أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (22) الأخيرة















المزيد.....


يسرا البريطانية (22) الأخيرة


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6703 - 2020 / 10 / 14 - 21:42
المحور: الادب والفن
    


بكت طوال الليل، لم تغب صورة وجهه وهو يمسك بيدها الصغيرة وهي بعمر التاسعة، يعبر بها الثكنات العسكرية وقت الإجازات، رأت وجوه الضباط والجنود، ينظرون نحوهما وهي تلحق به مبتسمة، كانوا يحسدونه على امتياز حرية الدخول والخروج من المعسكرات الفولاذية التي لا يسمح بمجرد التجوال فيها، لم تتوقف عيناها عن الدموع، دموع حرقة القهر والمرارة "كيف تركني وحدي في هذا العالم؟" ساحت مزيد من الدموع منها وهي تبحث في عقلها الباطن الميت منذ طمرته الهجرة الوحشية عن نجوى وفراس وسام "هل مازالوا أحياء يرزقون؟" ظلت تجفف الدموع حتى لاح خيط الشمس الأول فأغمضت عيناها مع علمها بأنها لن تنام.
عند العاشرة جاءت فتاة وطرقت الباب عليها، بدت من ملامحها أنها شقيقة ريم ابنة الشيخ جاسم، كانت قد لمحتها من وقت لآخر تعبر الممرات وتظهر في التجمعات وتعود وتختفي، بدأ الغموض لها عندما وقفت الفتاة البالغة من العمر الرابعة عشرة، وخاطبتها بلهجة بدت باردة وإن لم تخلُ من ود عاطفي قائلة.
"يصبح عليك بابا ويقول تجهزي بعد ساعتين للذهاب إلى مستشفى لفحصك"
فتحت لها الباب لتودعها فلمحت صباح يقف خارجاً منتظراً الفتاة، ألقت عليه التحية وسألته مستفسرة رغم علمها بمنع الاستفسار أو الشرح فيما يتعلق بكل ما يأمر به الشيخ.
"أوامر الشيخ لا تناقش"
وحين لمح علامات الاستغراب بادرها قائلاً.
"اليوم العيد، كل سنة وأنت طيبة"
اتسعت عيناها وابتسمت لوهلة ثم قطبت حاجبيها وكأنها تتلقى مزحة لم تتوقعها، لكنها أيقنت بأن الأجواء التي شاهدتها طوال الليالي المنصرمة بالليل والأنوار والزحمة وكل هذه الحركة بين الناس، كانت لرمضان الذي لم تتعرف على وجهه الحقيقي منذ غادرت الزبير وعبرت الحدود وتشردت عبر الملاجئ والخيام "حتى في بريطانيا كنت أشعر به أكثر"
"هل من الممكن أن أعيد على الشيخ؟"
عندما أشعل سيجارة وهو يهم بصعود السيارة، تطلعت لوجهه وقد أغرتها السيجارة وتمنت لو تنتزعها من يده، لكنها أسرعت برفع نظرها للنافذة الجانبية للسيارة، لترى ثلاث سيارات أخرى جيب متوقفة خلف سيارتهما من تلك التي عادة تحضر للمهمات الخاصة، شعرت بأن ثمة مهمة لا علاقة لها بالعيد، فقد كانت تتلمس من خلال الأخبار والتوتر على الوجوه، اشتعال حرب على حدود كردستان، بدا ذلك واضحاً على الوجوه وفي التحركات ومن خلال القلق الذي تملك الشارع في أربيل، بدا صباح في سلوكه، مختلفاً هذه اللحظة، فقد ظهر عليه التوتر من دون أن يتمكن من إخفائه كما اعتاد، انطلقت السيارة بسرعة تقطع المسافات دون التزام بمسار واحد، في الطريق شاهدت عربات مسلحة وسيارات مكشوفة يقودها رجال البشمركة وقد اعتادت على رؤيتهم مؤخراً بكثافة، كلما توغلت السيارة ومن خلفها بقية السيارات الثلاث في قطع الطريق والخروج من الأماكن المأهولة، زادت أعداد العربات المدرعة وبدا التوتر على وجوه المارة.
