أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (19)















المزيد.....



يسرا البريطانية (19)


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6697 - 2020 / 10 / 7 - 00:26
المحور: الادب والفن
    


( 4 )
في مكتب فخم يطل على الشارع الرئيسي لمدينة دبي ومن برج ارتفاعه تسعون طابقاً تضيئه أنواراً فسفورية تبعث على السأم والتوتر، وقعت يسرا القرمزي على أوراق ومستندات صفقة سيارات فرنسية مع وكالة بلجيكية مقرها الفرعي في باكستان، بمبلغ مليونين وثلاث مئة ألف يورو، بعدها تناولت المشروبات مع ممثلين للشركة أحدهما مصري الجنسية والآخر هولندي من أصل عراقي، تعرفت من خلال لهجته أنه من سكان بغداد ورأت في ذلك إشارة أخرى لترابط الخيوط، كان إلى جانبها عبدالعزيز باعتباره مساعدها وكتبت الشيك ونهضت تصافح الرجلين وانتهى التوقيع وهي لا تعرف سوى أنها قامت بشراء مجموعة سيارات لتستخدم في خدمة توصيل المساعدات للاجئين، كانت العلاقة بين ثلاثة أطراف هي والمؤسسة الخيرية للاجئين والشركة البلجيكية الوكيلة للسيارات، بعد شهر من توقيع تلك الصفقة فاحت رائحة غريبة تحوم حولها من خلال الوجوه الشاذة، تمر بها وتترك أثرها في نفسية متورطة بالشك، ساورتها الشكوك في البداية ثم سرعان ما انخرطت في دوامة النسيج العنكبوتي الذي احتواها، اقتنعت بأنه الطريق المؤدي للزبير وتكفيها سنوات الحرمان والتشرد التي عانتها "هذا وقتي" راحت تلم من حولها الأشخاص المتميزين يساندها إحساسها الداخلي نحوهم بالتعاطف، ولكنها بذات الوقت عانت من شعور الفقد، فسرعان ما يختفي هؤلاء الذين ما أن يظهروا على السطح لبضعة أيام حتى ينتهي بهم المطاف أشباحاً، كانت ما تزال تقيم بالجناح الخاص بفندق "أتلنتس" من خلال عقد معهم، ولكنها فضلت قضاء ساعات النهار والليل خارج الفندق، كانت علاقتها بالفنادق مزدوجة، فخلال السنوات التي عملت بها بالفنادق ذاقت مرارة العمل وانحطاط كرامتها وهي تغسل الحمامات وتزيل قذارة النزلاء، راحت عندما تستلقي على الفراش الوثير "بأتلنتس" تتخيل نفسها وقد أعدت السرير ونظفته واستبدلت الأغطية لتأتي امرأة أخرى هي يسرا القرمزي بجلدتها الجديدة لتنام عليه، أثارت فيها هذه المفارقة إحساساً بالظلم لنفسها، فهي عندما تستلقي على مخدات الوبر الناعم لا تمحو هذه اللحظات شعورها وهي يسرا القديمة العاملة بفندق "الهولدي إن" خادمة للغرف، وسرعان ما تعود لسطح الواقع وتتحسس ما حولها من الترفيه والمال والنفوذ والمغامرة فتشعر بعدالة الكون تعيد التوازن "من المحزن ألا ندرك العدالة إلا ونحن نجلس على الرماح" ظلت تخاطب ذاتها من وقت لآخر محاولة منها أن تحدث تغييراً في مسار الحياة، ما يؤلمها أن الوقت لا يسعفها ولا الرغبة الجامحة في الوصول لأهدافها، حتى أنها في خضم الدوامة الدامية التي تخوضها لم تعِ ما هي الأهداف التي من أجلها استسلمت للآخرين ولا ماذا يترتب على مسارها الجديد؟ تريد الوصول للزبير ورؤية دارة "اليازجي" إن كانت ما تزال قائمة؟ ومن احتلها وسكن غرفتها؟ "أريد العرش الذي كنت عليه وأنا بعمر التاسعة، أريد الوقت الذي ضحكت فيه ولم يعد ثانية، أريد الشاب الذي حلمت به وأخذته الحروب ولم يعد، أريد وجوه أسرتي كلها الذين ضاعوا" ظلت تناجي نفسها ولكنها لا تملك حرية البكاء، فقد حُبست الدموع منذ سنين وعلمها بها منذ أن اغتصبت من زوج بحريني كان يعمل مع المنظمات الإنسانية، صحيح أنه تزوجها ولكن الطريقة التي افترسها بها منذ الساعة الأولى لتوقيع العقد كانت اغتصاباً.
مرت الأيام سريعة، قفزت من موقع لآخر حتى بلغت حدود العراق وسوريا من خلال الأراضي الأردنية، وعندما علم "الأستاذ" وهو الاسم الذي تعرف أنه مسئول عن الأعمال ولا يظهر في الواجهة زمجر وغضب متسائلاً.
"ماذا جاء بها إلى هنا؟"
في البداية كانت تتبع السيدة المنقبة كأنها الظل لها وساءها أن لا ترى وجهها كل هذه المدة وقد هددتها المرأة ذات مرة حينما حاولت إزاحة الغطاء عن وجهها وهي غافية بلهجة عسكرية قائلة.
