أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ناجي - رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب (4-2) !!!















المزيد.....


رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب (4-2) !!!


محمد ناجي
(Muhammed Naji)


الحوار المتمدن-العدد: 6719 - 2020 / 10 / 30 - 11:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


واجه العراق ويواجه اليوم أزمات وتحديات خطيرة سياسية/اجتماعية/اقتصادية/ثقافية ، تهدد حتى وجوده ، وفي كل هذا لاشك أن للمثقف دور وعليه مسؤولية ، فهو المنتج للفكر والأدب والفن والعلوم والرأي أيضا ، وليس عبثا أن يسمى (ضمير الأمة - صانع الرأي). ولتجاوز الدخول في موضوع تعدد وتغيّر (تعريف المثقف) ، لذا نوجه السؤال انطلاقا من تعريفك وفهمك للمثقف ودوره :

١ - هل ترى أن المثقف العراقي اليوم بمستوى دوره ومسؤوليته ؟
٢ بعيدا عن تأطير الابداع ، هل ترى ضرورة لوجود خطاب ثقافي عراقي عام في ظل فوضى المواقف والمفاهيم المشوهة ؟

!!! هذه الحلقة خاصة لأن الصديق والباحث عقيل الناصري أضاف لها نكهة وبعدا آخر في دراسة موثقة عن الانتلجنسيا في العراق ننشرها في جزئين ، ثم طرح بعدها رأيه في الأسئلة موضوع الحوار مع هوامش البحث في الجزء الثالث .

(٢)

