أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (14)















المزيد.....

يسرا البريطانية (14)


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6674 - 2020 / 9 / 11 - 15:47
المحور: الادب والفن
    


يسرا القرمزي

( 1 )

ولادته انبثقت من صيف قيض له أن يكون أشبه بيوم القيامة، امتلأت السماء بالغيوم السوداء وغطت الأرض رطوبة نزقة اختلطت فيها الروائح الكريهة للأجساد المحشورة في رقعة ضيقة من الأرض بمحاذاة الحدود الباكستانية الهندية، كانت ولادته تحت اسم "سميع الله الرحمن" لُف في أوراق بلاستيك لمنع لسعات الحشرات من تلويث جسده الطري حتى تتم مغادرة المنطقة الحدودية المشبعة بالدخان ورذاذ الغازات المنبعثة من المخازن والمصانع الرثة الموجودة في منازل بعض الأسر التي تعمل في المواد الأولية البدائية، كدبغ الجلود والصباغة وتجفيف روث الحيوانات لصنع السماد الزراعي.
"ماذا حدث لسميع حتى ينقلب لمايك؟"
عندما سألته يسرا ذلك في إحدى المرات التي صادف وفضفض لها عن طفولته، أجابها باقتضاب كعادته حين لا يريد التوغل في حديث ما لا يرغبه.
"الخوف من البقاء في ذات المكان، ورغبة في الإفلات من المجهول"
شعرت حينها أنه يتكلم عنها، ردت عليه وقد انبثق الماضي، الموغل في الرمادية المزحوم بالصور والمشاهد التي تذكرها بأن العالم ينهار من حولها.
"كأنك عشت في الزبير أيام القصف الأمريكي المجنون"
ذكرته عبارتها بليالٍ طويلة متكررة، حالكة السواد والعتمة، كانت تشتعل فيها الحرائق في أماكن مختلفة قريبة منهم وما زال طعم الطفولة يتذوقه من خلالها، تعج الأجواء بطلقات الرصاص، وضجيج المطاردات التي لا تُعرف لها أسباب، صراخ الأطفال من حوله لا يفزعه كما الأطفال الآخرين، يكتفي بالتكور في الفراش العتيق الذي تعيث فيه البراغيث والحشرات، فيصحو بالنهار ليجد جسده ملطخاً ببقع الدماء.
"كنت طريداً بالليل ومطارداً بالنهار، أطارد الكلاب الصغيرة الهائمة على وجوهها"
"ولماذا تطارد الكلاب؟"
تسبر غوره بالأسئلة لتصل إلى مضمون الرجل الذي كانت في البداية تكن له الكراهية وحتى الاشمئزاز، تبحث عن خلفيته بالتنقيب في ماضيه وكانت الأسئلة التي تطرحها عليه من وقت لآخر المغزى منها الوصول إلى أعماقه الدفينة، كانت مولعة بالتنقيب في دهاليز حياته الغامضة وكلما أتيحت لها الفرصة للسؤال والتقصي تجري وراءه من دون أن يشعر أو يتململ، فقد كانت من الذكاء بأن تختار اللحظات الحميمة التي ينساب فيها الحديث بينهما بدون تكلف.
"كنت أحب الكلاب وأشعر بأني أسيطر على الكون من خلالها"
تعلم حمل السلاح وهو في سن الثانية عشرة عندما جمع أحد شيوخ القرية مجموعة من الأطفال كعادة شيوخ المناطق الحدودية حينما يحشدون المسلحين على هيئة ميلشيات يدافعون بها عن مصالحهم الصغيرة، وحالما تنمو تلك المجموعات المسلحة، ينظم بعضها للتنظيمات السياسية الدينية المسلحة كالقاعدة والأحزاب الباكستانية والأفغانية، وبعضها ينضوي تحت مظلة تجار المخدرات والتهريب، كانت طفولته متوحشة تميل للانتقام من الغرباء، غادر مرحلة الشعور بالرغبة في مطاردة الكلاب لمطاردة البشر في سن الثالثة عشرة، شعر بأنه رجلاً مكتمل الرجولة ويتفوق على بقية الأطفال من خلال سلاح البندقية الآلية التي كان يحملها على كتفه ويجني من خلالها بضعة روبيات سرعان ما يصرفها على الحشيشة والسجائر، لم يتعرف على المشروبات