"إياك أن تتجرئي وتكسري القواعد، فستكون تلك آخر دقيقة من عمرك"
كان الخوف الذي زرعته سنوات الجمر قد زال من أعماقها، حلت الجسارة وخرق القواعد، أنها تحمل حياتها على كفها، رنين العبارة التي نطق بها حازم عبد الرحيم تذكرها بأنه لا يوجد ما تخسره، فالكون ملك الجسورين، هكذا مضت تعبر المنعطفات وتركب موجات الجسارة وتعلمت في كل دقيقة تمضي معها أنها باتجاه طريق وعر لا تملك معه إلا المغامرة والوعد الذي قطعته مع سمر يام بالوصول للزبير"أنا من الجزيرة العربية ولا أخشى ركوب الموج العاتي، فقد ركبت ما يكفي من الذل"
مرت الأيام من دون شعور بالسعادة أو التعاسة، قضت الوقت بالخيام على الحدود، تتسلل عبر منافذ منظمات الإغاثة الإسلامية، لا تخلو خطواتها بين فينة وأخرى من المواقف الطائشة، ثم تعاود حياة الليل والفنادق وتعبر المطارات و تعقد الصفقات التي لا تفهم محتواها وإن بدأت بالآونة الأخيرة تعبث في الأوراق والمستندات وتتسلل لممرات ضيقة عبر الجهات المتداخلة، وقد توصلت بحدسها الفطري إلى تحول السيارات إلى عربات عسكرية والمواد الغذائية إلى بنادق وطلقات والأجهزة الإلكترونية المدنية إلى معدات اتصالات معقدة، فهمت اللعبة من الأموال والبذخ وحياة الليل والفنادق مع حياة الخيام والحدود، كانت لعبة مزدوجة أتقنت التفاعل معها بحرفية استحقت عليها الإشادة من بعض المتنفذين في الشبكة، لكنها رغم كل ذلك ظلت تجهل القنوات والمنافذ التي تعبر من خلالها تلك المعدات، كانت مهمتها تقتصر فقط على تسهيل عقد الصفقات وتسهيل الحصول على المواد وعندها ينقطع الاتصال، كان عبورها الحدود ومغامرتها بالاقتراب من خطوط التماس السورية العراقية والسورية التركية والسورية الأردنية، هي فقط للتضليل من خلال الاختلاط بالمنظمات الإنسانية، فكانت تستغل ذلك الاقتراب من الخطوط الساخنة لشم الأخبار القادمة من الأراضي الملتهبة لعلها تتوصل إلى ما ينبئ عن أنباء تتعلق بجبار الشريف، كان في ذلك مغامرة محفوفة بخطر تجاوز حدود الصلاحيات وكسر القواعد كما نبهها البعض مرات عدة لكنها مع الوقت اكتسبت روح المجازفة كلما تمكنت من إتقان المهمات السرية، ظلت على الضفة الأخرى تعيش حياة الليل تغطي بها على حياة النهار، تخالط الرجال وتتواصل مع زمر المجتمع المالي وتتآلف مع الشبكات المالية العربية المنتشرة في ربوع المدينة الخالبة بسحرها الليلي الممزوج بالمال والتجارة والذهب والممنوعات المشروعة وهي تسمية عرفتها من بعض الجنسيات اللبنانية والمصرية المقيمة بالمدينة.
بزغ اسم يسرا القرمزي وعُرفت في أوساط رجال الأعمال والخدمات بفتنتها وجسارتها وببروزها المفاجئ على ساحة المال والأعمال، وبدأ البعض من رموز المجتمع المالي بالتقرب منها مثل رشيد العمري رجل المال والبنوك والشركات والمجمعات التجارية، وشريك نصف رجال الأعمال في المدينة، ضعيف البنية طويل وأسمر البشرة وله نظرات حادة وثاقبة، هادئ المظهر ولكنه عصبي المزاج، راح يتسلل إلى عالمها من خلال الدعوات المتكررة لحضور المناسبات التي ينظمها حتى ضاقت تلك المناسبات، لتصبح في الفترة اللاحقة محدودة الحضور، إذا يكتفي بدعوتها هي وثلاث أو أربع شخصيات تعرفت عليهم وهم جوزفين خوري أرملة أربعينية ذات مظهر أنيق وقوام رشيق ووجه مطلٍ طوال الوقت بالأصباغ والماكياج، وهي سيدة أعمال، مجالها السياحة والسفر والرحلات بالإضافة لعدد من المطاعم العالمية التي تملك وكالتها وكثيراً ما تكون اللقاءات بأحد مطاعمها وهو مطعم "البيرة" المطل على بحيرة اصطناعية، يمثل ملتقى الشخصيات الاجتماعية في مدينة الليل والسهر.
كان هناك أيضاً جليل العشري ومنذ البداية اعتقدت بأنه مصري الجنسية ولكنها اكتشفت صدفة وهي تستفزه بالحديث عن الأوضاع الثورية في مصر والفوضى الضاربة بسبب ما يسمى بالربيع العربي، يبادرها بلهجة مستفزة معلناً بافتخار، أنه مواطن إماراتي، فما كان منها إلا أن انقضت عليه بشراسة معلنة بلهجة مماثلة اعتذارها عن معرفته لكونها مواطنة بريطانية، كان حضورها على الساحة المالية متأرجحاً بين الإعجاب بانطلاقتها المفاجئة وإثارة زوبعة من حولها، وبين شكوك أثارها البعض عمن يقف وراءها ويدعمها وأين كانت من قبل، غير أنها بمجرد تحمل الجنسية البريطانية، كان كافياً لمحو تلك الشكوك، بدت تلك النتيجة ظاهرة طبيعية لها لإدراكها بأن فطرة الأفراد العرب مهما بلغ مستواهم التعليمي يرضخون لمن ينتمي للمجتمعات الغربية، بل زادت ثقتها في تلك الجنسية عندما وجدت كل الأبواب تشرع أمامها بسبب تلك الجنسية وفهمت أن الذهنية السائدة في هذه الأوساط مرتهنة للأجنبي، فاستغلت ذلك الامتياز لتمرير خطواتها في عالم المال والبزنس والعلاقات العامة، لكنها لم تنتبه لردة فعل البعض ممن ربط بين تواجدها المالي ومكانتها التجارية الوليدة وبين سلوكها الليلي وحضورها الدائم للصالات والحانات الفندقية، إلى أن شعرت ذات مرة بعبد العزيز ينبهها لذلك، قائلاً بلهجة رقيقة لا تناسب موقعه الرقابي عليها ودليلاً لها، خرجت عن سيطرته.
"خرجت عن الخط، بالذات في تحركاتك الليلية"
ابتسمت له وقرصت كتفه لتزيل الطابع الرسمي عن علاقته معها في الحديث وقالت بنبرة أُنثوية تعرف متى تستخدمها.
"من قال لك أني أريد البقاء على ذات الخط؟ يا سيدي من أطلقني قال لي حياتك تحملينها على كفك؟"
"كلنا نحملها على كفنا وهذا ما يجعلنا نمشي على الخط"
"اسمع يا عبدو...."
قالت ذلك وأردفت مبتسمة بثقة مفرطة ظهرت في نظرتها الحادة نحوه.
