا الموقع إثرعلمهم بتسرب قائد الفرقةو طاقمه إلي مصر .. كنا كضباط نحاول أن ننقذ ما يمكن إنقاذة من البشر و المعدات بعد الفوضي التي حدثت بتخلي القيادة .. عندما صاح جنود الإستطلاع من نقط المراقبة .. بأن الدبابات الإسرائيلية في طريقها إلينا ..
جرينا في إتجاه العربات ركبنا بسرعة الضباط في الكباين والجنود فوق الألغام المحملة في الصندوق رغم الخطورة ..
أطلقت القوات المعادية عدد من الطلقات التحذيرية لأدرك أن أى طلقة ستصيب عربة من عرباتنا ستحولها و كل العربات المجاورة لقنبلة لا تقل ثوة إنفجارها عن قنبلة هيروشيما .. مدمرة إيانا و محولانا لأشلاء ..بعد ثوان من التردد طلبت من الجنود التخلص من الألغام برميها
و هنا توقفت المدرعات المعادية عن متابعتنا ..و نزل جنودهم لفحص ما القي في طريقهم ....لقد كنا علي شفا الفناء
المرة الثالثة كانت في الجبل .. فعندما بعدنا قليلا عن قوات العدو .. و قفنا بجوار الطريق أسفل جبل المغارة نتناقش .. إنتهي الحديث بان قررنا أن نصعد للجبل الأكثر أمنا و نعبره حتي نصل للقناة أو الخليج بالجنوب..
طلبنا من أحدنا أن يذهب لنقطة المياة يملأ الجراكن و يلحق بنا و لكن مرت الساعات .. و لم يصل الزميل .. ففهمنا أنه (زاغ ) هو كمان
عندما إنتهت المياة التي نحملها في منتصف النهار.. و بدأ الضباط و الجنود يتأثرون بفعل الشمس و العطش.. و إقترب الموت .. شعرت لاول مرة بالخوف .. كنت لا أريد أن أموت عطشا ..( و هو الأمر الذى حدث للعديد من الضباط و الجنود )..وأتعذب وأنا أفقد حيويتي تدريجيا .
عندما بدأت قواى تخور من المشي و الشمس و العطش و الجوع ..و أعد نفسي لمعاناة طويلة .. وجدنا من ينادى علينا .. لقد كانوا من عرب سيناء هاربون من جيوش الطرفين .. زودونا بالمياة .. و وصفوا لنا الطريق ..و نصحونا (( إستمروا في المشي .. و إدبحوا معزة أو إتنين من اللي في الجبل و كلوها.. و حتوصلوا للشط )).
المرة الرابعة .. بعدما نزلنا من الجبل للوادى قرب العصر .. كان مخزون المياة قد إنتهي.. و بدأنا نقلق .. حتي وجدنا عربة جيش معطوبة كانت تجر فنطاس مياه وبها علب طعام محفوظ.. لقد إقتربنا .. و لم يبق إلا مسيرة ساعات قد نصل للخليج في الفجر .. و لكن في السماء كانت هناك طائرة بمراوح تتحرك ببطء و أمان .. ترصد مكان القوات فأرشدت عنا .
بعد فترة حوالي الساعة الخامسة عصرا.. هاجمتنا مدرعات العدو .. أطلقت النار عشوائيا علينا .. رقدنا علي الأرض مرطابور المدرعات عن يميني و يسارى كاد أن يدهسني .. رسمتني طلقات الرشاشات التي سقطت حولي ..و سمعت صياح الزملاء المصابين .. لقد جاء الموت .
المرة الخامسه ..مساء اليوم التالي نقلونا لمكان تجميع الأسرى .. في طريقنا كان من الممكن أن أرى من بين ستائر شباك السيارة .. بقايا معركة الامس.. وعربة جيب يتدلي منها ضابط مضروب بالنابلم .. و الكلاب تأكل في الجثة .
رصونا في دوائر متتالية علي الأرض كصنية كنافة صوابعها بشر ..و كشافات ضخمة مسلطة علي الراقدين .. و طلقات نار تمر من فوق الرؤوس تمنع أى منا من عدم الرقاد ..و عندما يطلب البعض الذهاب لدورة المياة يقولون له ( طر مطرحك ) .. إنه الموت مع أول خطأ
بجوارى شاب مضروب بقسوة يتأوه من أجل شربة ماء .. أقف مستهترا بالخطر أطلب من الجندى العدو الذى يراقبنا ماء .. منتظرا أن يطلقوا علي النار و ارتاح ..مع اليأس ترخص الحياة .. و لا يهتم صاحبها لو فقدها..
بعد 56 سنة لم نتحرر ..أصبحنا نعيش في مكان لا يقل خطورة عن ميادين القتال غير أمن للفقراء و الضعفاء منا .. أرواحنا رخيصة والموت سهل قريب يطرق الأبواب في كل لحظة بسبب أو بدون .. بل في بعض الأحيان يصبح هو الامل والمسار الوحيد لنجاة الناس .. من الظلم .
علي النقيض .. في الكومباوندات المحمية يعيش الحكام في رغد رغم كل الإخفاقات و الإحباطات التي تسببوا فيها علي مدى 70 سنة .. يحبون الحياة حبا جما و يتمسكون بها يريدونها أن تطول لاقصي درجة.. ماداموا متواجدين بشكل مستمر علي كراسي إتخاذ القرار يتدخلون في كل أمور الناس كبيرها و صغيرها ..حتي في نتائج ماتشات الكورة و الثانوية العامة .. يستمتعون بالقصور و الأبهه والطعام الفاخر و السلطة المطلقة .. ينفقون الأموال ببذخ دون دراسة أو علم .. حتي لو كان مصدرها قروض و ديون متلتلة سيدفعها الأحفاد .
فتتبدى للمسن حكمة السنين .. ((في بلدنا فقدان شخص أو عشرة أو مليون أو عشرة مليون من العامة في الحرب أو بالعطش و الجوع و المرض و الإحتياج ..أمر طبيعي .. لا يؤرق بال المحصنين بالمال و القوة و القانون و الباسبورتات الأجنبية ....فعندهم منا كتير.))