الكحولية إلا وهو بسن التاسعة عشرة بالرغم من قيامه مرات عدة بتمرير وتهريب صناديق الويسكي التي كانت تأتي عبر الحدود الهندية والأفغانية، مازال يذكر الأيام التي احتجز فيها لدى "الملا محبس الله عفير" الذي اعتبره رهينة لديه حتى يتسلم شخصاً آخر كانت تحتجزه مجموعة أفغانية متاجرة بالحشيش، واستغرب من هذا الاحتجاز لأنه لم يكن ينتمي لتلك المجموعة التي كان يطالب بها الملا عفير وحين طالت المدة من دون رد فعل من أحد أو سؤال من طرف، عرض عليه الآخر الانخراط لمليشيا الملا تدعم طلبة المدارس الدينية التي تشكل بدورها وقود بشري للقاعدة في المنطقة الحدودية المتاخمة لأفغانستان.
"كانت المرة الأولى التي أسمع فيها بالقاعدة"
صرخت وهي تقول بصوت متشنج مع ابتسامة عالقة على وجهها من دون أن تخفي صدمتها.
"اقتربت من القاعدة؟"
عندما انتبه للمدى الذي جرته إليه بحديثها عن الماضي نزع عن وجهه قناع الانسجام معها وطفق يحول الحديث تجاهها مرتدياً قناع الغموض والبرود في المشاعر الذي يلفه منذ معرفتها به، قفز بالكلام من خلال السؤال الذي فاجأها به.
"متى تتركين الفندق؟"
****
اخترق شعاع الصباح ستارة غرفتها من دون أن يكون هناك ضوء، بدا شهر أغسطس ساخناً والشمس حارقة بالنهار وارتدى غالبية الناس في الشوارع السراويل القصيرة والقمصان المفتوحة، كانت تهم بالخروج للذهاب للفندق حينما جاءها صوت طرقات الباب فأيقظها من النعاس الذي مازال عالقاً، دهشت من الطرق في هذا الوقت المبكر واتجهت قلقه نحو الباب وقبل أن تصل، جاءها صوت ريتشارد معلناً عن حضوره، عدلت عن التوجه نحو الباب، تناولت حقيبة يدها وعادت مرة أخرى نحو الباب متسائلة بصوت ضاحك قبل أن تصله وتفتحه.
"ريتشارد؟"
بادرها بابتسامة خبيثة لم تفهم منها ما يخفيه رغم محاولته التملص من النظر في عينيها، كان يرتدي قميصاً وردياً مخطط بذات اللون ولكن بدرجة أغمق، وسروال قصير ذو فتحات عدة في الجوانب برزت مشحونة كما يبدو بالهواتف والسجائر والولاعات وغيرها من الأشياء التي اعتاد الرجل جمعها بالاثنين دائماً ربما من باب الاحتياط لو طلب منه أحداً شيئاً وخاصة مايك الذي كثيراً ما صادف أن نسى إحدى لوازمه في مكان ما، هبطت معه للشارع وسألته وهي تهم بالسير نحو الفندق وسط ضوء الشمس الحاد الذي ميز هذا النهار، أوقفها وهو يمسك معصمها لأول مرة، فوجئت مستغربة أن تصدر مثل هذه الحركة منه وهو البارد المشاعر والمحافظ دائماً، بوضعه حدود للعلاقات مع من حوله.
"خذي"
سلمها مفتاح صغير، بالتزامن مع حركة من يده تشير لسيارة صغيرة حمراء نوع "مازدا" متوقفة بزاوية من الرصيف المقابلة لباحة إحدى الحانات الصغيرة قرب محطة البترول، تبادل الاثنان النظرات والابتسامات التي بدت للوهلة الأولى غامضة، قطعها صوته يقول ضاحكاً وباحثاً عن رد فعل من جانبها.
"كل الأوراق والوثائق بداخلها"
كانت ردة فعلها الأولى وسط علامات التعجب والدهشة، كلمة أطلقتها مع ضحكة مجلجلة لم تضحكها من قبل.
"مجنون"
تركت السيارة مكانها وهرعت مسرعة تجاه الفندق وهو يجري خلفها مستغرباً، يحاول فهم تصرفها الذي بدا له أخرق، كانت تجري وأنفاسها تتصاعد، التفتت نحوه قائلة ومازالت الابتسامة عالقة بشفتيها.
"لا أستطيع قيادتها"
ثم استطردت وهي تسير.
"ريتشارد.. بهرتني السيارة وبمجرد أن أتملص من الفندق سأعود إليها وأقطع شوارع "كينغستون" كلها، لو معي رخصة قيادة"