"أنا أحب لندن وأعشق "كينغستون" تحديداً ولا تتصور كيف ضحيت بحبي لهذه المدينة التي أمقتها بذات الوقت لأنها أذلتني كثيراً بسبب الخطوط الحمراء التي وضعتها لنفسي طوال فترة إقامتي فيها، هنا في هذه المدينة دبي لا وجود للخطوط لأنك ببساطة ترى المدينة نفسها تدعوك لتجاوز الخطوط، هنا يقدرونك عندما تعبر الخطوط، بل نجاحك مرتبط بتجاوز الخطوط، صدقني، كم سنة عشت فيها؟"
رد وقد بدا عليه الاهتمام بكلماتها.
" ست سنوات متقطعة"
استأنفت كلامها وقد محت عن وجهها ملامح الأنوثة وبدت مصممة على التعبير عن وجهة نظرها بإضفاء نبرة تحمل رنين الكلمات التي تختارها.
"أنا لي بضعة شهور؟ عام؟ لقد أدركتُ من أول يوم إن لم أكسر القواعد لن أنجح في هذه المدينة القاسية التي تبلع البشر وناطحات السحاب بنفس الدقيقة، هنا لا تسأل عن الخطوط، أنت من يضع الخطوط"
بعد هذه المحادثة المفرطة في الحساسية، كسرا رتابة الكلام بينهما واختارا مكان عام مفتوح بمطعم صيني بمجمع دبي مول، ولدى جلوسهما هناك وسط زحام المكان سألته فجأة.
"هل أنت متدين؟"
بعدها بأيام وقعت الواقعة التي كان لابد من أن تحدث في وقت ما، وصلت الحدود العراقية في خضم جلبة وأحداث دامية انبثقت فجأة وانتشرت كالنار في الهشيم، امتدت من منطقة القائم على الحدود السورية العراقية ووصلت أطرافها لنينوى بالعراق وجرى السيطرة على الموصل، وصلت الأخبار دبي وتمنت لو كانت في لندن لتكون قريبة من الخيوط "هل هذا تنظيم الفريق الركن؟" لم يسعفها عبدالعزيز ولا مسعود ولا المرأة المنقبة التي لا زالت لغزاً رغم حدسها الغالب على مشاعرها تجاهها في ربط الخيوط، دارت برأسها تلك الأسئلة وحرضتها على التوغل في التنقيب وهو الأمر الذي يتعارض مع القواعد "لعنة على القواعد " كان استمرارها في رؤية المرأة ومرافقتها عبر الطرق والممرات الوعرة قد خلق معها إلفة طبيعية لم تغير من جوهر المرأة الجامدة، الصخرة، حدث الزلزال عندما انكشف غطاء ملاءتها عند المعصم حتى الكتف، تأملت معصمها الذي بان ناصع البياض كالحليب، وبرزت نعومتها، رأت في ذلك تناقض مع تخمينها من أن تكون تلك السيدة الجسورة من الزبير، فنساء الزبير تعرفهن جل المعرفة ويطغى على لون بشرتهن اللون البرونزي، المائل بين السمرة الفاتحة، المائلة للبياض المعتدل وبين اللون الخمري المائل للأبيض الصحراوي، أما هذه فهي تفيض بياضاً ونعومة، ما يوحي بلون الحلبيات اللاتي عاشرتهن سنوات الدراسة وكن غاية في الصرامة والنعومة معاً.
انفجرت الواقعة تلك، ليلة التحاقها بالمخيم التمهيدي قادمة من مخيم الإغاثة عندما تغيرت الخطة فجأة بعد ورود تعليمات من الزاجل وهو المراسل السري الرابط بين الخلايا المنتشرة في الأرجاء الحدودية مع دول الجوار، كانت تقضي الخطة بالوصول إلى كردستان العراق وهنا قفزت في داخلها وأحدث الخبر زلزالاً في أعماقها "لقد اقتربنا" هاجت شجونها وتداعت خيالاتها وأخذتها بعيداً للوراء، رأت فناء الدار ووجه نجوى القطان تكتنفه الحيرة وهي تلف الغرف وتبحث في الأرجاء عن سبب للمشاجرة، انزاح عن كاهلها تعب الطرقات الوعرة وغبار الصحراء وحرارة الشمس وبرد الشتاء على الحدود لمجرد أن تخيلت ساعة واحدة تطأ قدميها فناء الدار بعد كل هذه السنوات، تعرف أن الحلم مستحيل حتى الآن ولا في القريب ولكن بالإمكان تقريبه، لاحت في الأفق بوادر تغييرات لكن الشكوك تحيط بها، فقد اختلطت الأوراق وتداخلت الخلايا الثورية مع الخلايا الإرهابية" أين أقف أنا؟" عندما طرحت السؤال على مسعود لم يرد حتى بنظرة من عينيه الجاحظتين، وعندما حملت السؤال معها أينما وجدت الشخص المناسب، توارى هارباً، كأن السؤال يحمل معه لغماً موقوتاً على وشك الانفجار.
"قفي أينما وجدت سلاحاً تحاربي به الأوغاد الذين يحتلون منزلك" هكذا يقال لها في كل مرة تثير زوبعة من الاستفسارات الملغمة.
في تلك الليلة المشئومة، وجدت الفرصة الوحيدة الشافية مع المرأة المنقبة بينما كانتا في خيمة الإغاثة، إذ استسلمت المرأة لنوم عميق بدا واضحاً سببه وهو الوهن الذي خلفه الإرهاق إثر عدة ليالٍ من السفر وعبور الطرق والممرات وصولاً إلى حدود كردستان العراق، كان الوقت مساءً والظلام حل مبكراً من غير أن تعرف السبب، وحين تصاعد شخير المرأة، علامة على استسلامها لنوم عميق، لاحظت جزء من النقاب وقد انزاح عن جانب من وجهها ولاح طرف خدها الأيسر، فأغراها ذلك بالاقتراب منها وتحسس النقاب، ثم تمادت وبدأت تزيحه تدريجياً وبهدوء، تلاحقت أنفاسها وهي تواصل سحب قطعة القماش السوداء عن جدار الوجه، ظهرت أسفل الذقن لطخة بنية شبيهة بأثر جرح قديم، توقفت وقد بدأت يدها ترتجف وتصببها العرق وارتفعت دقات قلبها حين شعرت بهول ما تقوم به، ظل ينازعها إحساس بين الفضول والذعر من أن يكون لهذا التصرف تداعياته عليها "ما الذي أصنعه؟" تذكرت دخولها دبي في المرة الأولى قبل سنوات حين كانت مطرودة من الجنة وتبحث عن ملجأ وكيف كانت فاقدة الإرادة ومكتفية بمجرد لقمة عيش وسقف يغطيها، ها هي الآن تغامر بما تملك من نفوذ ومال ومكانة بسبب فضول عابر تجاه وجه امرأة قد لا يعني لها شيئاً لو كشفته، وقد يبدو وجهاً كواحد من آلاف الوجوه العادية التي تلتقي فيها يومياً في زحمة الحياة "ماذا ينفعني أرى وجه المرأة وأخسر حياتي؟" بدا لها الأمر كقصة الخروج من الجنة حين أغرى الفضول السيدة الأولى في الكون ودفعت آدم لأكل التفاحة لتنتهي من يومها خارج الجنة، تطلعت للوجه الذي مازالت تغطي جزءاً منه قطعة القماش السوداء وبحركة مستديرة سحبت النقاب ووقفت أمام وجه المرأة عارياً.