"كل هذا الطريق للعيد"
التفت نحوها ورأى في وجهها تساؤل، ابتسم وقال بنبرة من يريد التمهيد لشيء قادم، ويخشى أن يكشف عنه.
"الأحداث تتوالى في العراق كله، وعليك أن تعتادي التنقل منذ اليوم"
"أنت تخيفني يا صباح"
" ومن قال أن لا أحد خائف اليوم؟ ليس في العراق فحسب بل في المنطقة"
"ماذا يجري بحق؟"
تمعن في وجهها وقال ضاحكاً.
"لو لم تأتِ من طرف الشيخ، لشككت بأنك عميلة للبريطانيين"
زاد من سرعة السيارة ثم انحرف للطريق البري المؤدي للخروج من حدود المنطقة، مضى علي انطلاق السيارات ساعة وبضع دقائق وبدأت حشود وجموع بشرية تتدفق عبر الممرات والطرق الفرعية، كانت هناك مجموعة من الحفارات تتجه نحو الحدود مع محافظة نينوى، لفت ذلك انتباهها وبدأ يساورها الشك فيما يجري على الطريق، حينما رأى التساؤلات على وجهها بدلها بالابتسامات المقتضبة، وعاد ينظر أمامه للطريق، ظلت تتابع عبر المرآة الجانبية السيارات الأخرى التابعة خلفهما وكلما أسرع صباح أسرعت السيارات ذاتها.
"هذه الحفارات تتجه للحدود من الإقليم إلى محافظة نينوى في المناطق المتنازع عليها، لترسيم الحدود"
تبرع بالشرح هذه المرة من دون أن تسأل غير أن نظراتها تكفي للتعبير عن أسئلتها الملحة، كانت هناك أرتال من سيارات وعربات بعضها قادم من المحافظة وبعضها متجة للداخل..
"هل نحن متجهون للموصل؟"
سألته هذه المرة وهي تراقب تزايد العربات الناقلة لجنود البشمركة وعربات البيكب الأخرى المسلحة.
"الموصل تشهد حالياً حرباً شرسة"
ضحكت قائلة.
"وهل سنحتفل بالعيد هناك؟"
"على ما يبدو"
بعد فترة من معايشتها له، بدأت تدرك مزاحه من جديته، كان هذه المرة يمزح ويخفي حقيقة هذه الجولة التي خمنت بأنها واحدة من حملات التنقل التي دأب رجال العشائر عموماً ورجال الشيخ جاسم خصوصاً على تتبعها للفرار من قوات النظام، بدأت السيارات تنحرف باتجاه الغرب، وللحظة خيل لها سماع أصوات انفجارات، ولكنها أيقنت من أنها أصوات أخرى لا يمكن تميزها لبعدها عن المكان، حين أخرج صباح هاتف الثريا الجوال وراح يتحدث من خلاله مع الطرف الآخر لاحظت كلمات مثل الحمدانية وسنجار، فأدركت مدى الفجوة التي تفصل بينها وبين "كينغستون"، كان واضحاً لها بعد كل هذه المسافة الطويلة التي امتدت طوال النهار بأنهم متجهين نحو مكان سري، ولكنها تعرف بحسب ما قال الرجل من قليل بأنها منطقة حرب فلماذا الذهاب إليها.
عندما وصلت السيارات عند نقطة تجمع بالقرب من سلسلة بنايات تقع على الجانب الفرعي من الطريق العام، خرجت أعداد كبيرة من سيارات أخرى بدا أنها كانت بالانتظار، اندمجت السيارات كلها في قافلة واتجهت عبر طريق يمر بسلسلة أحياء وأزقة ثم اختفت داخل تلك الحلقات الطويلة من البنايات والملاجئ والثكنات، بعدها قطعت طرقاً وعرة حتى انتهت عند أحد الأحياء الواقع تحت سيطرة مجموعة هائلة من المسلحين تدعمهم عربات مدججة بالأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة.