" ماذا تجنين من وظيفة وضيعة ومعك الرئيس؟ آسف، لكن هذه الحقيقة"
كادت تصل موقف الفندق الأمامي، كانت هناك سيدة عجوز مستندة على الحائط الزجاجي من واجهة المدخل، تدخن سيجارتها، وبذات اللحظة وصلت سيارة ميني باص توقفت وخرج منها عدد من الأفراد من نساء ورجال يبدو عليهم من السياح الأجانب ميزت لهجتهم الإيطالية، كانت الساعة قد اقتربت من السابعة والطقس ما زال رطباً واستغربت من وصول سياح في هذا الوقت المبكر، توقفت والتفتت نحو ريتشارد الذي توقف بدوره وراح يلتقط أنفاسه وقد أدرك أنها على وشك الدخول، قال متسائلاً بنبرة ساخرة.
"متى ستقودين السيارة؟"
نظرت في عينية مع ضحكة صغيرة مرافقة.
" لن أسامحك؟"
ولجت الفندق تاركةً الرجل وسط حيرة، دفعته ليخرج سيجارة لف جاهزة في جيبه وأشعلها ثم أخرج هاتفاً نقالاً من جيب سرواله القصير وأدار الرقم، جاءه صوت ستيفن من الطرف الآخر.
"لا تعرف القيادة، هل تصدق؟ أبلغ الرئيس، ليس الآن، بعد الساعة العاشرة"
****
توجت صباحها الناعس والمثقل بالأفكار المتشعبة بالانخراط في العمل، الذي بدأته بجلسة مع بول المسئول عن خدمات الغرف لتتعرف معه على المهمة الجديدة التي لا تختلف عن سابقتها في لندن دوان تاون إلا في مستوى الغرف والإشراف من وقت لآخر على أداء بعض العاملين المبتدئين وهو ما يؤهلها للارتقاء بوظيفتها لمشرفة على القسم، أو بالنقل لإدارة أخرى، عندما استقبلها بول في زاويته بالفندق أول ما بادرها به السؤال عن وضعها في العمل بالفندق وإذا ما هناك فرق بين لندن و"كينغستون" لم تجب للوهلة الأولى فقد ظنت في ذلك فخ نصبه لها كعادتهم الإنكليز في اختبار المرء، خاصة إذا ما كان من أصول شرقية، تدرك بخبرتها معهم طوال هذه السنوات مدى المكر الذي يتميزون به، لذلك تأنت في الإجابة واختارت كلماتها منتقاة وهي تقول مبتسمة.
" الفرق في القرب من موقع سكني"
"هذا صحيح"
بعدها عرض عليها إن كانت تفضل العمل وحدها في تنظيف الغرف أو تكون معها عاملة أخرى مساعدة، فاخبرته بأنها تفضل العمل وحدها إذا لم يكن لديه مانع، فوجئت بأنها ستستمر في تنظيف الغرف رغم تغيير تسميتها لمساعدة، انتهت من جلستها، اتجهت للغرفة 254 بالجناح الثاني وبدأت يومها بنظرة سريعة مسحت من خلالها المكان، تأملت في البداية عدد أحذية الكعب النسائية المركونة في زاوية بقرب دولاب الملابس المحاذي لطرف الحمام، ثم لفتَ انتباهها صندوق رصاصي لأدوات الماكياج مفتوح وقد احتوى على الكثير من العلب الصغيرة والزجاجات والفرشاة وغيرها، وبدا من هيئته باهظ الثمن، استغربت من وجود الأدوات الثمينة فيما تسكن بغرفة مفردة، كانت الغرفة صغيرة وضيقة ولا تتسع لكل الحقائب والأدوات والملابس المنتشرة في أرجاء المكان " لا أظن أن فنانة ستقيم بهذه الغرفة الضيقة إلا إذا كانت مبتدئة أو تريد التخفي" وجاء ردها على نفسها بهذه العبارة الساخرة "ربما تكون راقصة تعري" أثارتها نوعية سراويلها الداخلية الضيقة والشفافة للغاية، تأملتها بنظرة حائرة، بعضها في حقيبة مفتوحة بداخل الدولاب وبعضها جمعتها في كيس خاص بغسيل الملابس تركته فوق رف الدولاب بقرب الملابس المعلقة، استلت سروالاً بنفسجياً من الكيس وراحت تشتمه، زفرت بتنهيدة كمن صدمت من الرائحة التي فاجأتها وألقت به في الكيس ثم خلعت القفاز البلاستيكي من يدها واستبدلته بقفاز آخر، نظرت للساعة وبدأت بعدها العمل بإيقاع أسرع.
