أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حسين يونس - وليمة لأعشاب البحر .















المزيد.....


وليمة لأعشاب البحر .


محمد حسين يونس

الحوار المتمدن-العدد: 7603 - 2023 / 5 / 6 - 09:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بطول سبعمائة صفحة يكشف لنا حيدر حيدر ـ كما كشف من قبله الطاهر وطار فى روايتيه " اللاز " و " عرس بغل " ـ الستار عما حدث لثورة الجزائر بعد أن انتصرت وهزمت (( قوات حلف الأطلنطى )) وطردت جنرالات فرنسا ليرثها من بعدهم (( هؤلاء الغاصبين الذين اجتاحوا البلاد بدماء الضحايا فاقتسموا لحم الوطن وشحمه وجماله و أفراحه ورموا للفقراء وأبناء الشهداء النفايات والعظام والقبح والمــرارة )).
فالثورة الجزائرية التى ضحت بمليون شهيد (( بعد أن حلمت )) بامتلاك اخضرار البحر لم تقبض سوى الريح العاصف ذلك الريح الذى أطاح بالاستقرار و أهدر دماء مئات بل آلاف الضحايا بعد أن أنهى حيدر حيدر روايته عام 1983 فى استقراء مذهل للمستقبل كما عرفناه فيما بعد .
وليمة لأعشاب البحر رغم ما أثارته من تداعيات ( بمصر ) لا دخل لها فيها ـ فالغالب أن معظم من ثار عليها لم يقرأها وأن أغلب من هاجمها لم يفهمها ـ تظل واحدة من الروايات الحديثة التى تجاوز كاتبها فى بناءها أمراض الرواية العربية المسطحة مستكملا مسيرة بدأها حنا مينا ومن بعده جيل الستينات الجسور فى الرواية المصرية حتى صنع الله ابراهيم.. أى مزج الحلم بالواقع وخلط الزمن للكشف من خلال اللامعقول قسوة الكابوس الجاثم على بلاد العرب سواء فى ذلك من كانوا من أهل المشرق أو من أهل المغرب .
والرواية إن كانت قد أهاجت البعض بسبب عبارات متناثرة فى صفحاتها استخرجها بعضهم عن سياقها وسلط عليها الضوء متجاهلا أن كاتبها حاول بها إظهار مدى الخبل الذى أصاب قائلها إلا أنها تطرح مسألة هامة كنا دائما ما نتغافل عنها على أمل عدم تفجير الصراع فازدادت تعقيدا .. أقصد قضية الوصاية على المبدع وحدود السقف المسموح به فى المجتمعات التى تقرأ اللغة العربية .
و لا أريد أن أقفز بالحكم و أقول أن اللوم يقع على من استخرج هذه الكلمات لمرض فى نفسه و إنما أترك هذا لما بعد العرض التالى للرواية .