أن وعي الذات من قبل المحوريين من الانتلجنسيا الصاعدة .. وتطلعهم نحو الأرحب في الانتماء والتأصيل المعرفي لها ، بما يلائم الواقع الاجتصادي المتجسد مادياً في ماهيات نسبة تطور قوى الإنتاج الاجتماعي ، وتجاوز التفسيرات اللاهوتية للظواهر الاجتماطبيعية .. من العوامل المهم في الازدياد الكمي والنوعي لهذه الفئة . هذا الظرف الموضوعي وعتهُ كتلة من مثقفي العراق العضويين (بعضهم من التقليديين والحداثويين) الذين لهم مكانتهم في الوسط الاجتماثقافي. وفي هذه الظروف والمتغيرات البنيوية وتلك الابعاد الاقتصادية للعراق الحديث أفرزتا صيرورة نشوء فئة متميزة في بنيتها وفي نمط عقليتها وتصوراتها وبالتالي في :
- مشروعها التحرري ؛
- وأفقه التاريخي ؛
- وفي ماهيات حراكها الاجتماسياسي والفكري ؛
- ومنهجها العلمي المقترن بالمفاهيم العلمية ؛
- والوضعي وآواليته (ميكانيزم) ؛
- ودورها في تثوير ثيمة التنوير ووجهة الآخر أيضاً .
أي في جملة هذا، عملت هذه الفئة من المثقفين على الأنسنية التي حسب تعريف ماكس هوركهايمر وثيودور ف. أدورنو ، في عبارات قصيرة دالة : "... يعتبر التنوير ، وعلى مرّ الزمن ، وبالمعنى العريض تعبيراً عن فكرة التقدّم ، وهدفه هو تحرير الإنسان من الخوف وجعله سيداً . أما الأرض التي تنوّرت كلياً ، فهي أرض تشعّ بشكلٍ يوحي بالانتصار . كان برنامج التنوير برنامجاً يهدف لفك السحر عن العالم . لقد أراد التحرر من الأساطير وأن يحمل للمخيّلة سند العلم ".. وهذه الفئة وهي الانتلجنسيا العراقية (الافندية أو فئة المثقفين) ، كما يحلو د. علي الوردي أن يطلق عليها ، والتي تنحدر بدرجة كبيرة ، من الطبقة الوسطى المدينية بمختلف فئاتها .
كما تميزت الانتلجنسيا العراقية وتأثرت عميقاً بالنهضة في كل من مصر وسوريا ، لأن الظروف السائدة آنذاك قد حرمتها من المستلزمات الضرورية لإنعاش النهضة الفكرية، إذ سادت سياسة القمع ، بخاصة الفكرية ، سواءً من قبل الدولة العثمانية أو/و من قبل المؤسسات التقليدية وسطوتها الاجتماعية والفكرية ، حيث سيطرت اللحود (؟) على عقول أجيال معرفية كاملة ولعدة قرون ولا تزال لدى العوام من الناس ، مما ادى إلى توطين سيادة اليقينية الميثولوجية والاسطورة الدينية على مجمل التفسيرات الاجتماعية والطبيعية العقلانية والعلمية . فبالإضافة إلى تكون الحاضنة الأراسية لنشوء هذه الفئة وهي الدولة المركزية .
فهنالك عوامل أخرى ساعدت على بلورة الانتلجنسيا العراقية (وهو) ظهور الصحافة والتعليم والطباعة والاذاعة والتلفزيون ، تلك الادوات التي تتشكل بها الانتلجنسيا بخاصة في مراحلها الأولى . وعلى مستوى الصحافة فقد ظهرت أول صحيفة عراقية هي الزوراء في السادس عشر من يونيو/حزيران عام 1869 كبداية لتأسيس الطباعة العراقية التي عدت مرحلة جديدة للطباعة والصحافة في العراق في العهد العثماني ونواة للمرحلة التي تلتها في العهد الملكي . ثم أخذ التعليم في العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الى بلورة نخبة جديدة طابعها ترسخ على أسس ثقافية من خلال ظهور المدارس الحديثة على الرغم من العثمانيين وضعوا أسس التعليم الرسمي الحديث إلا أنه لم يصل الى مرحلة التأثير الفكري والثقافي في بنية التعليم في العراق .
أما الناحية التعليمية وانتشار المدارس فعلى قلتها ، كانت الأمية في مطلع القرن المنصرم على نسبة عالية تفوق الـ 90% من مجموع السكان ومن ثم انخفضت نسبتهم إلى حوالي ثلاثة ارباع السكان حسب احصاء 1957 . في حين قال مصدر أخر : " ...انطوت صفحة الحرب العالمية الأولى ولم يزد عدد المتعلمين في العراق على 1% من مجموع السكان إذ لم يكن الأتراك جادين في تعليم رعاياهم العرب...". وإستناداً إلى عبد الرزاق الهلالي "...كان مجموع الطلبة عام 1914 يبلغ 19499، منهم 600 طالبة و 378 طالباً في المدارس الحكومية ، و 2663 طالبة و 8020 طالباً في المدارس الأهلية والدينية والاجنبية وكان هناك 1338 طالباً في المدارس العسكرية... ".
أن وعي الذات من قبل المحوريين من الانتلجنسيا الصاعدة .. المتجسد في الدعوة لجملة من الغائيات التطورية من أهمها ، كما نعتقد :
- إشاعة وتحبيذ الفكرة الاستقلالية ؛
- تحديد ماهية الهوية العراقية ؛
- مناصرة الحق الطبيعي والمكتسب للمرأة في المساواة ؛
- دخول الأفكار الحديثة وبالأخص ذات البعد المساواتي والتشاركي ؛
- حق الأمة في اختيار نظامها الدنيوي على وفق نظرية العقد الاجتماعي وليس الحق الإلهي؛
- التمرد العقلاني ضد الشعوذة الدينية والقيم البالية و تفسيراتها للظواهر الاجتماطبيعية ؛
- المشاركة السياسية للقوى الاجتماعية الحديثة وبخاصة العضوية منها (كجماعة الأهالي) ؛
- دعوة البعض منهم إلى الحرية الاقتصادية والليبرالية في الاقتصاد ؛
- وتبلور الجناح الراديكالي في حركة اليسار ، وتمثل بالحزب الشيوعي العراقي .