"يبدو أنني وقعت من جديد تحت السلاح"
رد عليها صباح وهو يضحك.
"يبدو أنك لم تتخلصي بعد من السلاح"
ما طمئنها وأثلج صدرها، بل وزرع في نفسها البهجة حينما لمحت من على بعد الشيخ جاسم بهيبته يقف وسط عدد من الرجال ويحيط به عدد آخر من المسلحين فيما كانت هناك ثلاث سيارات سوداء من نوع مرسيدس، خفق قلبها وشعرت برغبة شديدة لو تخرج من السيارة وتهرع نحوه، ثم اكتفت بأمل أن يلتفت من على بعد ويلمحها لتقوم بتحيته على أقل تقدير.
خرج صباح من السيارة وتركها وحدها ليعود بعد بضعة دقائق ويركب السيارة وينطلق بها.
"سترتاحين هنا الليلة بعد هذه الرحلة الشاقة، وغداً سنحتفل بالعيد"
"ماذا يخرف هذا الصباح؟" تساءلت بداخلها وقد ساورها الشك في رؤية الشيخ، لقد كانت تأمل بسماع صوته ولقاء نظراته الثاقبة، نظرات الصقر يرنو بشموخ وهيبة كما رسمتها منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناها عليه، أين تنام الليلة؟ ولماذا هذه الرحلة أصلاً إن لم يكتب لها رؤيته وقد بلغت المسافة بينهما بضعة أقدام؟ "على أي حال عيدك مبارك وكل عام وأنت بخير يا شيخ الشيوخ" قالت تلك العبارة في داخلها واستسلمت لقرار صباح الذي بدا لها هذه المرة قاسياً عليها.
مسحت بنظرة خاطفة الغرفة التي خصصت لها، مرت على الجدران المطلية باللون البني الفاتح، لا صور ولا لوحات، حيطان خرساء لا تنطق سواء بالصمت، سرير عريض وثير بدا لها أنه امتياز، رغم ما توحي به البناية من قدم، رأت حقيبتها وقد وضعت في زاوية بقرب دولاب كبير من الخشب الأصلي وبجانبه مرآة وكنبة للراحة، لاحظت وجود باب مغلق في طرف المكان، فتحته ووجدت الحمام وقد أعد بصورة لائقة، إذ احتوى على كامل أدوات الاستحمام والمناشف النظيفة، الأرضية فرشت بسجادة أعجمية في الوسط ظهر عليها القدم لكنها بدت ثمينة وخمنت بأن المكان كان يسكنه أفراد ذوي أهمية أو نفوذ، دفعها حدسها لتخمن بأن الشيخ أشرف بنفسه على إعداد هذه الغرفة ولكنها عادت وتساءلت في داخلها، لماذا تجنب رؤيتها لدى وصولها بالرغم من وجودها على بعد أقدام منه؟ وخلال تأملها للمكان من حولها طُرق الباب وظهرت امرأة خمسينية العمر حيتها وشرحت لها المكان ثم قدمت لها كيساً صغيراً من دون أن تشرح ما فيه، تركتها بعد أن أطلعتها بأنها على مقربة منها تقطن نهاية الممر وقالت بلهجة ودية قبل أن تغادر.
" الإفطار والغداء والعشاء، سيكون مرتباً وإذا احتجت أي شيء أنا موجودة واسمي نجاة"
بعد أن غادرت استلقت على الفراش وقد وجدته مريحاً وصحياً بعكس الأسرة الفندقية التي كانت تقوم على مدى سنوات بترتيبها، مرت برأسها صور الفنادق، سواء التي علمت فيها كخادمة أو التي قطنتها كنزيلة وسيدة وأعمال "لم أذق طعم السعادة، لا وأنا خادمة بالفنادق ولا أنا كسيدة تقطنها، يا لي من منكوبة" ضحكت وكأنها راضية على ما أصابها، خيل لها لحظة، وهي واقفة وحيدة على قطعة يابسة في محيط مظلم شاسع بلا نهاية، وفوقها سماء رمادية ومن حولها البحر صامت إلا من أمواج وحيدة يائسة، تصورت أنها بلغت النهاية مع هذه الغرفة التي لا تدل على طريق يرتجي منه الخروج، لا باب يؤدي لمكان "كل الدروب أقفلت في وجهي" "كينغستون" تبحث عنها كإرهابية، والجماعات المسلحة تطاردها كخارجة على القواعد وتملك الأسرار، والمخابرات تعتقد أنها مشبوهة، الخارجية البريطانية تعتبرها مواطنة مارقة والشيخ جاسم تجاهلها رغم عاطفتها الجارفة نحوه من غير أن يحس بها " أنا أقبع هنا وحدي"