انتهت الحرب العالمية الثانية وقد كان الشرق الأوسط من إيران شرقا حتى الجزائر غربا يرزح تحت ثقل استعمار أوروبى عسكرى حرص على إزاحة الهوية المحلية ليحل محلها قهر واستلاب جعل (( العرب ينهشون لحم بعضهم البعض )) ويغرقون فى صراعات عرقية ودينية تفرق بين مسلم سنى و آخر شيعى وبين كردى وعربى وبربرى أو قبطى شرقى ومسيحى غربى .
أو كما يذكر المؤلف على لسان بطلة روايته آسيا (( قالت أسيا شيئا قابضا حول عبارة مالك حداد عن منفى اللغة .. كانت تتحدث عن الاستعمار الثقافى الأقسى والأضرى من السياسى والاقتصادى .. غرسوا فى ذاكرتنا أن المسلمين و العرب كانوا غزاة فاتحين استعمروا أسبانيا وصقلية ووصلوا الى بواتييه .. كانوا يؤكدون لنا أن القرآن مأخوذ عن الإنجيل والتوراة واللغة العربية لغة دين وشعر لا لغة علم وهذا سبب تخلف العرب فى العلوم والحضارة الحديثة))
ثم يرد المؤلف على لسان بطل الرواية (( هذا طبيعى انهم منطقيون ومنسجمون مع غاياتهم .. الاستعمار فى النهاية ليس العنف فقط إنما التزوير والاستلاب والقطيعة مع الأنا الجماعى )) .
وهكذا مع حالة الخواء الثقافى والاستلاب الفكرى التى فرضها الاستعمار الأوروبى تميز على الساحة من إيران الى المحيط عرضا ومن البحر المتوسط الى أعماق أفريقيا طولا تيارات ثقافة ما بعد الحرب العالمية الثانية الأربعة ..
بمعنى الماركسية المنتصرة بفروعها المختلفة لينينية وجيفارية وأوروبية جنبا الى جنب مع القومية الاشتراكية الفاشستية أو النازية المنهزمة فى مواجهة الأصولية الدينية بكل تنويعاتها والليبرالية الأوروبية المبنية على الديموقراطية البرلمانية .
هذه التيارات الأربعة هى المحور الأساسى الذى شكل بناء الرواية التى نحن بصددها فحيدر حيدر شأنه فى ذلك مثل كل من عانى من عذاب السجن السياسى أبى إلا أن يكشف عن ذلك الوجه القبيح الذى فرضته
(( فرق من الحرس القومى واستخبارات الجيش والمباحث التى بدأت فى مداهمة الأوكار والبيوت والأحياء التى تتركز داخلها خلايا الحزب .. دمهم اليوم مباح من يستسلم ينجو بالاعتقال ومن يقاوم يقتل وبالمنشورات والإذاعة ترتفع الكلمات : العراق للقومية العربية وليس لعملاء موسكو .. فليأخذ حذرا كل من يلجئ إرهابيا أحمر )) .
كأننا نقرأ لفخرى لبيب فى مصر أو لكاتب آخر فى إيران أو السودان أو أى بقعة نختارها عشوائيا فى شرقنا الأوسط .
حيدر حيدر اختار أن يكون بطل روايته شيوعيا عراقيا فى اللحظة التى انهار فيها الحزب الشيوعى العراقى وقد كان هو وزميله حزب السودان من أقوى الأحزاب الشيوعية فى العالم العربى تأثيرا وتنظيما فأضاعهما التنظير الخروشوتشيفى والخاص (( بضرورة الاعتماد على نظام عبد السلام عارف وغض الطرف عن طبيعته وتكوينه السياسى ))...(( كما سيصف التقرير نظام عبد الناصر فى مصر بأنه حركة تقدمية تاريخية وهذه الحركة ستشمل العالم العربى بأسره ولابد لها أن تشمل العراق بتيارها الجارف )) .
و((من موسكو حرض الأب الروحى خروشوف العزيز قيادة الحزب على حل الحزب الشيوعى العراقى أسوة بالحزب فى مصر والدخول فى الاتحاد الاشتراكى العربى مركز جذب القوى الثورية كما سيسميه بوجكاريف فى النيوتايمس السوفيتانية )) .
وينقسم الشيوعيون فى العراق الى فرق متنافرة ترمى واحدة منهم بتسعة مناضلين الى الأهوار فيختلط لدى الكاتب الواقع بالأسطورة بالمثل العليا فى علاقة سريالية تربط بين اللاجئين الى الأهوار تقليدا لجيفارا وهوشي منه وبين نضال(( الخوارج والشيعة ثم الزنج والقرامطة وثورة العشرين )) فى مواجهة قهر الخلفاء فالملوك فرجال السلطة المدججين بالمدفعية وطائرات الهليكوبتر المسلحة .. علاقة تذكرنا (( بالمسيح يصلب من جديد )) ونقاء كزانزاكى وحلمه بالمثل العليا المهدرة دائما أمام واقع إغراء السلطة والقوة .
فى معركة الأهوار يسقط ثمانية رجال ويفر التاسع الى بلد المليون شهيد عسى أن يجد العزاء ..
وهناك يقابل بطل القصة (( مهدى جواد )) الذى غير اسمه وزور جواز سفره وارتمى منهكا على الشاطئ الصخرى لمدينة ((جميلة مطوقة بالبحر والغابات ولكنها كأى مدينة عربية كانت متوحشة محكومة بالإرهاب والجوع والسمسرة والدين والحقد والجهل والقسوة والقتل)) .