لا بل حتى حاضنتهم السياسية (قوى الاحتلال الأول) متمثلةً بالمس بيل والتي كانت "... تخشى المثقفين والمتعلمين وتريد إبعادهم عن الهيمنة على الحكم ، إذ رأت فيهم مصدرا لاحتمال مناهضة الحكم البريطاني في العراق وبسبب وعيهم وروحهم الوطنية ولذلك كانت تفضل شيوخ العشائر على الأفندية لحكم البلاد .. ومثل هذا التقدير دل على الوعي الطبقي الذي تمتع به ممثلوا الامبريالية البريطانية حينذاك وفهمهم الواسع لطبيعة العلاقات الطبقية الاجتماعية التي سادت العراق حينذاك ... ". ومع هذا الموقف فقد كانت الإدارة البريطانية مضطرة بالاستفادة من خبرات وخدمات هذه الفئة ، بغية إملاء مؤسسات الدولة الوليدة التي يفترض إدارتها من قبل أبنائها وبرعاية دولة الانتداب البريطاني .
ومن الضروري تبيان الصيرورة التاريخية لهذه الفئة الاجتماعية وبالتحديد التقليديين منهم، وصراعها مع المتنورين ، لابد من الإشارة إلى أن أجنتها موجودة قبيل الاختراق الغربي للدولة العثمانية بأجيال عدة ، ضمن المستويات العليا للمؤسسة الدينية التقليدية، فقد "... كانت فئة العلماء تحتكر المعرفة والنشاط الفكري ... وقد كان التكوين الفكري لهذه الفئة في القرن التاسع عشر لا يختلف عن التكوين الفكري الذي ساد منذ أيام الغزالي في القرن الثاني عشر ، والذي استند إلى القرآن والحديث والشريعة وقواعد اللغة ... وعلى العموم فقد بقي أطار المعرفة التقليدي محتلاً مركز الوعي الجماعي المحافظ على القديم والمناهض للجديد ، حتى بدأت محاولات الاختراق الأوروبي للامبراطورية العثمانية عبر منافذ مختلفة ، كان في مقدمتها البعثات التبشيرية ، فبدأت معها منظومة الأفكار والقيم الثقافية الجديدة تدخل مخترقة الإطار المعرفي التقليدي المحافظ ... ". أي أن الاختراق الغربي للدولة العثمانية قد بلور هذا الصراع بين التقليديين والحداثويين ، وقد جرى ذلك خلال ظروف انتقال المجتمع العشائري المتشظي وسيادة العلاقات ما قبل الرأسمالية ، إلى نمط انتاجي سادت فيه تعددية الأنماط ، وكانت الغلبة فيه للنمط شبه الإقطاعي في الريف في المرحلة الملكية ، أما في المدينة فقد سادت بدايات تشكل أنماط متعددة منها : النمط الرأسمالي الخاص ؛ ونمط رأسمالية الدولة الوطنية ذو التأثير المتصاعد بإعتبار أن الدولة العراقية الحديثة كانت ولا تزال هي أكبر قوة اقتصادية ، سواءاً مالكة ومستهلكة في الوقت نفسه .. وهذا النمط تزامن مع صيرورة تعمق الاندماج والتبعية للسوق الرأسمالية العالمية المتمركزة بالعالم الغربي آنذاك ، والتي تمحورت ، نسبيا ، كالتي رفعتها الانتلجنسيا الأوروبية في صراعها ضد الكنيسة والإقطاع في القرون الوسطى . لقد كان من أهم رجال التنوير ، نسبيا ، ذوي رسالة التمدن والتحضر والمدنية في العقود الثلاثة من القرن المنصرم ، ضمن قوام المؤسسة التقليدية الدينية :
- المرجع الديني الإصلاحي البارز محمد حسين النائيني حيث لعبت نظريته في حق الأمة في اختيار نظامها الدنيوي ، دوراً كبيراً في تثوير الفكر السياسي الإسلامي لما أسسته هذه النظرية من أبعاد فكرية تمثلت في جوهرها بكونها تقوم على مبدأ العقد الاجتماعي والفصل بين الزمني التاريخي والروحي ، كذلك بين الفكر الديني والمقدسات الدينية ، بين النص وتأويله . كما أوضحت خطورة دور الاستبداد الديني في عرقلة نهوض الشعوب الإسلامية .
- الشيخ أحمد الداوود وهو من الداعين إلى ضرورة الاهتمام بالمرأة وتعليمها والمطالبة بالحرية الفكرية والاهتمام بالمشاكل الاجتماعية بل حتى برزت هنالك صيحات تطالب بالنظام الجمهوري خلافاً للرؤية البريطانية .
- هبة الدين الشهرستاني كرائد فكري يسير تجديده بطريقة تلائم البيئة الاجتماعية التي عاش فيها رغم أنه كان يريد من العلوم الحديثة أن تلحق بالدين وتواكبه وتتفق معه.