استلقت على الفراش تحيط بها الأفكار، ابتعدت بها، أخذتها نحو مدينة حلب والجامعة والأساتذة والعم الذي اختفى مثل والدها من على الخريطة البشرية "لماذا يختفي كل الذين أعرفهم؟"
لثوانٍ أو دقائق أو ساعات، لا تشعر، غابت في غيمة أشبه بالغفوة، لعل التعب والإرهاق والوهن الذي أصابها طوال السنين أُختزل في هذه الغرفة الوحيدة المعزولة بين كردستان ونينوى، كانت تحلم بالعودة للزبير ولكن قطار الزمن توقف بها عند هذه النقطة الحدودية داخل الوطن، وكأنه بخل عليها بالسكن في الوطن فوضعها داخل حدود الوطن ذاته، نهاية العبور، استكان جسدها الواهن من التجوال واللجوء، ليكتفي بهذه الغفوة الخاطفة في مكان لا تعرف أين تكمن نهايته.
في الخارج خيم الظلام على المكان، فيما برزت النجوم ساطعة في السماء وكأن أعدادها ازدادت، كانت هناك بعض السيارات والعربات المسلحة تحيط بالمكان، انخفضت درجة الحرارة وقل الغبار في الهواء الساخن الذي كان يهب، تسمع من حين لآخر أصوات محركات السيارات وبعض الأحاديث بين الرجال، ومن جهة مقابلة فاحت رائحة طبخ للطعام رغم الساعة المتأخرة من الليل وبرزت نكهة القرفة مميزة، كان الهدوء غريباً يبعث على الريبة، ثم سمعت أصوات راحت تتصاعد إلى أن برزت بضعة سيارات اتضح أنها تنقل بعض الجرحى لا يُعرف من أين؟ ولمن؟ لكن الضجيج بدأ يسود وانكسر حبل الهدوء مع انبثاق أضواء حادة لبعض السيارات التي راح عددها يزداد، وسط كل هذه الضجة كانت يسرا تغط في غفوة لا تُمَيز إن كانت حلماً أم كابوساً أو هائمة في ملكوت الفضاء الشاسع كأنه الكون اختزل بأكمله في هذا المكان.
بعد ساعات على الهدوء دوى صوت انفجار هائل تردد صداه في الأرجاء رغم بعد المسافة التي بدا من ارتداده، لم يعبأ أحداً، غير أن المرأة الغافية في الغرفة فتحت عينيها وتلفتت حولها تتأمل المكان كما لو لم تكن هنا من قبل، لم تنهض ظلت تتململ في الفراش من دون رغبة في النهوض إلى أن سمعت طرقاً خفيفاً توقف بعد برهة، نهضت وسارت نحو الباب تفرك عينيها.
"صباح الخير يسرا"
لم يكن شبحها، كانت هي بلحمها وشحمها ولكنها ارتدت هذه المرة حجاباً لم يخف ملامحها ولم يغير من سماتها وإن قلل من بريقها الذي كانت تبرزه بالماكياج، سمر يام، تقف أمامها وابتسامتها الحانية المعتادة ترتسم على شفتيها ونظرتها الأنثوية ذاتها، وقفت يسرا برهة مشدودة نحوها وتغيرت أساريرها وبدا لون البهجة يطبع سحنتها ولم تخف سعادتها التي طغت على صوتها وقد انحبس بداخلها، ألقت بجسدها عليها تحتضنها قبل أن تفسح لها الطريق للولوج، فيما طوقت سمر يسرا بين ذراعيها ومضت برهة اعتصرت كل منهما الأخرى كما لو تمنع كل منهما الثانية من الهرب