فى المدينة الجزائرية ( بونه ) التى تكره الغرباء يواجه الماركسيان الأنماط الثقافية التى خلفها الاستعمار الغربى فى أشكالها البدائية والمركبة فصاحبة الدار التى يسكن لديها الهارب الأول ( مهيار الباهلى ) كان لها ثلاثة وجوه ((الوجه الأول وجه المناضلة والثانى وجه العاهرة والثالث وجه الأم )) .
صاحبة الدار (فلة بوعناب) التى اغتال عفافها الفرنسيون انضمت للثوار فى الجبل ليستخدمها الهاربون فى تسكين غرائزهم .. ثم تسافر الى سوريا ومصر مع وفد لجبهة التحرير فيغرر بها مخرجا سينمائيا واعدا إياها ببطولة فيلمه جميلة بوحريد من أجل إعادة اغتيال عفافها .. ثم تدمن الشرقيين فتستضيف دائما فى منزلها الذى اشتراه لها عشيقها الوزير أحد الغرباء فلسطيني ـ سورى ـ مصرى ـ عراقى تضاجعه و تطعمه وتغويه فى بعض الأحيان من أجل إيجار تعيش منه .
فله بوعناب (( من مناضلة مفعمة بالحيوية والأمل الى مومس خط أحمر موشى بلون النار يصب فى الأسود : الوطن وخارج مشيئتها وقعت فى فخ جسدها تلك هى الموهبة المركزية بعد أن تتحرر البلاد من غاصبيها غير أن فلة بوعناب تتوهم أنها مسكونة بمواهب أخرى غير موهبة فتح ساقيها تقول : هم قتلوا مواهبى الأخرى وركزوا على موهبة التأوه والصراخ الجنسى أليس هذا هو الاستعمار الحقيقى ؟ ثم تستطرد ما الذى فعله الكولون الفرنسى إلا هذا ... قتل كل مواهب الجزائر ووضعها عبده بين فخذيه لخدمة نزواته)).
بمرارة تتحدث عن الوطن الذى امتهن بعد الثورة (( وطن الوزراء والضباط والعائلات والمراتب الحزبية العليا والمخابرات والحلاليف والتجار واللصوص)) .
هل يرمز حيدر حيدر بفله بوعناب لجبهة التحرير التى قادت الثورة أم هو إحباط الزمن الردىء الذى أنبت بعد ذلك قوى الفاشيست التى عاثت فسادا فى الجزائر بالإرهاب والاغتيال ((لثورة المليون شهيد التى اغتالها العسكر والتجار فى النهاية))
النموذج الثانى هو عائلة (( لالافضيلة ))وزوجها الشهيد سى العربى ثم يزيد ولد الحاج وابنتهما أسيا بالخضر والصغرى منار .
ولالافضيلة رغم أنها غير متعلمة إلا أنها تريد لبناتها أن يكن متعلمات لذا فهى ليبرالية وكان لها صمودها الوطنى أيام الاحتلال عندما جاء جنوده للتفتيش عن سى العربى فضللتهم لاخفاء أعلام جبهة التحرير التى تعدها تحت أمها المقعدة الجالسة على كرسى متحرك . كذلك هى تقص ما حدث لأخيها الذى هرب ثلاث مرات من معتقليه وقتل خمسة منهم و استولى على بنادقهم لصالح الجبهة ... لهذا فهى تشعر بأنها شاركت فى حرب التحرير وقدمت زوجها سى العربى فداء وهى بهذا تشعر بالقوة التى تجعلها لا تجد مشكلة فى أن تمارس بنتيها حياتهما بالتعلم والسباحة ومصادقة الرجال والنزهة بالقوارب وان كانت تعانى من تمزق بين حياتها مع سى العربى ثم حياتها مع يزيد المتزوج غيرها ويمتلك تجارة واسعة وله علاقات برجال السلطة ولديه أموال جمعها من السوق السوداء ولم يشارك بدينار منها لدعم الجبهة أو الثورة .
يزيد هذا ضد الاشتراكية التى يقدمها بومدين ويكره بن بيلا الأحمر ويخاف على أمواله من العمال والأجراء .. ويحافظ على شرفه بأن يجبر البنات على عدم التأخر ليلا .
لالافضيلة تردد كل هذا بإيمان يوازى إيمانها بالثورة أيام كانت زوجة لسى العربى فيما عدا ما يتصل ببنتيها فهى تحاول تخفيف سلطته عليهما .
منار التى لا تتقن اللغة العربية ولا تريد أن تتعلمها وتنتمى قلبا وقالبا لجدتها الفرنسية الجيل الجديد من الليبرالية فهى " تصهل فى السهوب بلا حواجز فى البيت أو المدينة وفى ملاعب التنس مع صديقاتها اللاتى أطلقن عليها اسم المهرة البرية " " تكسر القواعد فتتأخر فى العودة وتتدرب على الرقص وتمارس الرياضة والزوارق الشراعية .. وتحلم باليوم الذى تنهى فيه دراستها الثانوية لتهاجر الى باريس قاذفة بهذه " البونة" العربية الموبوءة الى الجحيم " .

