أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسن مدن - ثقافات لا ثقافة واحدة















المزيد.....

ثقافات لا ثقافة واحدة


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 6782 - 2021 / 1 / 8 - 10:03
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


ثمة فيلم سينمائي، ليس جديداً هو فيلم: "باريس، تكساس" للمخرج فيم فندرز. المخرج ألماني، التمويل أمريكي، والتوزيع أيضاً تتولاه شركة أمريكية، لكن الفيلم يقدم رؤية أوروبية حول موضوع أمريكي.
ثمة ازدواجية أو ربما تناقض في الأمر يكمنان في صناعة الفيلم: استثماره وأرباحه من ناحية، وفكرته من ناحية أخرى. فيلم بإنتاج أمريكي وتسويق أمريكي ولكنه يطرح فكرة تتصل بإبراز الهوية الثقافية المستقلة إزاء الهيمنة الثقافية الأمريكية: أمريكا تُسوق أوروبا داخل أوروبا.
هذا مثل ساقه أحد المشاركين في ورشة "الثقافة والعولمة والنظام العالمي" الصادرة في كتاب، ليبرز الآلية المعقدة للعلاقة بين ما هو وطني أو محلي وما هو عالمي أو معولم، أو بتعبير بعض الدارسين: المحلية المعولمة. ثمة أمثلة أخرى في هذا السياق: في مسابقة الأوسكار في سنة ليست بعيدة منحت جائزة لهيئة السينما القومية الكندية في ذات الوقت الذي كانت فيه اتفاقات التجارة الأمريكية-الكندية تهدد عمليا بالقضاء على ما تبقى ما خصوصية للثقافة الكندية.
في أواخر عام 1989 عرضت الحكومة الفرنسية ورقة توضح موقفها من المعضلة ذاتها. وزير الثقافة آنذاك جاك لانج استجاب لحقيقة أن ثلثي دخل تذاكر السينما في فرنسا يذهب للأفلام الأمريكية، ورغم أنه وطوال تاريخ السينما الفرنسية كانت توجد قيود حكومية بل وحصص لاستيراد الأفلام الأجنبية بهدف رئيسي وربما يكون وحيداً: الحد من نفوذ الأفلام الأمريكية داخل فرنسا، فإن تلك القيود كانت موجهة فقط لعدد الأفلام المعروضة، وبالتالي فإنها كانت قاصرة عن معالجة الإقبال الكبير على الأفلام الأمريكية من خلال الأشرطة واسطوانات العرض الممغنطة، مما جعل المسئولون الفرنسيون عن الثقافة وكذلك الساسة يفكرون في إيجاد وسائل أشد فاعلية لتحقيق ما يصفونه بـ "إنقاذ السينما الفرنسية".
وإذا كان الحديث هنا يدور عن بلد راسخ الثقافة والتقاليد الفنية مثل فرنسا، فكيف سيكون فيه الحال في ثقافات بلدان أخرى فقيرة وتعاني من التهميش؟
ثمة مثال أخير: موسيقي ياباني شهير كتب مرة مقالاً في صحيفة أمريكية بارزة فحواه أنه داخل أمريكا لا أحد يشتري منتجات الثقافة الأجنبية، غير الأمريكية، فيما يشتري اليابانيون طوال الوقت الموسيقى الأمريكية.
لا تتضمن مثل هذه الآراء بالضرورة موقفاً سلبياً من المنتوج الثقافي الأمريكي، وإنما تنبه إلى ذلك الخلل الكبير في عملية التبادل الثقافي على النطاق الكوني لمصلحة ثقافة واحدة، مما يعني طمس التعدد والتنوع في الإبداعات الإنسانية في مجالات الأدب والفن والموسيقى والسينما.
بعض الأطروحات التي ترتدي لبوساً فلسفياً، تحاول الترويج لانتصار النموذج الثقافي الأمريكي، عبر تصوير الثقافة الأمريكية، التي تُقدم على أنها في حالة حرب مع "الهمجيات" الآتية من الشرق، ولأن النصر معقود للحضارة المتقدمة، كما يحاول دعاة هذه الأطروحات الإيحاء، فان التفوق الذي يحظى به نموذج الحياة الأمريكي المدعوم بشبكة اتصال هائلة ومتشعبة وبتدفق لا سابق له في الصور يبدو طبيعياً، ولا يجب أن يثير حفيظة أحد.
لكي يبدو هذا الطرح مقبولاً، كان لا بد من تعضيده بالتسويغات الأيديولوجية التي راجت في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وبروز نظام الأحادية القطبية، حين جرى الترويج، من خلال نظرية نهاية التاريخ، وهي بالمناسبة ليست ابتكاراً خاصاً بفوكاياما، فقد راجت هذه النظرية في فترات القلق والضياع في التاريخ الفلسفي.
كان هيغل بالذات قد تحدث في زمنٍ البعيد عن مثل هذه النهاية وهو يسوق للسلطات البروسية التي رآها كمال العقل والمنطق، وفي عهد الرئيس كيندي في ستينات القرن العشرين أحاط به مجموعة من أساتذة جامعة هارفرد في الاقتصاد والفلسفة الذين روجوا لانتصار الحلم الأمريكي الذي يتوج مسيرة البشر.
لكن التاريخ لم ينته عند هيغل ولا عند أساتذة هارفرد. ظل هذا التاريخ يشق طريقه صعوداً وسط تخبطات وحروب ومآسي وكوارث، وكذلك نجاحات وانتصارات هنا وهناك. وتبدو نظرية فوكاياما أمراً شاحباً بالقياس للمنظومة الفلسفية المعقدة لهيغل، لكن الآلة الدعائية التي توفرت لفوكاياما لم تتوفر لهيغل في زمنه.