"خضرة المياس، الطالبة المنتمية للبويات"
****
( 5 )
عرفت أن الخطوط الحمراء موجودة في كل مكان من هذه الدنيا، لكنها لم يُخيل لها أن هناك عرشاً من الرماح ينتظر جلوسها عليه لأيام، تتحمل جبالاً من المشاعر المنذرة بالرعب القادم، سمعت عن المحاكم الثورية والعسكرية الميدانية السريعة، لكنها لم تتصور أن هناك من ذهب من النساء والرجال وحتى الأطفال للإعدام، لمحت في ساعة صفاء ذهني نادرة شبح نجوى القطان فوق سطح الدار تنشر الملابس المغسولة على الحبل، ومن بينها البذلة العسكرية لجبار الشريف، تراءى لها طيف لطفلة صغيرة تقف على بعد خطوات من المرأة تتطلع للزي العسكري، فترى فيه الشموخ الرمزي لشيء يبعث إحساساً لم تدركه ساعتها، لاح لها الآن على مقربة من الموت، ساد الصمت أيامها التالية وهي محتجزة في حجيرة مكتظة بالنمل والحشرات، يعلوها سقفاً خشبياً، ينبعث منه الغبار طوال الوقت ويسبب لها السعال المتواصل، وصلت المكان عبر ناقلة كبيرة محملة بالمواد عبرت بها الطريق معصوبة العينين لم تعرف شكل من كان يرافقها على الناقلة ولا هويته ولا العدد، باستثناء صوت رجل كان يسعل بين فترة وأخرى، استغرقت الرحلة أكثر من ثلاث ساعات لم تتناول خلالها الماء ولم يسمع صوت كائن بشري سوى بعض الجلبة تحدثها الناقلة القديمة وهدير المحرك يتغير صوته بين فينة وأخرى خلال صعود وهبوط المنحدرات، ومع حلول المساء الذي شعرت به من خلال الوميض الشفاف والذي لم تفلح فيه العصابة على عينيها من حجب الضوء الذي اختفى تدريجياً إلى أن توقفت الناقلة وسمع صوت الباب يفتح وعلى إثره قفزت فجأة من مكانها حينما فاجأتها يد خشنة الأطراف وكف واسعة بدرجة لم تتخيل في الكون كف بهذا الحجم تقبض على يدها المرتجفة وتسحبها خارج الشاحنة بعد أن أزالت العصابة عن عينيها ودفعت بها نحو تلك الحجيرة التي قضت فيها بعد ذلك أياماً لم تعدها، تضاعفت خلالها موجات الذعر التي راودتها من جديد بعد أن تخلصت منها على إثر لقائها بمايك الباكستاني، الذي بدأت صورته تراودها طوال الوقت منتظرة معجزة ما تقع، ويصله خبر وجودها في هذا المكان، متخيلة صورته في هيئة سوبرمان يأتي من وراء الضباب ويعيدها "لكينغستون".
"سأحدث نفسي حتى لا أجن" ظلت الليلة الأولى بدون طعام ولا شراب إلى بزوغ فجر اليوم التالي، وقبل أن يخرج قرص الشمس لأفق السماء سمعت جلبة من الخارج لسيارات وعربات وأصوات ميزتها لعدد من الرجال يتحدثون لهجات مختلفة وإن غلبت على بعضها اللهجة السورية "إذن فقد ابتعدت كثيراً عن جبار الشريف" كانت تأمل بأن تبقى على مسافة من كردستان العراق وحلمت ببلوغ أربيل ومنها تفتح الأبواب لبقية حدود الوطن الذي من خلالها سيتحقق الهدف الذي زرعته في أعماقها سعاد البشرواي التي تحولت فيما بعد إلى سمر يام والتي يعلم الله وحده اليوم أين هي؟ اقتحم الباب الرجل الذي ميزته من صوته وهو أحد الذين انتزعوها من المخيم لحظة الواقعة المشئومة، اقترب منها وهو يحمل كيساً ورقياً وزجاجة مياه ماركة النبع ووقف أمامها ينظر بصمت منتظراً منها الوقوف، كان خلال اقتحامه المكان، جالسة القرفصاء ومازالت ترتدي ملابسها التي كانت عليها منذ وصلت المخيم وهي عبارة عن سروال جينز أزرق فاتح ماركة "أرماني" وقميص أحمر ماركة "بوس" فوقه سترة جلدية ثمينة تذكرها هذه الملابس في هذه الساعة بالذات أين كانت بالأمس وماذا أصبحت اليوم "هل هذه خدعة الحياة معي؟" قاومت الوهن الذي شل أطرافها ونهضت واقفة أمام الرجل الذي بدا وجهه النحيف مغطى بالغبار والشعر والكثيف، تسلمت منه الكيس وزجاجة الماء وظلت تنظر في وجهه الخالي من أي تعبير آملة أن تسعفها ملامحه على الاستدلال لمصيرها المنتظر في هذه الصحراء القاحلة الخالية من أي أثر للحياة.