الفتاة الأخرى عكس أختها ترغب فى تعلم اللغة العربية وإجادتها وهى لذلك تلتقى ببطل الرواية الهارب من العراق ليعمل مدرسا للغة العربية من أجل أن تتقن لغة الأجداد ـ بنى هلال ـ الذين استوطنوا " البونة " حتى جاء الفرنسيون فمسحوا اللغة والهوية .
أسيا بالخضر كانت من الجماعة التى اختارت التعريب طريقا للمستقبل والانتماء للعرب بالرغم من نفورها من سلوكياتهم وممارستهم اليومية .. فهى ترغب أيضا مثل أختها أن تتعلم وتعمل وتمارس حقوقها وان كانت تصبو دائما للاستقرار والبيت والعائلة والهجرة بعيدا عن مدينتهم ... الغريب القادم من الشرق كان له دور " فعلى هامش الدرس الخاص كانت الفتاة تطرح أسئلة عامة ذكية حينا وطفولية حينا آخر أسئلة تتراوح بين الشخصى والعام بين العقل والفطرة سيول من الأسئلة الغريبة .. ما الفرق بين العرب والإسلام ؟ هل الأنبياء مرسلون حقا من الآلهة أم خرجوا من الأرض ؟ كيف كلم الله موسى ؟ هل عرج محمد فعلا الى السماء ؟ .. ما رأيك بتحرير المرأة !! .. هل تهوى المغامرة فى الحياة ؟ .
أسئلة قدمها المؤلف كما لو كان التى يعلمها فتاة باريسية تتحسس خطاها فى طريقها الى الإيمان بالله وبرسالة الإسلام وليست فتاة جزائرية عربية من أحفاد بنى هلال .. فالمسلمة فى أى مكان لن تسأل مثل هذه الأسئلة لأنها جزء من نسيجها الفكرى والثقافى تتعلمها منذ نعومة أظافرها ... أما أسيا بالخضر " فالفرنسية كانت منفانا جميعا نحن العرب الجزائريين " وهى بتحرر الجزائر تعود من المنفى .
" لقد أقبلت أسيا بالخضر فى العصور المندحرة وهاهى ذى تغرب أسيرة هذه العصور كغيرها تجتاحها الرياح السوداء تخطف روحها البيضاء البروق السحرية التى تشق الأبناء من الآباء والزوجات عن الأزواج والرفاق من رفاقهم والبحر عن شواطئه ..
ولـكن لماذا خلعت هذه الأرض الملعونة غزاتها الخارجين ليغطى جلدها الغزاة الداخليون ؟ " .