وقد استكملت هذه الحلقة بحلقات تجديدية أخرى من خارج المؤسسة التقليدية الدينية ، كان من أهمها حسب تسلسل ظهورهم التاريخي ، فكانوا يتألفون من :
1- المتنورون من المدارس التقليدية : الذين تأثروا بقوة بمجموعة المفكرين الإسلاميين المجددين من أمثال جمال الدين الافغاني ، محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي .. وكان بعض المتنورين دعاة متحمسين للدستور ومناهضين الى الاستبداد والحكم المطلق ، ودعوا إلى ضرورة تنوير الناس بالعلم والمعرفة . من هؤلاء : هبة الدين الشهرستاني ، وعبد المحسن الكاظمي ومحمد رضا الشبيبي وأخيه محمد باقر ومحمد سعيد الحبوبي وعلي الشرقي وغيرهم من الذين خلقوا مدرسة جديدة في التفكير التقليدي ؛
2- رواد الفكر الليبرالي : الذين عملوا من أجل فتح نافذة في الواقع العراقي الساكن اجتماعياً وفكريا ، ومنهم : (انستاس ماري الكرملي وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي ونظيمة صدقي الزهاوي وبولينا حسون والطبيب حنا الخياط والصحفي ميخائيل تيسي وغيرهم ) ؛
3- التنظيمات السياسية والجماعات الفكرية : وحراك مضامين المؤسسات الجديدة التي ظهرت بعد تأسيس الدولة المركزية والتي كانت من مستلزمات التأسيس ، كان منها : قانون الجمعيات والأحزاب لسنة 1922 ، الذي سمح بتأسيس أحزاب سياسية وجمعيات ونواد ثقافية واجتماعية مثل : الحزب الوطني برئاسة الزعيم الوطني محمد جعفر ابو التمن ، وحزب النهضة المعارضان وغيرهما من أحزاب السلطة ، التي أخذت جميعها بهذه الدرجة أو تلك ، بصورة واعية أم غير واعية ، على عاتقها (تثوير) الحالة الساكنة في ماهيات العلاقات الاجتصادية والسياسية والفكرية، حسب منظورها وفلسفتها لمستقبل العراق .
4- من الذين رُفِدوا راديكالياً في العشرينيات التنظيمات المؤسساتية : كرواد الفكر المساواتي الاجتماعي (رواد الفكر الاشتراكي) ذوي النزعة التقدمية و نظرتهم المادية للظواهر الاجتماطبيعية المقترنة بالمفهوم العلمي وببعدها التاريخي من أمثال (جماعة متدارسي الأفكار الحرة 1920 ؛ وحسين الرحال ومجموعته 1924) ومنهم من تأثر بالفكر الاشتراكي ومنهجه المادي الجدلي . وللعلم أن حسين الرحال ومجموعته لم يكونوا قد استوعبوا النظرية الماركسية بذلك العمق والشمولية التي تؤهلهم لتفسير الواقع المادي المتحرك للبلد وسبل تطوره اللاحق . بمعنى آخر كانوا روادا للفكر المساواتي والعدالة الاجتماعية وانطلقوا من البعد الإنساني ذي الملامح الطبقية للفكر الاشتراكي معتمدين منهجه الجدلي في تحليلاتهم . "...وكانت أهدافهم تنصب حول عدة قضايا أبرزها : بذل اقصى الجهود للتثقيف والتأهيل الفكري وايجاد حل لأبرز القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تواجه البلاد ، نبذ الفكر الرجعي الذي كان شديد التأثير في الحياة الاجتماعية ، نشر الفكر التقدمي ، العمل من أجل الحصول على أداة لتثقيف المجتمع وترويج المسائل السياسية والاجتماعية ، النضال ضد الوجود والسياسة البريطانية في العراق ... "، كذلك جماعة الأهالي التي مثلت الجيل الثاني من الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي والتقدمي وساهموا في إنضاج الظروف الموضوعية لذاتهم وذات الانتلجنسيا .
5- المجموعة الراديكالية : المؤسسة لجمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار ، ومن ثم الحزب الشيوعي العراقي (1935) حيث قدموا لفئة الانتلجنسيا العديد من الكوادر المثقفة ثقافة انسانية الطابع .
6- النوادي والجمعيات الثقافية :
وعلى الرغم من الطابع التسلطي للدولة العراقية الوليدة وسيطرة من ذوي الأصول العسكرية على المفاصل الأرأسية لمؤسسات الدولة ، فقد كانت ولادة المجتمع المدني من مستلزماتها رغم استقلاله النسبي عن الدولة بذاتها من الناحية النظرية . وعليه فيمكن تأرخة ذلك من خلال نشوء منظمات المجتمع المدنية ومنها النوادي والمنتديات الثقافية والجمعيات الخيرية وجمعيات مكافحة الأمية والمنظمات المهنية .. من قبيل : نادي النهضة النسوي ؛ نادي التضامن ؛ نادي بغداد ؛ جمعية الجوال العربي ؛ نادي المثنى ؛ وجمعية مكافحة الأمية ... الخ . وجرى تأسيس جمعية المحامين في بغداد عام 1930 وأخرى طبيبة عام 1934، بالاضافة إلى عدد من نوادي المعلمين والموظفين . كما تشكل عدد من الجمعيات التجارية وجمعيات العمال من ضمنها: جمعية أصحاب المقاهي 1933، جمعية البقالين 1929، جمعية تجار السمن والفواكه والخضر 1933، الجمعية التعاونية للحلاقين 1934، جمعية السواق 1929، جمعية عمال المطابع العراقيين 1930، جمعية الخياطين 1929، جمعية الدباغين 1930، جمعية عمال ورش السكك الحديدية، وجمعية الحرفيين..." .
لقد آلت الموضوعات إلى تمحور هذه الصيرورات الحياتية من الصراع يمكن تلخيصها في : النزعة العلمانية ؛ الحاكمية للشعب ؛ حرية المرأة ؛ مفاهيم الاستقلال الاقتصادي والسياسي ؛ العدالة النسبية في توزيع الثروة ، وغيرها من الرؤى التي مثلت جميعها النافي الموضوعي والطبيعي للرؤى التقليدية ، بمختلف صورها وقواها السياسية. فكما أثبتت الحياة فعاليتها المعتمدة على ماهيات الواقع العراقي المعاصر من "... إن فكرة (الوطنية الاجتماعية) هي المدخل إلى نزعة (العلمانية السياسية ) لدى العراقيين ، وهنا افترض أن المسافة بين قطب (الوطنية) وقطب العلمانية ليست مسافة خالية أو قصيرة أو مباشرة ، بل تتخللها منظومة من الخصائص الإدراكية والانفعالية والقيمية المتراكمة تاريخيا في شخصية الفرد العراقي ، والتي تعمل على إيصال القطبين ببعضهما تأثيراً وتأثرا ، أهمها :
- تفتحه العقلي ، وتدينه الهادئ غير الأصولي ، وقدرته على تقبل المستجدات .
- نزعته النقدية الجدلية التي تمنعه من التقولب والجزمية (الدوغماتية) .
- يقظته الذهنية التي تجعله مشككًاً بل وساخراً من أي سلطة تدعي (القدسية) من دون أن تحقق أي خير عام للناس .
- قدرته على التعلم السريع ، أي استنباط المواعظ من التجارب .
- حسه الذوقي الجمالي الذي يجعل من الفن لديه قيمة وحاجة نفسية عليا تتناقض مع أي نزعة دينية أصولية تقنن له أحاسيسه ووجدانه .
- نزعته الدنيوية ممثلة بالاستمتاع بالخيرات الحسية الحياتية المتنوعة (جودة الطعام ، وأناقة الملبس ، وحب الطبيعة ، والرغبة بالنزهة والسياحة).
- ميله للتعبير الحر لفظياً وسلوكياً (الغناء والشعر والنقاشات السياسية) .
- والأهم من كل ذلك، الوعي الحضاري المتنامي لدى عموم العراقيين بأن حياتهم لن تستقيم إلا بوجود حكام دينهم النزاهة والقانون والعلم ... ".