****
"سوف نخرجك من هنا عن طريق ترانزيت إلى البحرين، لنا هناك لوبي وطني يحتضن كل الزبيريين"
خرجت ضحكة صغيرة ساخرة من يسرا لفتت انتباه الأخرى التي تطلعت نحوها مستفسرة عن مغزى تلك الضحكة التي بدت لها سريالية في مثل هذا الموقف.
"الوحيد الذي تزوجته في حياتي هناك وقد أقمت في البحرين بضعة أشهر كنت خلالها بمثابة مومس عنده، ليست ذكرى جميلة تنتظرني هناك"
أمسكت سمر يام بيدها تواسيها وقد بدت على طبيعتها بعد أن خلعت الحجاب وظهر شعرها مسرحاً بعناية وقد طلته باللون الذهبي الفاتح وبدت نحيفة بتنورتها السوداء الطويلة وقميصها الوردي القاتم.
"ترانزيت حتى يتم ترتيب سفرك إلى بريطانيا بعد إنهاء التحقيق حولك، جوازك موجود معنا وهناك اتصالات ستتم لعدم تسليمك للسلطات هناك، سيبدو الأمر كما لو أنت قمت بتسليم نفسك لهم وهو ما سيسهل عودتك بصفتك مواطنة بريطانية"
وضعت يسرا كلتا يديها على وجهها وراحت تمسحهما به، كانت تعصر ملامحها وهي تبحث عن معنى للحديث الذي يدور، برهة ثم التفت بحركة خاطفة وهي تقول بنبرة متسائلة.
"ماذا جرى بحق؟"
نهضت وراحت تسير في الغرفة وقد استطردت قائلة.
" كل هذه الأحداث التي قادتني لعتبة الإعدام، ما معنى كل ذلك؟ ما هي التضحية التي قدمتها؟ أذكر كلامك عن العودة للزبير، لم أر سوى المطاردة والهروب والقواعد التي يتحدثون عن كسري لها، هل تصدقين.."
توقفت بعد أن اختنق صوتها وكادت تخنقها العبرة فيما كانت الأخرى تتأملها ببرود ولم يحرك ذلك ساكناً فيها حتى عادت يسرا مستطردة.
"هل تصدقين؟ كدتُ أعدم لأنني فقط كشفت النقاب عن وجه امرأة معي في التنظيم، وهي بالمناسبة كانت صديقة لي في المدرسة"
فتحت سمر يام حقيبتها السوداء ذات الماركة العالمية وأخرجت علبتها الحمراء من السجائر وقدمت واحدة ليسرا التي اقتربت منها، سحبت قطعة وحين أشعلت الاثنتان سيجارتهما قالت سمر مازحة.
" منذ متى لم تدخني؟"
"لا تغيري الموضوع، ليس من البساطة أن أدعك تهربين مرة أخرى من دون إجابات، انظري لحالي، خسرت كل شيء ولم يعد لي وطن، لا هنا ولا في بريطانيا ولا حتى في الآخرة، من حقي أن أعرف سري أين يكمن؟"
نهضت سمر وراحت تجول في المكان وتنفذ دخان سيجارتها ثم التفتت نحو الأخرى قائلة.
"لم آتي هنا للإجابة على أسئلتك، أنا في مهمة ولابد من إنجازها، أُخرجك من هنا ولكن قبل ذلك لابد من إنجاز مهمة أخرى بانتظارك"
أطفأت السيجارة في صحن صغير كان بقربها على الطاولة وأضافت قائلة.
"عندما تنتهين من هذه المحنة، ويصفو الجو من حولك، ستجدين الإجابات عن كل شيء"
حل صمت مطبق على المرأتين، طالت فترة تبادلهما النظرات، لم يبدو على يسرا أنها اقتنعت، كانت هادئة وهي تتطلع لسقف الحجرة وتجول بنظراتها في المكان، ذهبت للطاولة الصغيرة وتناولت علبة سجائر سمر وأشعلت سيجارة أخرى وبادرت بالحديث من جديد.
"ألن يتم اعتقالي والتحقيق معي في لندن؟
"أنت في نظرهم إرهابية ولن تفلتي من التحقيق وربما الاحتجاز ولكن ستظلين مواطنة لها حقوق"
فكرت للحظة في مايك، لو كان موجوداً وله علاقاته فقد يمتص ردود الفعل من قبل السلطات البريطانية، وفيما هي تفكر استأنفت الأخرى الحديث.
"بالطبع ستوكلين محامين"
في هذه الأثناء رن هاتف سمر التي تطلعت فيه فقفزت من مكانها كما لو سرقها الوقت.
"أنا هنا معها وهي مستعدة للجولة"
أقفلت الخط لترفع رأسها في وجه يسرا التي كانت تتطلع إليها وتبتسم، هزت رأسها قائلة بلهجة ساخرة.
"فخ جديد سأنزلق فيه؟"
أمسكت بيدها تحتضنها وقد بدا عليها التأثر العاطفي.
"يسور، أنا هنا لمساعدتك، لن أتخلى عنك، أنت تعتقدين أنك أفلتِ من الإعدام صدفة؟ كنا نتابعك ولا تشكي في أننا تخلينا عنك"
"من تقصدين كنا؟"
"لا أستطيع التصريح لأني نفسي لا أعلم التفاصيل ولكن كُنت على الأقل أعلم بأن هناك من يعمل لإخراجك من الحلبة"
ردت يسرا بسرعة.
"المظلمة"
"المظلمة"
نظرت سمر لساعتها ثم حثتها على التحرك"
"وهل هذه المهمة سرية أيضاً؟"
"في غاية السرية"
"الله يستر، كتب علَي المجازفة، لا أعلم إلى أين تقودني خططكم؟"
دَلفت الحمام لبرهة فيما تبعتها سمر نحو باب الحمام وخاطبتها قائلة.
" لا تحتاجين للتبرج، هل معك حجاب؟"
جاء صوتها من داخل الحمام مختلطاً بصوت المياه.
"سآخذ حجابك"
ضحكت الأخرى قائلة بنبرة مازحة.
"استعارة فقط"
****
( 12 )