هكذا يقول " مهيار الباهلى (( الهارب من جحيم الأهوار بالعراق ..)) ذو الجسد النحيل والوجه الحاد المحروق والمقطب موج من الأعصاب المتوترة قيد الإطلاق ".
مهيار هذا كما يقدمه حيدر حيدر أحد الرومانسيين الشيوعيين الذى قاوم انهيار الحزب العراقى باللجوء الى الأهوار ... ثم الهرب الى الجزائر على أمل أن يجد هناك نسخ لتجربة جيفارا فى جبال السيرامستيرا ولكنه وجد فله بوعناب فأصابته لوثة جعلته يجدف بكل المسلمات .. العروبة الدين .. الشيوعية .. إمكانية خلاص الإنسان .. جدوى القيم العليا .. هذا البائس هو السبب فى العبارات التى اجتزئها من لم يفهم سبب وجودها وبات يشعل الفتن حول العمل الفنى ومن أصدره أو وزعه أو كان سببا فى انتشاره .
ولن استطرد فى طرح ما قاله هذا الملتاث ـ أقصد مهيار الباهلى ـ كما حرص المؤلف دائما على وصفه " وكان أن ابتدأ الباهلى أراجيفه الذكريات والتحليلات و أحلام العظمة ووهم قيادة التاريخ خرجت من سقف التأمل وكهوف الكتب المتراصة فى أدراج تلافيف دماغه " .
فقد انتهى به الأمر الى الجنون المطلق .
الشيوعى الآخر الفار من قهر سلطات العراق " مهدى جواد " كان دائما ما يحدث نفسه أو يكتب فى مذكراته " ستنفق أيها السيد التافه كما تنفق الحشرات الضارة قبل أن تنتقل الى وضع الهجوم المعاكس " .
" وآنذاك على الجسر وفى الساحة ومنذ هبط من الرحم جاءته الأشباح السوداء والزمان الأسود والقلب الأسود والكلاب السوداء ولم يأت القتل الجميل الأبيض " .
وذهب الى حجرته لينتحر يقطع شرايينه عسى أن يقابل الموت الجميل الأبيض يأس ما بعده يأس يذكرنا بصنع الله إبراهيم وقصصه الأولى .. تحول الشاب الذى كان دائما ما يحتفظ فى جيبه بموسى يفتح نصلها بمهارة ويستخدمها فى القتال الى بائس يستخدم نفس الموسى للتخلص من حياته .. ما الذى أحدث هذا الانقلاب .. هل هو التعذيب بالضرب والكى واطلاق الكهرباء فى أعضاءه التناسلية .. أم الغربة التى تسبب فيها زبانية الحكم العسكرى العراقى واضطرته للهرب الى الجزائر أم الغربة الداخلية وعدم القدرة على التواصل مع الآخرين أم هو حب يائس لزهرة نضرة فى بداية تفتحها وجدها فى تلك المدينة الكئيبة ويخاف عليها من هول ما يحيطها " الرقابة الخرقاء على السلوك ومن فظاظة التخلف وانحطاط العلاقات المضادة لرغائب الانسان المشروعة " .
فالحاج محمد الذى زار قبر النبى ثلاث مرات افتعل معه صراعا كادت أن تكون هى ضحيته بسبب دروس اللغة العربية الى كان يدرسها لها فى حجرته وحاول تلطيخها لدى البوليس حتى يجد المبرر لطرده من المكان فيؤجره لفرنسى بثلاثة أضعاف الأجر.
والبوليس الوطنى " تعمقت كراهيته أكثر من وحشيته إزاء البشر الذين لم يكن ليرى فيهم أكثر من عصاه أو حيوانات شرسة خارجة عن القانون ومنتهكة لحرمة الأخلاق .
والغيلان فى الشوارع يمنعونهما بألسنتهم والقيل والقال من إعلان ما بينهما من علاقات وهى مترددة من الاجهار مراعاة لما سوف يصيب لالافضيلة أمها من يزيد زوجها الجديد .