لكن فوكاياما ذاته عاد بعد نحو عقد من إطلاق أطروحته، فعبر عن خيبة أمله في النظرية التي اقترحها، وأبدى ندمه لأنه كان حتى عهد قريب في قوام المحافظين الجدد الذين قدموا التنظير الفكري البائس للنهج الذي سارت عليه الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة.
على أن التعدد الثقافي، رغم كونه معطى موضوعياً قائما على ما في هذا العالم من تعدد في الأقوام والحضارات والأديان، لن يصمد من تلقاء نفسه، إن لم تسنده برامج واستراتيجيات لحماية الثقافات الوطنية وأشكال التعبير الرمزي للشعوب والأمم المختلفة، بما فيها فولكلورها الشعبي، والعناية بأنظمة التعليم فيها ، التي يجب أن تولي عناية خاصة للحفاظ على اللغات القومية للشعوب المختلفة، ذلك أن طوفان العولمة الثقافية الراهن يهدد بالقضاء على عشرات، لا بل مئات من اللغات في مناطق العالم المختلفة، أمام الهيمنة شبه المطلقة للغة واحدة هي اللغة الإنجليزية في نسختها الأمريكية.
وليس ثمة اعتراض في أن تكون هناك لغة عالمية أو أكثر، تشكل جسوراً ثقافية ولغوية بين شعوب العالم، شريطة ألا يكون الثمن الباهظ لذلك هو تدمير تراث غني وعميق لشعوب عديدة على الكوكب تتكلم وتبدع وتعبر عن نفسها بلغات أخرى.
وهذا الأمر يعنينا في العالم العربي بدرجة رئيسية، حيث تتشكل ظروف جديدة تجعل من اللغة العربية غريبة في ديارها، إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فمع تردي المنظومة التعليمية التي تشرف عليها الحكومات، واتساع نفوذ التعليم الخاص الذي يستوعب النخب من التلاميذ الذين يتلقون تعليمهم باللغات الأجنبية، فيتخرجون متمكنيين مما درسوه من مواد، لكن بجهل يكاد يكون كلياً للغتهم الأم.
حسب الدكتور المنجي بوسنينة الأمين العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم فإن هناك أكثر من مائتين وثمانين فضائية عربية، لكن عدد المتخصصة منها في الشأن الثقافي لا يكاد يكون أكثر من واحدة أو اثنتين. جل هذه المحطات يتقدم نحو تقديم المادة الترفيهية نحو غرائز المشاهد، لا نحو ذهنه وذائقته، وفي كثيرٍ من الأحيان، فإن ذلك يتم بصورة لا تخلو من السوقية والابتذال والرخص، وإذا ما استثنينا بعض المحطات ذات الطبيعة الإخبارية، التي صارت تبث باللغة الانجليزية، فإن هذا العدد الهائل من المحطات بطبيعتها “الترفيهية” يتوجه إلى المشاهد العربي وحده.
علينا، بعد ذلك، أن نحس بالشفقة على هذا المشاهد من هذه الجرعات الكبيرة من التفاهة الموجهة إليه، وأن نتخيل أي تأثير تتركه هذه النوعية من البرامج في تشكيل سلوك وتفكير المتلقين.
يكثر الحديث في المنتديات الإعلامية والثقافية العربية عن أهمية وجدية الحوار مع الآخر، في ظل تزايد الشكوى من الصورة النمطية الرائجة في العالم الآن، خاصة لدى الرأي العام الغربي، عن العرب والمسلمين، وهي صورة تقرنهم بالإرهاب والعنف، إلى الدرجة التي تجعل من كل عربي ومسلم إرهابياً محتملاً، تجب معاملته بحذر وصرامة.
ومسؤولية صُناع الصورة الإعلامية في الغرب عن تكوين هذا الانطباع عنا لدى الرأي العام في بلدانهم جلية، ولا حاجة للبحث عن براهين عليها، لكن مسؤوليتنا في عدم الدفاع عن أنفسنا، عبر السعي لتبديد هذا الانطباع، ليست قليلة.
من شروط الحوار مع الثقافات الأخرى ليس التعرف إليها وترجمة إبداعاتها فقط، وإنما القيام بالعملية العكسية التي لا تقل أهمية، أي ترجمة آدابنا ومنتوجنا الفكري إلى اللغات الأخرى، وتسويق هذه الترجمات، لتنبيه العالم إلى أن هذه المنطقة مصهر للفكر والثقافة، لا مجرد مستودع للإرهاب كما يريد البعض أن يقدمها للعالم.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,229,905,486
- التفكير (الجديد) قديم أيضاً
- التقدّم أم التوحش؟
- حاتم علي
- عن لغة العرب
- وقفة مع الذات في بداية العام
- هاكرز التاريخ
- بين التعددية والخصوصية
- إبداع الأمس.. إبداع اليوم
- جدل الدولة والأمة
- ذكي وحنون
- البابا ذو الخف الأحمر
- (وطن) الفلسطيني
- حداثات لا حداثة واحدة
- رفع الأشخاص على الأكتاف
- الأمية أنواع
- توليد الجدل
- لبنان وموسيقى تايتانيك
- غطرسة الثقافة
- سرفانتس العاشق
- تصدّع حوامل الحداثة العربية