قضت الليالي والأيام التالية، وسط الرعب والذعر تتوقع حركة ما تكسر رتابة الصمت والوحدة والألم الذي يعصرها، تنام ثم تصحو ثم تنام، تغير ملابسها مرة كل يومين بعد أن جُلبت لها ملابس رجالية عبارة عن سروال خاكي من مخلفات الجيش وسترتين قطنيتين تثيران الحكة فيها، كان خروجها للحمام مرتين في اليوم، واحدة مع بداية النهار وأخرى بالليل ويحدث أن تخرج لمرة ثالثة أو رابعة عندما تصاب بالإسهال وألم في المعدة، مع مرور الوقت اجتاحها الهزال، مرتقبة ساعة الإعدام كما تنبأ لها حدسها الذي كان لا يخطئ منذ أيام المراهقة حينما كانت معتمدة على متابعة مسار الأفلاك والأبراج، أصبحت هزيلة ومعزولة، جردت من كل شيء له علاقة بالحياة البشرية، وحتى لا تصاب بالموت البطيء آملة في معجزة تحدث، راحت تجادل نفسها بالأصوات المسموعة واضعة أمامها الفريق الركن وسمر يام، كانت تدخر مايك لليل حينما يظلم الكون وتصبح وحيدة معزولة فتأتي به كطيف من وراء الحدود رغم جهلها بمكانه، بعد أن ترك لها كل شيء واختفى" لن تتركني في الصحراء، ولن أشنق أو أرمى بالرصاص" عندما تنفذ عبارتها تلك، تنتظر لثوانٍ يأتيها الرد من خلال هاجس تقلبه في ذهنها ثم تعاود الحديث "تملك السيطرة والمعلومات وأعلم بأنك عرفت بقصتي وتعمل على حلها بوسائلك المفرطة في السرية" أما سمر يام، فقد اختلقت لها عذراً لتأخرها في المجيء والسؤال عنها، "لاشك أنها تحاول الآن من خلال التواصل مع حازم الرحيم، الفريق الركن المسئول عن كل شيء" ظلت تستدرج الأصوات والمحادثات فيما استمر هزالها في الانحدار إلى أن جاء أحدهم ذات نهار وقام بفحصها وقدم لها بضعة نصائح للحفاظ على بقائها.
"أنت بحاجة لقواك كاملة"
عندما لمحت في عينيه بريق تعاطف تجاسرت وسألته بنبرة رجاء قد تحمل لها الأمل بنقطة ضوء في نفقها المظلم داخل هذه الحجيرة.
"هل سأشنق؟"
صوت خطوات في الخارج، صوت شاحنة تبتعد تليه أصوات رجال يتجادلون، تعود تنظر في عيني الرجل الذي كاد ينتهي من فحصها، لا شيء ينم عن تعبير ما يطبع ملامحه، كل جزء من وجهه جامد ما عدا عينيه تعكسان قلق واضح تفسره نبرته الهادئة.
"لا تستبقي الأمور، هناك محاكمة ميدانية يتحدد فيها مصيرك آمني بالله واليوم الآخر، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"
من فرط شجونها التي تتدفق كالزَبَد فوق سطح البحر، لمست روحها المنسابة من داخل جسدها، تنزلق نحو قاع سديمي يوشك أن يبتلع خوفها ويفرغها من الشعور بشيء، لم تعد تشعر بالجوع ولا بالحر أو البرد، فقد استنزفتها العزلة والأشباح والتفكير في الموت قبل أن تفهم ما يجري ولا كيف انزلق بها الكون نحو الهاوية؟ تحدت خوفها وحبست أنفاسها وقالت للرجل وهو يهم بالخروج لدى مجيء الشخص الآخر المكلف بحراسة المكان.
"من هؤلاء الذين يحتجزونني؟ أخشى الموت قبل أن أفهم ما يجري لي"
التفت نحوها الرجل وفاجأها بابتسامة صفراء لم تر مثلها قط وقال بنبرة ختامية.
"توكلي على الله وصلي"
مع تزايد حالة الهزال وبروز عظام وجهها واسمرار بشرتها، بدأ يطرق ذهنها ضوء يتسرب من أعماق عقلها الباطن الذي اختفت فيه كل الصور والمشاهد للسنوات والشهور المنصرمة، شعرت تدريجياً بوضوح في الرؤية لم يسبق لها أن شعرت به، إذ أخذت العزلة تفتح خزانة العقل الباطن وتخرج منه الصور والأسرار والخبايا وتفرشها أمامها كأنه سد وتحطم فخرجت منه كل الألغاز، رأت العلاقة واضحة كالشمس بين مايك وسمر يام والمحامية الليبية، رأت الخيوط منسجمة بين الفريق الركن والملتحين الذين التقت بهم في لندن وفي المخيمات، رأت جبار الشريف في المرأة المنقبة وكيف ابتعد طيفه عنها، وسعت المسافات وزادت الهوة، رأت الغبار الصحراوي يطغى على الضباب اللندني والصورة أصبحت معتمة، جاءت من أجل الزبير والعودة للدار، وشم الرازجي، ومعانقة حلم جبار الشريف، لتسقط في انتظار الإعدام، مسافة مختصرة للموت، كل التداعيات اختزلتها الحجرة الترابية الصغيرة المبنية من الطوب الطيني المجفف ونافذتها الصغيرة القابعة في زاوية السقف العلوية ذات الأعمدة المتراصة الضيقة، والتي لا تستطيع بلوغها ولكنها للتهوية ومنها يتسرب الغبار الكثيف الذي سبب لها السعال المزمن، اعتادت على مرور الزواحف الصغيرة والعناكب، حتى العقارب السمية تسللت عبر الفتحات الأرضية، راحت تتأمل تلك العقارب صغير الحجم، ذات اللون الأصفر الفاتح وهي العقارب التي حذرها منها حارس المكان عندما قال لها بأنها تدعى بالعقارب العربية، تتسلل من صحراء الجزيرة العربية وتعيش بين الأخشاب والنفايات في المناطق البرية، لم تبالِ بها وكأنها تتمنى لو تلدغها واحدة منها وتنهي حياتها قبل أن ترى الموت بالإعدام، لكنها حينما تستعيد طعم الحياة وتتذكر بأن ثمة فرصة للعودة إلى "كينغستون" ومعها الرصيد المالي، راحت تفكر في مايك وما يمكن أن يقدمه لها في مأزقها الراهن؟ "سأخرج من هذا النفق حية أو ميتة، المهم أن أخرج بسرعة"