مع حلول المساء لم تخف حدة الحرارة، ترك وهج الشمس المستسلمة للأفول الطقس ساخناً تنبعث منه رائحة الغازات والأبخرة الغريبة، وزاد من احتقان الجو طبقة الغبار التي اختلطت بالتراب الذي ينثره الهواء في الجو، توقف صوت دوي القصف، كان قادماً من البعيد ولم يمنع قافلة من خمس سيارات في حراسة عربتين مسلحتين من التوغل في الطريق الصحراوي الذي انقطع بعد برهة من السير لتدخل القافلة في سلسلة ممرات متعرجة تحيط بها سلسلة أخرى من البنايات يتربص أعلاها رجال مسلحون، بدوا في هيئة قناصة، كانت القافلة تسير فيما عدة اتصالات هاتفية عبر هواتف الثريا يجريها البعض، بينما قبعت يسرا وسمر يام في مؤخرة سيارة الجيب الحمراء من طراز "الهمر" وكان يقودها رجل طويل القامة أشعث الشعر وبجانبه جلس صباح ومن أمامهما وخلفهما عدة سيارات.
ظلت عينا يسرا معلقة بالخارج تمسح الطريق وتمعن النظر في كل ما يمر بها من صور ومشاهد وقد تملكتها الدهشة والغرابة، راحت تتبادل النظرات بصمت مع سمر التي اكتفت بين فينة وأخرى برسم ابتسامة مقتضبة على وجهها تريد من خلالها زرع الهدوء والطمأنينة، وخلال دقائق أضيئت أنوار السيارات وسمع هديرها وسط المكان فيما خيم الصمت على الوجوه بداخلها، وعند مفترق طريق يقع بوسط دوار واسع تحيط به صفوف من البنايات تتداخل مع بعضها البعض مشكلة ما يشبه الحي السكني، افترقت بعض السيارات وتوزعت على المكان لتتوغل سيارة "الهمر" ومن حولها سيارتين داخل طريق ضيق يحرسه مسلحون، بدا قلبها يخفق وشعرت بأن ثمة صوت للرصاص قد ينطلق بين لحظة وأخرى فالهدوء والصمت والتوتر يوحي بخطورة المنطقة وحساسيتها "ماذا يجري هنا؟" كانت في غاية الدهشة من جلبها مع كل هذه المجموعة، وما أهمية وجودها؟ تبادلت النظرات مع سمر التي جلست بجانبها صامتة كالصنم، يدل وجهها على جهلها هي الأخرى بما يجري، وهذا ما أوحى لها بخطورة المهمة.
"ستكون هذه آخر مهمة لك"
تطلعت يسرا نحو صباح الذي كان يبتسم، مما بدد التوتر عنها بعض الشيء، لم ترد عليه واكتفت بالنظر في وجهه وقد ساد المنطقة هدوءاً تاماً باستثناء بعض الأصوات لمسلحين توزعوا على الطريق وعلى الأبنية.
توقفت السيارات عند رقعة في بقعة زراعية تحيط بها غابة كثيفة من الأشجار والنخيل ويحرسها ثلاثة من المسلحين يرتدون الزي الرسمي للجيش، لم تميز من خلاله ما إذا كان للجيش العراقي أو لجيش آخر، لكنها اكتفت بالمراقبة إلى أن هبط صباح مشيراً للجميع بالانتظار، تسلل داخل الرقعة الزراعية فيما ظلت السيارة متوقفة ومحركها يعمل "خوفي من المجهول طوال عمري"ساد الظلام المنطقة باستثناء بعض الأضواء الباهتة تنبعث من مصابيح يدوية ومن نقاط تفتيش موزعة في البقعة، عاد صباح وأشار ليسرا وحدها بالهبوط، نظرت باتجاه سمر وكأنها تستعطف خروجها معها، ولكنها أدركت من أن وجودها معها كان فقط لمرافقتها مع الرجال حتى لا تكون وحدها.
ظلت تسير مع صباح ورجل آخر مسلح وسط طريق من الأشجار يوصل لمنزل كبير متعدد الزوايا بدا كأنه مثلث، ومن اتجاه آخر بدا كأنه مربع، ظهر قديماً بعض الشيء من الخارج.
"ستلتقين بالشيخ الذي دبر خروجك من البلاد لمكان آمن"