أسيا نفسها ترى أن " الرجال ماتوا والخنازير تأكل الوطن هذه بلادنا " فماذا يفعل غريب لاجئ ضعيف مسحوق إلا أن يغادر .
" فى العراق وسوريا ومصر وسائر بلاد العرب لا يوجد غير النهب والقتل والأكاذيب الحكام العرب يا خالة لالا حلاليف وطغاة وأعداء لشعوبهم هؤلاء يتحدثون عن الاشتراكية كما يتحدث الحاج محمد عن الدين ولكن كما الدين برئ من الحاج كذلك الاشتراكية بريئة من حكامنا " .
هكذا رد على سؤال لالافضيلة عندما سألته عن الاشتراكية فى العراق بعد أن سودها لها زوجها يزيد خوفا على أمواله من التأميم .
وفى " كثرة الفهم كثرة الغم " ومع كثرة الغم تصبح الحياة لا قيمة لها ولا تستحق أن تعاش .. هل استمر مهدى جواد على هذا الغم ؟
ان التقاءه الحميم بأسيا بالخضر غيره تماما .. فهو بعد أن أنقذوه من الموت وعرفت بذلك فاتنته التقيا
" وبعيدا عن الاتساق الجنسى كان يبدو عليها من خلال العطب الداخلى أنهما غريبان عن عالم " بونة " الراسى فى مرافئ السكينة والاسترخاء والماضى " .
لذلك هو يحدثها " عن تحطيم الأوثان التى أقامها الأباء والأجداد وضرورة الانفصال عن الدين والله والأخلاق والتقاليد والأزمنة الموحلة والجنة والجحيم الخرافيين وطاعة أولى الأمر والوالدين والزواج المبارك بالشرع وسائر الأكاذيب والطقوس التى رسمها دهور الكذب " .
وهكذا يتحول الماركسى المناضل فى أهوار العراق الى وجودى أوروبى تالف من أنصار كولن ولسن و " أنظر خلفك بغضب وابصق " يحطم كل ما هو قائم من أجل أن يبنى على الأنقاض عالم جديد أكثر صدقا .. لتكن صدمته التالية خيبة " حصان أتعبه الركض ليحوز قصب السبق فإذا به فى مؤخرة الجياد " .
ويغنى ثم يرقص ويسكر حتى الثمالة .. ويخرج مع أصدقائه للسباحة ليلا بعد شرب النبيذ والبيرة وتبادل ألفاظا سوقية ما أنزل الله بها من سلطان.. إن حيدر حيدر يقدم لنا بالصوت والصورة ما حدث للمناضلين الماركسيين المحبطين فى طول المنطقة وعرضها فى إيران والعراق وسوريا ومصر والسودان والجزائر وسائر البلاد التى كان بها ماركسيون ... أنبهار .. انبهار بالنظرية انبهار انبهار بتطبيقاتها اللينينيه والمادية ثم هوشى منه وجيفارا وانتهاء بالأحزاب الشيوعية فى إيطاليا وفرنسا وعندما لا تعمل التميمة سحرها بفعل جنرالات الانقلابات العسكرية يتحول الماركسي الى عدمى والبداية دائما أن يقنع امرأة مسكينة تعانى من الاضطهاد المزدوج بأن النضال هو تحطيم الأوثان .. لتكتشف أنها ما حطمت إلا نفسها عندما يعود ليراجع كل نظرياته ويهجرها.