في الأيام التالية عاودها مرض الشقيقة الذي كان عالقاً بها منذ الطفولة، عانت منه وهي بالمرحلة الابتدائية بالمدرسة، يبدأ بعاصفة ضبابية تجتاح أجزاء من عينيها وتغمرها بهالة من انعدام الرؤية ثم يجتاحها صداع مدوٍ يشل رغبتها في مجرد أن تفتح عينيها، تكررت تلك الموجة وهي سجينة الحجيرة الخانقة والتي من المفارقات وهي في الصحراء، أن تعمها الرطوبة مساءً، وتجعلها أشبه بصندوق طيني مبلل بالماء، ولد لديها شعور بأنها على وشك أن تنتهي حياتها قريباً، بين موت محقق أو معجزة تسقط عليها من السماء، راحت تناجي طيف والدها جبار الشريف وتأمل لو أن هناك خيطاً سميكاً يمتد بين الزاوية النتنة التي تقبع فيها وبين المكان الذي يمكن أن يكون فيه الرجل "هل خدعني الفريق الركن وأوقعني في فخ الموت؟" دأبت على ترجيح كفة موت والدها رغبة منها في عدم العيش بحلم هو في حقيقته كابوساً، وأملت فقط أن ينقذها مايك الموجود على قيد الحياة، غير متخيلة مكانه الآن، ساد عالمها المظلم شعور بالمرارة والضياع والخوف، ضاقت الحجرة خلال الأيام التالية أكثر فأكثر حتى كادت تصبح برميلاً تستقر فيه، كانت ساعات النوم قليلة لا تغفو فيها إلا وتسمع أصوات غريبة تتداخل في رأسها فتقفز من مكانها لتواجه ظلمة الليل وظلمة الحياة، مرت بخاطرها بعض من صور لندن و"كينغستون"، تذكرت غرف الفنادق التي خدمت فيها وقارنتها بجناحها في فندق "أتلنتس" دبي وبصالات وممرات فندق برج خليفة، تعود بعدها تمسح الحجيرة بنظرة جامدة مستسلمة لقدرها في المكان، لتجتاحها بعد فترة وجيزة مشاعر متناقضة تدفعها للإيمان بوجود معجزة مخبأة لها في مكان ما من هذا العالم بانتظار الفرج "المرآة" كانت تردد هذه الكلمة بشيء من الهوس مدفوعة برغبة في رؤية وجهها وماذا حل به، كانت تمر على تقاطع الوجه بيدها وتتحسس أجزاءه، تتوقف بأصبعها على بعض البثور والخطوط وتتخيل مظهر تلك البشرة وماذا حل بعمليات التجميل التي أجرتها؟ "لن يقبلني مايك لو رآني على هذه الحال" تبتسم باقتضاب وهي تفرك وجهها، ثم تمضي في التفكير طوال ساعات الليل والنهار، إلى أن تحين ساعة خروجها للحمام، لتواجه فضاءً مكشوفاً بسمائه الزرقاء الملبدة بغيوم رمادية تذكرها بحياتها الرمادية، تخرج عادة في الصباح الباكر مرتدية بذلة الخاكي العسكرية وتحتها قميصها الأزرق المتهرئ مع سروال بني طويل قامت بطي أسفله عند القدم، وتنتعل حذاء رجالي من الجلد من غير جورب يتخلله التراب، وقد هالها رؤية أصابع قدميها متآكلة وقد احترقت أظافرها، تقضي حاجتها وتغتسل بماء آسن يأتي في جراب تفرغه في حوض استحمام قديم لتعود لمكانها وقد أحست بأنه آخر يوم لها في الحياة.
"متى محاكمتي؟"
طفقت خلال الأيام التالية تكرر السؤال ببلاهة على كل من يصادفها في عزلتها، مستهدفة من ترديده كسر رتابة الحالة، وربما تشتم خبراً ما أو كلمة عابرة تفتح لها ثقباً تستدل منه على مصيرها، إلى أن فقد أحدهم صبره ذات مرة وصرخ بها.
"لماذا الاستعجال على إعدامك؟"
****
أفاقت على وقع أقدام عند الفجر، وقبل بزوغ الشمس، فُتح الباب وهي ما كادت تغط عينيها بعد ساعات طويلة من أرق مزمن، كسر صرير الباب الخشبي سكون الفجر، ولامست أقدام الرجل أرض الحجرة، نفضت عنها الغطاء القطني المهلهل والمزركش وجلست القرفصاء وسط صمت الرجل الذي بدا وجهه منتفخاً من النوم، نظر إليها وقال متسائلاً.
"ألم تسمعي أذان الفجر، كالعادة تغطين في النوم كالميتة؟"
"ما المتعة في تكرار كلمة الموت" بدا على وجهها الذعر من هيئة الرجل الواقف كالصنم لا يتحرك فيه أي جزء من جسمه، حتى عينيه بدتا جاحظتين لا ترمشان ولا مرة كأنهما عينان زجاجيتان "ماذا يحمل معه لي في هذا الفجر المظلم فجأة؟"
خرج عن صمته وقال بنبرة آمرة.
"قومي اغتسلي وصلي الفجر، سنأخذك في جولة، لقد انتهت إقامتك هنا"
فجأة سمع دوي انفجار على بعد، تلاحقت أنفاسها وبدأت ترتجف من البرد وظلت حبيسة المكان كأنها لم تسمع الرجل الذي نهرها بلهجة شديدة آمرة، خارت قواها، لم تستوعب الموقف، مازال يغلبها النعاس والإرهاق.
"هل سيعدمونني؟"
"لا ليس اليوم"
" هناك إعدام إذن"
على بعد ساعتين وصلت الشاحنة لبناية داخل المدينة المهدمة بفعل القصف، وهي تنقل عدداً من الرجال الملتحين من دون أن يحملوا بنادق أو بنادق آلية كما كان الحال في المرة التي جيء بها إلى المكان، لم تُعصب عينيها هذه المرة، رأت خلال الساعتين المنصرمتين طرق وعرة وشوارع مرصوفة وبنايات وسيارات مدمرة، لكن البلدة التي دخلتها لم تكن بها أية كثافة سكانية، ظهر بعض الصبية يعبرون الطرقات وانتشرت بعض القطط والكلاب الضالة، وبرزت براميل القمامة مهشمة أو محترقة فيما غطت النفايات بعض زوايا الطرقات وأغلقت أغلب المحال أبوابها وبدت المدينة أقرب ما تكون إلى الهدنة، راقبت كل تلك المناظر لعلها تتبين المكان لكن أحدهم من فرط ثرثرته مر على ذكر القائم "عدت قريبة من الهدف، لعنة على هذا الزمن، مرة أقترب ومرة أبتعد" عندما توقفت الناقلة بالقرب موقف للسيارات هبط الجميع باستثنائها، أشار لها السائق بالانتظار، ظلت لأكثر من خمسة وثلاثين دقيقة حتى وصلت سيارة صغيرة، هبط منها أحد المسلحين الملثمين واقتادها للسيارة وانطلق بأقصى سرعة بعد أن عصب عينيها، في البداية ساد صمت تخلله صوت محرك السيارة الجيب، ثم تسلل صوتها معطوباً ينم عن حزن داخلي عميق تحمله نبرة مكسورة.