في اليوم التالي قصدت ذات الغرفة 254 يحدوها شعور مماثل للشعور الذي سبق ومرت به عندما صادفت سعاد البشراوي، مازالت تذكر هيئتها بالتحديد اللحظة التي سحبتها داخل الغرفة وهي بالبيجامة الصفراء المخططة بالأسود وقد كشفت عن جسدها الناضج المتناسق الذي ينضح بالأنوثة، ومؤخرتها المكتنزة وقد أحست يومها بشعور غامض نحوها، نفس الرائحة والأجواء وطريقة التخفي في الفنادق الصغيرة، رغم ما يبدو عليها من الثراء الفاحش والغموض "هي تطاردني ولا شك" قالت في سرها بعدما أغلقت عليها الغرفة من الداخل وراحت بسرعة تتقصى في كل ما حولها، المرأة في هذه الغرفة اليوم تحمل ذات الرائحة، وعطرها يبدو نفسه، إلا أن ثمة رائحة غريبة في ملابسها الداخلية تنم عن عدم اهتمام بنظافتها الداخلية مما يعني أنها غير معنية بمضاجعة أحد، وغير مبالية بعنايتها الداخلية رغم مظهرها الخارجي وملابسها وأكسسواراتها وأحذيتها الباهظة الثمن "ماذا تفعل هذه السيدة هنا في كينغستون؟" بدأت بتفحص المكان وراعها شعور مدمر اخترق أعماقها ودق ما يشبه جرس الإنذار مما يجري حولها، لا يمكن أن تكون هي سعاد ذاتها، وإن حدث وكانت هي فلابد من تفسير قوي، هي لا تؤمن بالصدف ولا بالمعجزات ولا بالخوارق، علمتها الحياة الدامية الشاقة بأن وراء كل حركة وفعل وواقعة سبباً قوياً، تنازعها شعور مزودج، أحدهما يقول ابتعدي عن النار بعد أن فتحت لك الدنيا ذراعيها مع مايك الباكستاني، والثاني يدفعها للتوغل وراء المرأة إن كانت هي ذاتها سعاد البشراوي، بدافع الفضول الذي تبحث من خلاله عن تفسير ملاحقة المرأة لها، إن كان صدفة أو بقصد " من تطارد من؟" سألت نفسها وهي تعبث بالمكان " لماذا لا أكون أنا من يطاردها ويتجسس عليها؟ أنا من تطفلت عليها وعبثت بمحتويات غرفتها" لم تكتشف جديد في الغرفة، احتارت وقد حاصرها الوقت ولم تنته من ترتيب المكان، هل تتعمد التأخير ربما يحالفها الحظ بمجيء المرأة؟ من هي سعاد البشراوي؟ "هل اطلع مايك؟" واصلت العمل في الغرفة وتسللت يدها في الغطاء الداخلي الخلفي من الحقيبة واستخرجت كيساً بلاستيكياً وتطلعت فيه، لم تفهم محتواه وأعادته لمكانه، حتى الآن لم تجد شيئاً يوحي بأنها هي سوى رائحة المكان، أنهت العمل وخرجت تدفع عربة التنظيف، تنفست الهواء في ردهة الجناح الداخلية بقرب المصعد وتذكرت أن هناك سيارة جديدة ملكها تنتظرها بالخارج، أول ما خطر ببالها التدرب على القيادة، لا تعرف قوانين التدريب واستخراج الرخص "لن أعاني بوجود مايك" كانت هذه عبارتها المتكررة كلما واجهت موقفاً صعباً أو تعرضت لتحدٍ من تحديات الحياة التي ظلت تواجهها وحدها فيما سبق.
****
حل شهر سبتمبر، فاحت رائحة الزهور، تناغمت الأشياء وساد الانسجام في الكون، رأت الطقس مختلفاً ونسمات الهواء القارصة تلفح وجهها الجديد الخارج للتو من فرن التجميل، قضت الشهرين الماضيين بين عيادات التجميل بأمر من مايك الذي وعد بإصلاح ما أفسدته السنين المنصرمة التي انتزعت من شكلها وبشرتها نظارتها قبل الأوان، تخلت عن ترددها بدافع كسب إعجابه ورأت أن الحياة ابتسمت لها أخيراً وأوقعت الرجل الباكستاني في حبالها رغم أن بحر من النساء بمختلف الأجناس والألوان والأشكال تحيط به "لكنه اختارني من بينهن، ماذا أملك؟" لم تتردد في قضاء الساعات والأيام بالعيادات التجميلية محاولة سباق الزمن بتعويض ما فات، لم تجر عمليات جراحية، فقد كانت