القومية الاشتراكية الفاشية تتبدى فى فصلى نشيد الموت وظهور اللوياثان .. وفى فقرات من الفصل الأخير .
أما تلك القطعة الأدبية المذهلة فى جمالها والتى أعتقد أنها كتبت خارج سياق الرواية ثم أضيفت لها .. فهى لوحة من لوحات كاندنسكى السريالية ذات التعبير الذى لا ينسى عن ذلك العقل الشرقى " الذى استوطنته الأساطير والخرافات البدائية " فى رأيه " القادر على خلق وتطوير وإنشاء الطاغية فى محاولة دائمة من الشرق " لتجديد أساطيره وحكايته السحرية " .
والطاغية الذى يقدمه لنا حيدر حيدر سماه عبيد الله بن أبى ضبيعة الكلى تبدأ " أسطورته فى التكوين والتبلور والامتداد على مدى ربع قرن من الزمن يتداول الناس خلالها معجزات وخوارق هذه الهبة السماوية التى لا تولد إلا مرة واحدة كل ألف من الأعوام " .
ويحكى أنه قد نسجت حوله القصص والحكايات عن يوم مولده وكيف نكست أعلام ملوك الدنيا فى ذلك اليوم وكيف جاءه من نقاه أو عمده وقال له " أنت خير البشر فطوبى لمن اتبعك والويل لمن تخلف عنك ... "
وكيف أشيع فى بدايات حكمه أنه " وريثا لقوة وسطوة البارى فى الأرض الى أن يقضى الله بك أمرا كان مكتوبا " .
ثم كيف دارت الأيام وأتت أزمنة مهلكة وكان قد ألقى " فى روعه من خلال أحلام الجنون الوردية أنه وريث الفرسان القدامى الذين انتصروا فى القادسية وحطين ودقوا أبواب بواتييه " .. ثم كيف هزم جنوده أمام الأعداء فى أول تجربة حرب " وسيعود جنوده الناجون مشتتين محطمين ومعفرين بالغبار والدم والعار " فتأتى " سنوات عجاف سنوات الظلمة والمسوخية والهوان والجوع والجرب والجراد والجنون سنوات المقتلة " .
عن من يتكلم حيدر حيدر هل يصف ما حدث لموسولينى ثم هتلر أم يقصد نابليون أو ستالين .. فى الغالب يقصد ملوك المغول والتتار انه اللوياثان كما جاء فى الكتب القديمة والحديثة .
و أخيرا ... بطل رواية حيدر حيدر يقول عن نفسه " لكننى ملحد كما تعرفين الشرف والبكارة و أخلاق المسلمين فى مؤخرتى من عشرات الأعوام " .
أخص .. أخص .. أخص يا مهدى ..
عندما بدأنا نكتب حذرنا الذين تعاطوا هذه الحرفة قبلنا من التابوهات الثلاثة الجنس .. السياسة .. الدين وبترتيب خطورتهم بمعنى أنه يمكن التسامح فى الجنس جزئيا فى السياسة ولكن لا تسامح مع الدين .
ولكن عندما نضجنا أكثر واستطعنا أن نتخطى عقبة اللغة وقرأنا ديستيوفسكى و أندريه جيد وجابرييل جارسيا ماركيز صدمنا بالكسر المثلث للتابوه ولم نتأثر أو تتغير مفاهيمنا .. وعندما جاءتنا روايات محمد شكرى وحنان الشيخ والماغوط .. ثم عبد الرحمن منيف وغالب هلسا وجدنا أن كل منهم قد كسر تابوه ما فإذا أضفنا الطاهر وطار وعبد الوهاب البياتى وصنع الله إبراهيم نجد أن هناك رواية حديثة تشكلت بعد أن طرد كل منهم الرقيب من عقله ليبدع .. أما حيدر حيدر فلسوء حظه أنه تعدى الخط الأحمر لقد ضرب التابوهات الثلاث وكان من الممكن أن يظل سرا بين المثقفين كعادتهم يقرءون لبعضهم بعضا ولا يزيد .. ولكن لسبب بنفس يعقوب أشعلت النار ونفخ فى الكور لتزيد التهابا والآن لقد وضعنا حيدر حيدر أمام معضلة طالما التففنا حولها متجاهلين هل نترك للكاتب حرية مطلقة يعبر فيها عن رأيه أو حتى هواجسه وكوابيسه أم نضع فى رأسه رقيبا يمنع ويزجر ويوقف أى تدفق يمس التابوهات الثلاث .
اين تقف ؟ مع حرية التعبير حتى لو اختلفنا مع صاحبه أو مع الضوابط والسدود .
فى الغرب لم يحد هناك إلا المحدود من السدود سواء فى الكتابة أو السينما أو المسرح أو وسائل الإبداع الأخرى فانطلقت الأفكار السوية والمريضة المبهرة الأصيلة والمقلدة الممجوجة وعلى الإنسان أن يختار أما فى الشرق فلازال طائر الإبداع فى قفصه يرتعد من ترسانة القوانين ثم نعجب لماذا لم نحصل إلا على جائزة " نوبل " وحيدة .