"شنقاً أم رمياً بالرصاص؟"
رد عليها بنبرة مستغربة.
"ماذا فعلت؟ ما هي جريرتك؟"
لم ترد عليه وعاد الصمت يسود بينهما إلى أن عاودتها موجة السعال لدى انتشار الغبار من حولها داخل السيارة، توقفت السيارة لدى أحد الحواجز وسمعت صوت السائق يقول مخاطباً شخصاً آخر.
"السلام عليكم"
رد الآخر السلام وسأل السائق عن الطارق، فرد عليه السائق"الحجاج" بعده انطلقت السيارة من جديد، وصلا مبني قديم يملؤه عدداً من الرجال المسلحين، ترجل السائق وفك العصابة عن عينيها وطلب منها النزول، فرصة وجدتها صدفة وهي تهبط السيارة عبر مرآة السيارة الجانبية، وقفت ووضعت وجهها بوجه المرآة بعد أكثر من شهر وسبعة أيام من الاحتجاز.
"لا إله إلا الله"
قالتها وقد جمدت مكانها، تأملها السائق مندهشاً، حاول في البداية جرها من قميصها لكن قدميها خذلتها فجلست على الأرض منهكة، كانت تبدو كما لو أنها مدفوعة لحبل المشنقة، لم تقو على السير فوضعت يدها اليمنى على التراب ووضعت اليد الأخرى على فخذها محاولة استعادة توازنها، كانت الصورة التي رأتها في المرآة لكائن بشري لا علاقة له بيسرا القرمزي، الفتاة الزبيرية ذات الجسد الرشيق والقوام الخلاب والوجه المشدود بالبشرة البرونزية، رأت امرأة منتهية الصلاحية قابلة للطي، غزت البثور الحمراء وجهها الشاحب لشدة الحك فيها، وبدت بشرتها رمادية بلون الصحراء وكست تجاعيد صغيرة جانبي الخدين النحيلين، كانت أسنانها صفراء رغم انقطاعها عن التدخين، وطفق أنفها نافراً وقد ظهرت عظمته العليا نافرة لا يغطيها إلإ جلد شفاف، شعرها تقصف وتقلص ولكنه لم يفقد بريقه رغم حرارة شمس الصحراء في النهار وغبار الطريق ورطوبة الحجرة الخانقة، عجزت عن استيعاب صورتها في المرآة فانهار جسمها وظلت على الأرض لفترة وجيزة، تجمع حولها عدد من الرجال إلا أن سائق السيارة الجيب أشار عليهم بالتفرق وساعدها على النهوض.
"لا بأس عليك لن تعدمي اليوم"
بلغت بناية قديمة مقابلة لموقف السيارات ضمن سلسلة بنايات متراصة، أوشكت على الوصول لغرفة أرضية في واجهة البناية من الداخل، وقبل أن تدلف توقفت وكادت أن تنهار مرة أخرى، سارع رجلان آخران وسارا معها داخل الغرفة، كان التراب والغبار يتطايران إلى داخل الغرفة كلما مرت سيارة في الخارج، وينفذان إلى عينيها، ظهرت الأرض برتقالية اللون وقد ذكرها ذلك بلون أرض حديقة دار الزبير الرازجية، بعد ساعة من وصولها ناولها أحدهم زجاجة مياه صغيرة وسألها إن كانت تريد تناول وجبة خفيفة فهزت رأسها نافية، عندئذ تركها الرجل وحدها في الغرفة وخرج فراحت تجول بنظراتها الواهنة أرجاء المكان، كانت الغرفة واسعة وتحتوي عدداً من كراسي فردية بلاستيك بيضاء ولكنها غير موحدة الشكل، كانت متنافرة المظهر وقديمة ومبعثرة في المكان، ثمة سبورة مستطيلة فارغة من أي محتوى، وإلى جانبها خريطة شبه الجزيرة العربية ظهرت فيها علامات موضعية متعمدة، وعلى أحد المقاعد وضعت سجادة الصلاة وبضعة نعل موزعة بلا انتظام أسفل الكراسي، وفيما هي تمسح الغرفة بحثاً عن إشارة تدل على حالة ما تفصح لها عن وضعها الشاذ، تناهى لسمعها من الخارج صوت أغنية لناظم الغزالي كثيراً ما سمعتها منذ طفولتها " يمتى على حالي تحنون، تاه العقل صار مجنون، مقدر أنا بلياكم يوم بشهر فرقاكم" أمسكت بيدها إشارة اعتبرتها من السماء، هذه الأغنية آتية من الغيب تحمل لها نذراً "ماذا يكون؟" تساءلت وهي تتابع كلمات الأغنية تختفي تدريجياً، عادت تتحسس وجهها بعد رؤيته في المرآة، أخذت تتلمس البثور كما لو أرادت فقسها وإذا بالباب يتحرك ويدخل شاب في مقتبل العمر تغطي وجهه لحية خفيفة وشنب هو الآخر خفيف، كان يرتدي سروال جينز أسود وقميص بني فاتح مقلم بالأسود، وفوقه ارتدى سترة سوداء جينز، تقدم منها وقال وهو يسحب أحد الكراسي وسألها هامساً.
"أين جواز سفرك؟"
"أخذه أحد الأخوة"
عندئذ نهض وسحب الجواز من جيب سرواله الخلفي ورفعه في وجهها قائلا بنبرة تنم عن تعاطف واضح.
"سأحفظه معي لحين الحاجة، من حسن حظك أنه جواز بريطاني وإلا كنت في الجنة الآن"
لمعت عيناها وهي تلمح الجواز بيده، لا تعرف بماذا تجيبه، كانت تخشى التلفظ بعبارة أو كلمة تنتهي بها في الجنة كما عبر الشاب للحظة، رأى الشك في نظرتها له، فابتسم وهمس لها بصوت منخفض وهو يضع يده على فمه.
"يرسل لك عبد العزيز تحياته وحملني سلامه"
انفتحت أساريرها للمرة الأولى منذ احتجازها، دفعها ذلك لتكرار السؤال الأسطوري العالق برأسها كالخلية الحية.