بشرتها مشدودة وبحاجة فقط للتنظيف، رفعت حواجبها وأجرت بعض التغيير الطفيف أسفل شفتيها وأزالت البقع والبثور الصغيرة المنتشرة على صفحة وجهها بسبب نقص التغذية والفيتامينات طوال سنوات الجمر والمجاعة والعمل المتواصل بخدمة الغرف، لَمعت يديها وأزيل السواد من أصابع يدها الذي تركته أعمال تنظيف وشطف الحمامات رغم ارتدائها القفازات الجلدية، غير أن رطوبة القفاز من الداخل واحتكاك البشرة بالمواد الصناعية ترك تأثيره على بشرة الأصابع، لاحظ الجميع التغيير التدريجي الذي يطرأ عليها يوم بعد يوم وزادت الشكوك من حولها بوجود سبب وراء ذلك وممول لهذه العلاجات المكلفة، كانت تظهر من وقت لآخر وقد تغير شيء فيها من غير مبالغة، إلى أن تبلورت صورتها النهائية لتبدو امرأة فاتنة لفتت انتباه كل من حولها، تبدلت معاملة الجميع لها، فأخذ بعضهم من الرجال في الفندق يلقي بشباكه حولها، وبذات الوقت بدأ اهتمام مايك يتضاعف وظهرت على السطح بوادر وقائع غامضة راحت تتداعى من غير تفسير كظهور شبح سعاد البشراوي يحوم حولها في أكثر من مناسبة، كادت تفتح الموضوع مع مايك لكنها فضلت التكتم حتى لا تثير زوبعة من حولها، فهي تعرف الرجل وخيوطه المتشابكة واتصالاته ومن شأن ذلك أن يفتح أبواب مغلقة قد لا تغلق مرة أخرى، كانت تحرص على الركون للهدوء وعدم الخوض في مغامرات وتحرص على عدم الزج بنفسها في مواقف قد تكون لها ردات فعل عكسية وهي بالكاد استقرت في "كينغستون".
عرض عليها مايك ترك الشقة الصغيرة والسكن في "جسنتين" لكنها آثرت شقتها الصغيرة المتواضعة بالقرب من الفندق لشعورها بالانتماء للجدران الأربعة الضيقة، بعد اليأس منها في البداية وإثر الشعور بالكآبة منها الذي رافقها أول الأيام، بدأت تعتاد عليها وتنسجم مع ما تشكله لها من عالم آمن تهدأ فيه من توترها اليومي المزمن، انتهى بها المطاف بين شقة "كينغستون" التي تولى دفع إيجارها مايك رغم إلحاحه المستمر بالانتقال "لجسنتين" سعى لتكون بقربه وسعت هي من غير أن تشعره بتجنب الاحتكاك اليومي معه، ظلت تعمل بالفندق إلى أن تحقق لها الانتقال لدائرة الحسابات واستقلت عن تنظيف الغرف إلى أن جاء يوم كانت فيه تقف بردهة الفندق الخارجية تدخن سيجارها وترشف كوب القهوة السوداء، كانت ممسكة الكوب بيد تدفئ يدها من البرد إثر سقوط رذاذ المطر وهبوب رياح شمالية باردة، أحست بيد خفيفة تمتد من ورائها وتلامس كتفها برقة ناعمة، التفتت خلفها فيما دخان السيجارة ينفذ من فمها فإذا بسعاد البشراوي تقف أمامها مبتسمة وقد فاح عطرها المميز الذي يذكرها برائحة الغرفة لأول مرة بفندق لندن داون تاون، كانت زخات المطر على الأرض، وطلت السماء من فوق حبلى بالغيوم السوداء وثمة رجل يعبر على دراجته من أمامها يقطع الشارع بملابسه الرياضية غير عابئاً برذاذ المطر، وقفت المرأة الغامضة تبتسم وهي مرتدية جاكيت أسود باهظ الثمن وبدا وجهها كممثلة هوليودية بما احتواه من كريم أساس وروج أحمر غامق وأهداب سوداء مع شعر بني منساب على كتفيها، وعينين عسليتين وخدين أحمرين متوردين، خرجت الكلمات بطيئة ناعمة وهي تقول بنبرة حانية.
"وجدتك يا الهاربة"
نظرت يسرا ليديها اللتين تحملان كوب القهوة والسيجارة، ألقت ببقايا السيجارة ومدت يدها تصافح المرأة المختالة بطبيعتها، لم تسعفها الكلمات لتنطق في تلك اللحظة، فبادرتها البشراوي مسترسلة.
"هذه المرة لن تفلتي مني"