وتأسيساً على ذلك وما طرحته ظروف تأسيس الدولة وصيرورة الانتقال المجتمعي، فقد لعبت هذه الفئة الاجتماعية وبخاصة العضويين منهم (حسب مفهوم غرامشي) الدور الكبير والخطير في تاريخية العراق المعاصر، نظرا لقدرتها على تبني الأفكار المعاصرة والحداثوية والملائمة لذاتية الحراك المادي المرغوب وصيرورات تحققها، أنهم حملة الوعي للافكار المستقبلية ، منذ تكويناتها الجنينية في مطلع القرن العشرين ، حتى وسمت ذاتها بذاتها في حراكها الارتقائي الاجتماسياسي والفكري وطورته من فئة لذاتها إلى فئة في ذاتها .. تجلى ذلك بوضوح عندما تبنت ، عضويا ، وطرحت الاشكاليات الاجتماعية الكبرى التي كانت تعج بها الحياة العراقية على امتداد التاريخ المعاصر .
وعلى الرغم من الطابع التسلطي للدولة العراقية الوليدة وسيطرة من ذوي الأصول العسكرية على مفاصل مؤسسات الدولة ، فقد كانت ولادة المجتمع المدني من مستلزماتها رغم استقلاله النسبي عن الدولة بذاتها من الناحية النظرية . وعليه فيمكن تأرخة ذلك من خلال نشوء منظمات المجتمع المدنية ومنها النوادي والمنتديات الثقافية والجمعيات الخيرية وجمعيات مكافحة الأمية والمنظمات المهنية . وتعني ماهيات فكرة المجتمع المدني ، هو : "... أن قسماً من المجتمع له حياته الخاصة التي تختلف اختلافاً جلياً عن الدولة وهو مستقل عنها إلى حدٍ بعيد ... فإن للمجتمع المدني ثلاثة مكونات : أولها ، قسم من المجتمع يتألف من مؤسسات (اقتصادية، دينية، ثقافية، وسياسية) يمكن تميزها عن الأسرة ، العشيرة ، المنطقة ، والدولة . والثاني يتألف من علاقات معقدة خاصة بين المجتمع والدولة ومجموعة متميزة من المؤسسات التي تحمي وتحافظ على الفصل بين الدولة والمجتمع المدني وتبقي روابط فعالة بينهما . أما الثالث ، فهو نمط واسع من السلوك المهذب أو المتمدن ... ".
إذن يكمن في هذا النضال الذي تقوم فئة الانتلجنسيا في كل هذا الكم النوعي المتعدد الأوجه من المتغيرات .. توج ذاته نسبياً في اطار مشروع رباعي الأبعاد وكانت فكرة التسامح قرينته ، من خلال اتساع منظمات المجتمع المدني ، اغلب عناصره متكونة نسبياً من :
وضعي – عقلاني – علمي – علماني .
وضمن تفاعل الأهداف التنويرية المنطلقة من :
إنسان – العقل – العلم - الطبيعة
تبلورت هذه العناصر وتجسدت في الارتقاء بالوعي الاجتماعي وتجلياته السياسية والحقوقية والفلسفية والجمالية والدينية ، لدى القطاعات المتنورة ... ".