"هل سأعدم؟"
نهض واتجه نحو الباب، زرع فيها ذلك الفزع وتغيرت صفحة وجهها، زال الارتياح وحل مكانه الذعر إلى أن عاد بعد أن أطل برأسه خارج الغرفة واقترب منها قائلاً.
"الخارجية البريطانية مهتمة بك، هذا كل ما أستطيع أن أقوله بعد فترة لا أعلم بالتحديد سيتقرر مصيرك وأظن أن الأخوة سيضعون جوازك البريطاني في الحسابات، لذلك سأحتفظ به حتى لا تفقدي فرصتك في النجاة"
قالت والرعب يكتسح ملامحها والخوف يعصر وجهها.
"لم أفعل شيئاً خطيراً"
"كسرتِ القواعد، مشكلتك تملكين معلومات أكثر من اللازم، لو كنتِ رجلاً لأعدم في الحال، لكن ثمة من اهتم بأمرك من الداخل وهذا سبب تأخير إجراءات محاكمتك، كل من حكم هنا خرج إلى المذبح، لم ينجُ أحد قط"
قبل أن يخرج، وجه لها صفعة قوية على وجهها محدثاً لديها صدمة حادة، جاءت الصفعة قوية مخلفة لطخة حمراء على صحن خدها الأيمن، بدت ملامحها غارقة في الذهول "هل كان يمزح معي؟" كل شيء حولها يوحي بالغموض والتعقيد، كل ما يدور مبهم ولا تفسير له، منذ اليوم الأول الذي التقت فيه بسعاد البشراوي أو سمر يام، تغير الكون برمته معها، لم تفلح الكواكب والنجوم، بل لم تفلح الأفلاك والأبراج في تفسير ما جرى لها منذ ولادتها حتى الدقيقة، تداعت الأحداث وراء بعضها، سريعة، دامية، محبطة، ولفترة وجيزة كانت مترفة وسعيدة وسرعان ما انقلبت على أعقابها "لم تبق تراجيديا أسوأ من هذه بانتظاري بعد" كل الأشياء التي تخيلتها أو لم تتخيلها وقعت "الإعدام هو الخاتمة" هكذا رأت الطريق إثر هذه الصفعة الصاعقة التي أدارت رأسها ولم تفهم الرسالة منها، حلمها قبل أن تُعدم زجاجة ويسكي"جاك دناليز" وعلبة سيجارة "مالبورو حمراء" سيزيح عن صدرها عبء الموت ويخفف وطأته في هذه الصحراء ومع هذا الغبار والحكة التي تلتهم جلدتها، وكرهها لملمس البذلة الخاكي التي لم تفارقها، لا شيء يفوق ترف الحياة مقابل الموت سوى الويسكي والسيجارة "آخ يا عمري الضائع، كأس وسيجارة ومن بعدها المشنقة أو الرصاصة " ضحكة مذعورة خرجت مع ابتسامة على شفتيها وقد تخيلت جسدها محمولاً بعد إعدامه، رأت بنيتها الضعيفة الهزيلة وقد حملها رجلان ملتحيان، ورأت الحزن في عيني مايك والدهشة في وجه سمر يام، وربما الحسرة على قسمات الفريق الركن، رأت الوجوه كلها تتأمل جثمانها بعد الموت، إلا وجه جبار الشريف الذي غاب نهائياً من أمامها، لم تشعر بعد هذه الصور والتداعيات إلا بالنعاس يتغلغل بطيئاً وينساب في أوردتها كأنه حقنة مخدرة غرست في شرايينها، حاولت لبضع دقائق تحمل الوهن والصمود على مقعدها الصلب، لكنها وإثر موجة التثاؤب التي اجتاحتها، لم تر سوى نفسها تنخرط من فوق المقعد على الأرض، استسلمت لغفوة مباغتة، بعد أيام من الصحوة الإجبارية، كان الوقت ظهيرة وقد ارتفع فيها قرص الشمس ليتوسط كبد السماء، وكانت بضعة أسراب من طيور غريبة الشكل، بشعة المظهر تحوم في السماء.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,071,758,182
- يسرا البريطانية (18)
- كعبة الشمس البرتقالية...!
- يسرا البريطانية (17)
- أنا والله وتغاني ...
- يسرا البريطانية (16)
- يسرا البريطانية (15)
- أي نحس ثقافي؟!
- يسرا البريطانية (14)
- رؤيتي المغايرة لأيلول الأصفر....!!
- يسرا البريطانية (13)
- يسرا البريطانية (12)
- يسرا البريطانية (11)
- يسرا البريطانية (10)
- نيويورك تايمز كذبت ضد صدام حسين...
- يسرا البريطانية (9)
- من مستنقع السياسة، إلى أزهار الثقافة...لنجرب!
- يسرا البريطانية (8)
- الرواية من منظورِ الحرية!
- يسرا البريطانية (7)
- يسرا البريطانية (6) رواية


المزيد.....




- بوريطة:مخرجات الاجتماع التشاوري لمجلس النواب الليبي نقطة تحو ...
- نصير المهمّشين.. المخرج فيلليني ساحر الواقعية الإيطالية
- أحمد بدير يقاضي إعلامية كويتية بعد تنمرها عليه ووصفها له بـ- ...
- تمثال لأحد ملوك مصر القديمة يتعرض للكسر أثناء النقل إلى المت ...
- وفاة طوني هساي مدير شركة زابوس السابق.. كيف أحدث ثورة في ثقا ...
- د. عقيل مهدي: المسرح هو برهة فنية خاطفة دالة على امتداد ...
- موسيقى الاحد: كانون باشلبل
- حكايتي ...وليد حبوش: لا نملك ماكنة إعلامية تروج للفنان العرا ...
- اتحاد الأدباء بين أروقة معرض العراق الدولي للكتاب
- كاريكاتير العدد 4820


المزيد.....

- لستُ أنا... / محمد جبار فهد
- مثل غيمة بيضاء / نامق سلطان
- ستولَد شمس / ج. د. بن شيخ- ترجمة مبارك وساط
- ستولَد شمس من أهدابك / ج. د. بن شيخ- ترجمة مبارك وساط
- لستُ أنا... / محمد جبار فهد
- جورج لوكاتش - مشكلات نظرية الرواية / صلاح السروى
- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (19)