لم يخفق قلبها هذه المرة فحسب بل كاد يتوقف عن النبض لشدة الخفقان المصاحب لوقع الخبر، كانت تود لقاء الرجل بأي مكان ولكن لم يخطر ببالها أن تلتقيه في هذه الرقعة المعزولة من الأرض، لكنها خمنت بأن الرجل يأتي إلى هنا باعتباره المكان الآمن لعمله السري الذي لم تعرف قط ماهيته، شعرت بالعرق ينزلق بين أبطيها وخشيت أن يلتصق قميصها بجسدها الرطب، كانت الحرارة عالية والطقس يبعث على الاختناق ورجفة تسري في قدميها تكاد تعيق سيرها بجانب صباح.
"الحرارة مزعجة"
قال صباح ذلك وهو يقودها داخل الممر المؤدي لدهليز هو الآخر مفتوح على ممر آخر يقود بدوره للصالة التي توقفا عندها، ظهر رجلان مسلحان يحرسان المكان، ازدادت ضربات قلبها وبدا سيرها يتعثر وهي تتخيل نفسها تقف مع الشيخ الذي طالما حلمت بالجلوس معه.
"انتظري هنا"
فتح الباب وغاب لبضع دقائق كانت خلالها واقفة تنتظر وتمسح حبيبات العرق عن جبينها بيدها "لولا الوضع القائم لعشت إلى جانبه طوال العمر" ضحكت على نفسها من الفكرة التي بدت لها واقعية رغم التعقيد فيها، خيل لها أن تكون مع أم صقر في منزل واحد حتى لو كانت مجرد مقيمة بالدار، طاف أمامها شبح ريم الابنة المتمردة التي تهوي الأسلحة وشعرت بأنها تنتمي لهذه العشيرة الكبيرة وتقضي بقية عمرها فيها تعويضاً عن الزمن المهدور الذي مضى وحيدة في هذا العالم المتوحش.
عاد صباح وقد كست وجهه بهجة طارئة وبدا متأهباً لشيء، اقترب منها وقال وقد بدا ثغره باسماً كمن يتوقع منها ردة فعل على انتظارها.
" تفضلي"
قادها عبر صالة واسعة، توقعت أن يفتح الباب وترى وجه الشيخ جاسم، لكنها فوجئت بباب آخر يقود للأسفل ثم سرداب طويل فرش بسجاد بني وتحيط به بعض اللوحات الطبيعية، بعضها لمناطق من البلاد، سار الاثنان حتى وصلا صالة كبيرة دلفا منها وبدا رجلان مسلحان يحرسان باب خشبي طلي باللون الصحراوي، توقفا لبرهة، نظر إليها وقال بهدوء ولهجة باردة.
"مستعدة؟"
هزت رأسها واهتز كيانها بالكامل، نظرت لقميصها، كانت تخشى أن يتسرب العرق إلى القميص ويلتصق بجسدها ولكنها نزعت الفكرة من داخلها وهي تتحضر لنظرات الشيخ الحادة التي تعرفها.
طرق صباح الباب وانتظر لثوانٍ، قلبها يصارع الخفقان، شعرت ببرودة شديدة تأتي مع فتح الباب، كان المكان مكيفاً، أحست بارتياح مع ظهور الشيخ جاسم يستقبلها بنظرة حادة ولكنها تضمنت في محتواها حنان الدنيا كلها، شعرت من تلك النظرة بأن الرجل يحتويها بعطف لم تر مثله من قبل، لم تدم تلك النظرة أكثر من خمس ثوانٍ حين أفسح لها المجال أمامها وهو يقودها لصدر المكتب الواسع الذي وجدت نفسها فيه، فاجأها وجود رجل آخر وراء المكتب يجلس بملابس الجيش وقد اختفى وجهه وراء لحية كثة غطت ملامحه بالكامل ولم يظهر منها سوى بعض التجاعيد عند حدود خديه وأسفل انفه الطويل الحاد الذي يذكرها برجل تعرفه من قبل، لوهلة تبادلت النظرات بين الشيخ والرجل القابع على المقعد الجلدي الطويل خلف المكتب الكبير الذي يضم الأوراق والملفات أمامه، ومن خلفه رسم لخرائط وبيانات، تحيط به أدراج ورفوف بالإضافة لصور معلقة عل الجدران لمدن وقرى من الوطن، تبدد شغفها بالشيخ وقد وجدت من انتزع منها المفاجأة برؤية الشيخ جاسم، حارت في التركيز بين الاثنين.
تقدم منها الشيخ ونظر نحوها ثم نظر للرجل العسكري الذي نهض عن كرسيه وتحرك من وراء المكتب نحوها، طال النظر فيها بوجهه الذي تكسوه التجاعيد الصلبة رغم لحيته الكثيفة وأنفه الحاد وبرزت عيناه متقدتان كأنهما جمرتين مشتعلتين، تقدم منها بضع خطوات ولحق به الشيخ جاسم وقدمه لها قائلاً بنبرة حاسمة.
"جبار الشريف"