#محمد_حسين_يونس (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2 - تفكيك المشكلة و إعادة تركيبها
- الإنقراض السادس علي الأبواب
- مسيرة (( مصر الفتاة )) لقصر عابدين
- أحزان معمارى مسن
- لازال للإستعمار الكلمة العليا .
- استقر الأمن فى البلدة الصغيرة
- و عاودني عصاب الحرب .
- لمن يرصدون غيابي
- سقطت يوم سقط الجنيه
- فليأكل ((أموت )) قلبي وأفني.
- قد تكون هذه وصيتي.
- وليمة لأعشاب البحر .
- المصريون و متلازمة ستوكهلم
- لحسن الحظ الكلاب و القطط متوفرة
- منظومة الإنكماش و العصيان المدني
- وباء إنقلابات العسكر
- مصطفي صفوان و تطوير اللغة
- و أصبح شهبندر التجار من الضباط .
- ذكريات مسن في الثمانين(2 )
- ذكريات مسن في الثمانين


المزيد.....




- ماذا نعلم عن التحديث الجديد بخاصية الإعجابات بمنصة -أكس- بعد ...
- وكالة الأنباء الفلسطينية: الجيش الإسرائيلي يشن غارات على الم ...
- البحرين.. انتشال جثة بموقع حريق سوق المنامة القديم
- -فرحة- حاج سوري بوصوله إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج تثي ...
- روسيا تطور تقنيات جديدة للتحكم بالآلات الزراعية ذاتية القياد ...
- نصائح لمن يعاني من حساسية الشمس
- مادة شائعة في مئات الوجبات الخفيفة قد تزيد خطر الإصابة بحالا ...
- متى ستواجه دولٌ ثالثةٌ الولايات المتحدة بأسلحة روسية
- العالم يدور حول أميركا
- الجنرال بوبوف لا يستبعد استهداف طائرة غلوبال هوك الأميركية


المزيد.....

- تاريخ البشرية القديم / مالك ابوعليا
- تراث بحزاني النسخة الاخيرة / ممتاز حسين خلو
- فى الأسطورة العرقية اليهودية / سعيد العليمى
- غورباتشوف والانهيار السوفيتي / دلير زنكنة
- الكيمياء الصوفيّة وصناعة الدُّعاة / نايف سلوم
- الشعر البدوي في مصر قراءة تأويلية / زينب محمد عبد الرحيم
- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص
- آراء سيبويه النحوية في شرح المكودي على ألفية ابن مالك - دراس ... / سجاد حسن عواد
- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد حسين يونس - مش مهم عندنا منهم كتير