يتبـــــــــــــــــــــع



#محمد_ناجي (هاشتاغ)       Muhammed_Naji#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب ( 4-1 ...
- رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب ( ...
- رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب ( ...
- رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب
- العافية درجات … خذ وطالب !
- كلمات في الوقت الضائع !
- الشارع أفضل من (سويف خلف لا يهش ولا ينش)*
- قبل الواقعة أسئلة ... وبراء من المغفلين !
- باختصار ... أبجد هوّز !
- كلمة في اللاموقف !
- التطورات القطرية العربية إلي أين .. تعرف علي التفاصيل
- هرم الخراب ... بالمقلوب !
- سامعين الصوت .....
- إلى من يهمه الأمر ... طريق التغيير سالك !
- باختصار ... أيها المثقف ... كن شجاع ولا تدس رأسك في التراب . ...
- إشارة ...
- المسكوت عنه في الثقافة العربية ... ارتزاق المثقف !
- كلمات على جدار الاستبداد *
- شكراً ستوكهولم ... وصلت الرسالة !
- حيص بيص برلين ... آسف فقدتم مصداقيتكم !


المزيد.....




- أول تعليق من السعودية على الهجمات الإيرانية على كردستان العر ...
- أول تعليق من السعودية على الهجمات الإيرانية على كردستان العر ...
- روسيا تصادق الجمعة على ضم مناطق أوكرانية والولايات المتحدة ت ...
- نورد ستريم- الناتو يندد بـ-تخريب متعمد- وروسيا تتحدث عن -عمل ...
- موسكو ترد على اتهامها بالوقوف وراء ما تعرضت له أنابيب السيل ...
- الجيش الإسرائيلي يقتحم مدرسة في الخليل (فيديو)
- استطلاع: 59% من الديمقراطيين يعتقدون أن على بايدن الترشح لول ...
- الخارجية الإيرانية تستدعي القائم بالأعمال الفرنسي في طهران
- كوريا الشمالية تطلق صاروخا غير محدد باتجاه بحر اليابان
- زاخاروفا: يجب أن تعترف الولايات المتحدة الأمريكية بشنها هجما ...


المزيد.....

- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ناجي - رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب (4-2) !!!