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,020,239,706
- رؤيتي المغايرة لأيلول الأصفر....!!
- يسرا البريطانية (13)
- يسرا البريطانية (12)
- يسرا البريطانية (11)
- يسرا البريطانية (10)
- نيويورك تايمز كذبت ضد صدام حسين...
- يسرا البريطانية (9)
- من مستنقع السياسة، إلى أزهار الثقافة...لنجرب!
- يسرا البريطانية (8)
- الرواية من منظورِ الحرية!
- يسرا البريطانية (7)
- يسرا البريطانية (6) رواية
- يسرا البريطانية (5) رواية
- رواية -يسرا البريطانية- (4)
- رواية يسرا البريطانية (3)
- في الكتابة إثارة...أنت بحاجة إلى العزلة!
- يسرا البريطانية ج (2)
- يسرا البريطانية (1)
- الموجب والسالب في الرواية!
- رحلة في عقل روائي...غارسيا ماركيز


المزيد.....




- المغرب يدعو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى نظام متعدد ...
- المنتجة الفلسطينية مي عودة تفوز بجائزة مجلة -فارايتي-
- مؤتمر اللغة العربية الدولي الاستثنائي من 25 حتى 29 أكتوبر
- -الأرملة الماكرة- تأليف كارلو جولدوني
- توقيع 6 اتفاقيات للتعاون بين المغرب وتشاد
- البام مهاجما التدبير الحكومي: ضجيج وكلام غليظ
- مهرجان الجونة.. فيلمان تونسي وفلسطيني وجدل حول التطبيع
- بوريطة:المغرب وتشاد لديهما رؤية مشتركة للحفاظ على السلام في ...
- المجلس العلمي الأعلى يعبر عن رفضه واستنكاره لكل أنواع المس ب ...
- الشخصية الوصولية ومرآة الذات المزيفة في الأدب


المزيد.....

- جورج لوكاتش - مشكلات نظرية الرواية / صلاح السروى
- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة
- أكوان الميلانخوليا السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- التآكل والتكون السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- رجل يبتسم للعصافير / مبارك وساط
- التقيؤ الأكبر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- الهواس السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (14)