رواية وليمة لأعشاب البحر عمل فنى من النوع الحديث الذى يستخدم فيه المؤلف كل الأدوات الممكنة بما فى ذلك الخطب السياسية والمنشورات المحرضة لأشخاص بؤساء يعيشون محنة الشرق العربى والمغرب العربى من أقصاه فى العراق الى أقصاه فى الجزائر وهم أمام الظلم والطغيان واللامعقول يتصرفون فى بعض الأحيان بشكل سريالي
حتى أثناء أفراحهم واحتفالهم ولكن لازال هناك من يحاول اختراق الطبقات الصلبة المحبطة يتبدى فى الأجيال الحديثة التى لم تشهد مأساة البداية وتحتار بين العروبة والغرب .
قد نتفق أو نختلف مع أفكار المؤلف وبالتأكيد سوف نختلف مع بعض التحليلات أو النتائج ولكن يبقى للمؤلف شرف المحاولة و أمانة التسجيل.



#محمد_حسين_يونس (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المصريون و متلازمة ستوكهلم
- لحسن الحظ الكلاب و القطط متوفرة
- منظومة الإنكماش و العصيان المدني
- وباء إنقلابات العسكر
- مصطفي صفوان و تطوير اللغة
- و أصبح شهبندر التجار من الضباط .
- ذكريات مسن في الثمانين(2 )
- ذكريات مسن في الثمانين
- كراتين الأحسان في إستاد القاهرة .
- إنت من الأشرار يا علي
- كفاية إنجازات إلهي يسعدكم
- نعم .. إسرائيل هي العدو
- إنتبهوا الإنقراض السادس قادم
- أحزان (مارس ) سبعين سنة عساكر
- عندما نغترب في بلدنا
- تقدم و إرتداد الحركة النسوية عبر قرن
- علم إستئناس الشعوب
- تأملات في المسألة المصرية
- متي نفتح جرح الهزيمة وننظفه
- الحكام يأكلون الحصرم و الناس تضرس


المزيد.....




- انفجار سيارة مفخخة يسفر عن مقتل خمسة أشخاص في مقهى بمقديشو
- مدفيديف يعلق على نجاة ترامب من محاولة الاغتيال وحظوظه بالفوز ...
- سرقت جوازه في مصر.. القضاء الكويتي يحبس دكتورة مصرية 5 سنوات ...
- -بعد نجاته من محاولة الاغتيال-.. ترامب يعلن عن تلقيه -هبة إ ...
- -حزب الله- يعلن تنفيذ 4 عمليات نوعية ضد الجيش الإسرائيلي عند ...
- وفاة رائد الإذاعة الكويتية الإعلامي خليل إبراهيم (صور)
- جهاز الشرطة البيئية في ليبيا يراقب قياسات الانبعاثات بعد انف ...
- بلدة صغيرة في ولاية بنسلفانيا تشهد طفرة في مبيعات السلع التي ...
- ليبيا.. حبس مدير شركة طيران بتهمة تسهيل الهجرة غير الشرعية ل ...
- 5 قتلى و20 جريحا بانفجار سيارة مفخخة في مقهى بمقديشو


المزيد.....

- فكرة تدخل الدولة في السوق عند (جون رولز) و(روبرت نوزيك) (درا ... / نجم الدين فارس
- The Unseen Flames: How World War III Has Already Begun / سامي القسيمي
- تأملات في كتاب (راتب شعبو): قصة حزب العمل الشيوعي في سوريا 1 ... / نصار يحيى
- الكتاب الأول / مقاربات ورؤى / في عرين البوتقة // في مسار الت ... / عيسى بن ضيف الله حداد
- هواجس ثقافية 188 / آرام كربيت
- قبو الثلاثين / السماح عبد الله
- والتر رودني: السلطة للشعب لا للديكتاتور / وليد الخشاب
- ورقات من دفاتر ناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- ورقات من دفترناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- الفصل الثالث: في باطن الأرض من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حسين يونس - وليمة لأعشاب البحر .