للرواية بقية .....

****

يسرا البريطانية

( 1 )

ما زالت الأحداث جارية حتى هذه الساعة




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,015,572,483
- خريف الأخبار الغامضة!!
- يسرا البريطانية (21)
- يسرا البريطانية (20)
- يسرا البريطانية (19)
- يسرا البريطانية (18)
- كعبة الشمس البرتقالية...!
- يسرا البريطانية (17)
- أنا والله وتغاني ...
- يسرا البريطانية (16)
- يسرا البريطانية (15)
- أي نحس ثقافي؟!
- يسرا البريطانية (14)
- رؤيتي المغايرة لأيلول الأصفر....!!
- يسرا البريطانية (13)
- يسرا البريطانية (12)
- يسرا البريطانية (11)
- يسرا البريطانية (10)
- نيويورك تايمز كذبت ضد صدام حسين...
- يسرا البريطانية (9)
- من مستنقع السياسة، إلى أزهار الثقافة...لنجرب!


المزيد.....




- بسبب مقاطع -خادشة للحياء-.. الكويت تقبض على فنانة عربية!
- نوال الزغبي تعلق على تكليف الحريري: هذه فرصته الأخيرة
- المصارع حبيب نور محمدوف يعترف: أحب كرة القدم أكثر من فنون ال ...
- فيلم -عقيدة - يتصدر الإيرادات العالمية
- دوبلاج أفلام الكرتون للغة العربية.. أصوات صنعت طفولتنا
- بوتين يهنئ المشاركين في فعاليات الذكرى 150 لميلاد الكاتب بون ...
- شاهد: الحي الصيني في لندن يتزين بالفوانيس للترويج لفيلم &quo ...
- لندن: دار الأوبرا الملكية تبيع لوحة -هوكني- لتتجاوز أزمة كور ...
- الممثل الخاص للرئيس الروسي يتحدث عن آفاق الروبل الرقمي
- بسبب مقاطع -خادشة ومحرضة على الفجور-.. القبض على فنانة عربية ...


المزيد.....

- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة
- أكوان الميلانخوليا السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- التآكل والتكون السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- رجل يبتسم للعصافير / مبارك وساط
- التقيؤ الأكبر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- الهواس السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- النهائيات واللانهائيات السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (22) الأخيرة