المزيد.....




- اللجنة العسكرية -5+5- في ليبيا: لا نملك الولاية القانونية لإ ...
- إيران.. مقتل شرطيين اثنين على يد مسلح غربي البلاد
- حطام صاروخ صيني يسقط فوق أستراليا ويضيء سماءها
- هل أصبح اختطاف تلاميذ المدارس مصدر رزق للعصابات الإجرامية في ...
- ديك يقتل صاحبه خلال مصارعة للديوك في الهند
- تعرف على أول مسلم يتولى زعامة حزب سياسي كبير في بريطانيا
- هل أصبح اختطاف تلاميذ المدارس مصدر رزق للعصابات الإجرامية في ...
- الكاظمي يوجه بتشكيل لجنة عليا للتحقيق في أحداث ذي قار
- 8 آلاف زهرة تستقبل فصل الربيع في الصين... فيديو
- -هل ضربت بالصواريخ-... قناة عبرية تكشف تفاصيل مثيرة بشأن است ...


المزيد.....

- الخطوط العريضة لعلم المستقبل للبشرية / زهير الخويلدي
- ما المقصود بفلسفة الذهن؟ / زهير الخويلدي
- كتاب الزمن ( النظرية الرابعة ) _ بصيغته النهائية / حسين عجيب
- عن ثقافة الإنترنت و علاقتها بالإحتجاجات و الثورات: الربيع ال ... / مريم الحسن
- هل نحن في نفس قارب كورونا؟ / سلمى بالحاج مبروك
- اسكاتولوجيا الأمل بين ميتافيزيقا الشهادة وأنطولوجيا الإقرار / زهير الخويلدي
- استشكال الأزمة وانطلاقة فلسفة المعنى مع أدموند هوسرل / زهير الخويلدي
- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسن مدن - ثقافات لا ثقافة واحدة