أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (1)















المزيد.....


يسرا البريطانية (1)


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6619 - 2020 / 7 / 15 - 22:14
المحور: الادب والفن
    


الموت هو النداء الأخير لنا لكي نستيقظ - دوغلاس هورتون

إهداء إلى ...
جبار الشريف الذي مات ولم يمت
وإلى ...
ابنته يسرا القرمزي..آخر وردة بموسم الشتاء، عاشت لتشهد التحول الكبير (المهزلة)

يسرا الزبيرية

( 1 )

"لماذا يختفي كل الذين أعرفهم؟"
"لماذا يهرب كل الذين أحبهم؟"
كنت يسرا الهاربة من الزبير، وأصبحت يسرا القرمزي ثم تحولت ليسرا البريطانية لينتهي بي المطاف ليسرا الإرهابية.
لماذا لم أعدم عندما حانت ساعة الإعدام؟
لعل ملاكي الصغير كان يحرسني من مكان ما في هذا الكون المجنون بالقتل.
لا أذكر كل ما مررت فيه، ولكن بعضه فقط، فقد عُطبت الذاكرة لشدة الأهوال، وما سيحكى عني هنا بلسان "أحدهم" هو فحسب جزء من الرواية ولا أستبعد أن يجري التصرف ببعض الوقائع، لكن ما سيروى هو أقل بكثير مما جرى، سوى ما لم يحكِ لأسباب شخصية أو أمنية أو استخباراتية، هل كان حلماً أم كابوساً أم مجرد حياة امرأة وقعت في الفخ؟ لقد جرت الأحداث في البداية صدفة ولكنها سارت بعد ذلك بتخطيط دقيق متعمد، كنت في قلب الظلمة، قاع بارد ومعتم، وكنت أنا الضحية التي وقعت في الفخ"

يسرا القرمزي
****

تم التصرف بجزء يسير من الوقائع والأسماء من حذف وإضافة لأن الأحداث ما زالت مستمرة لأجل السلامة.

احمد جمعة

****

بفندق"H" بلندن تسلمت أول راتب لها كعاملة بقسم خدمة الغرف، تعلمت ترتيب الغرف من خدمتها كنزيلة بأحد السجون بدبي وأدركت من يومها أنها لن تقبل كلاجئة سياسية لأسباب عديدة، منها أنها لم تثبت انتمائها السياسي، ولا نشاطها السياسي، وإنما هناك قضية رفعت عليها في محاكم دبي بتسهيل الدعارة وحتى هذه خرجت منها ببراءة بعد شهر ونصف من الاحتجاز، ولم يثبت عليها شيء فقررت وجهتها إلى بريطانيا من خلال تأشيرة سياحية، تحولت فيما بعد إلى احتجاز وتحقيق طويل ادعت من خلاله بأنها عذبت بسبب آرائها السياسية ورغم تُوسط اثنين من رجال الأعمال الانكليز لها وتقديم التسهيلات كتوكيل محام ودفع التكاليف إلا أنها ظلت معدمة، وغير قادرة على التكيف مع الوضع المزري الذي جرى لها في بريطانيا وتمنت في وقت من الأوقات السقوط في حفرة، أو تصدمها سيارة، أو يسقط عليها سقف المكان ولا تبقى في لندن أو تذهب إلى دبي، فقد خسرت نضارتها لفترة وأصابها الهزال، وغاب بريق عينها الذي طالت بسببه المديح والغزل وهي تعمل بإحدى الوكالات السياحية التي تنظم رحلات جماعية "تورز".
يسرا القرمزي، من مواليد البصرة بالعراق وخريجة، كلية الاقتصاد بجامعة حلب والمقيمة بمنطقة أبراج الحمام، لم تكمل درجة الماجستير، والعاملة والموظفة بالخطوط الجوية التركية في لبنان، هي واحدة من النساء اللواتي قذفتهن ماكينة العنف في العراق ولجأت للزواج من أحد رجال الدين، بعد أن وعدها بحياة كريمة انتهت منه بطلاق وعدد من الكدمات على وجهها التي تطلب منها أسابيع مشوبة بالمرارة، والقهر النفسي لتمحيها من سطح خدها الأبيض كالحليب، ولكنها عجزت عن مسح تلك الكدمات من داخلها، فظلت قابعة كنتواءت أزلية لم تمحها تلك الأيام الكالحة بالمرارة وهي تعبر الحدود العراقية التركية مخلفة وراءها الموت والدمار والأسرة المشردة على أطراف ثلاث دول، كانت تأمل من الليالي والنهارات السوداء بطعم الذعر، أن تزيح تلك البقع النفسية المحفورة في مشاعرها وهي تهرب من كنف الوحش البشري الذي تزوجها قبل النزوح إلى دبي أرض العسل والسهر، لكنها فوجئت بأن العسل الذي وجدته في المال والبذخ كان مغموساً بالوجع الناجم عن دهسها تحت بناية تزيد عن 120 طابقاً اسمها برج خليفة، حيث لم تنفع كل تلك السحب الرمادية وهي تعبر الطوابق العليا من البناية، ولا رائحة الصنوبر المنبعثة من حمامات الغرف العليا من محو آثار ليلة واحدة، اغتصبت من دبرها من قبل الزوج الطارئ الذي استخدمها لأيام ثم هربت بعد أن كرهت عادته الغريبة حين يقرأ القرآن ويصلي ركعتين قبل أن يغتصبها كل ليلة.
قبل أن تصل دبي تركت المكان الذي يعج بالآلاف من النساء والشيوخ والأطفال وراجعت مكتب الخطوط الجوية التركية باحثة عن وظيفة أدني من وظيفتها السابقة، ولكنها اكتشفت أن مكانها أخذ وليس أمامها في هذا البلد الذي يعج باللاجئين العرب من كل مكان إلا طريق واحد وهو البارات والملاهي، ولا مكان لشهاداتها وخبراتها في بلد تحلل من أدنى مقومات الحقوق البشرية ولا يوجد ما تأكل منه إلا إذا كانت تتدبر الحيل والمكايد، أو تبيع أثمن شيء تملكه كأعضائك أو روحك، وحتى هذه الأشياء الثمينة لديك لن تسعفك على سد رمق العيش، لم يكن أمامها خيار الزواج من رجل تصورت أن تكون معه على الأقل بمأمن من الوحوش البشرية الضارية ولو لبضعة شهور حتى تتدبر أمرها، فكان لقاء عابر جمعها مع رجل غامض برز فجأة أمامها في إحدى ليالي الشتاء، والثلج ينهمر والصقيع يضرب في عظمة جسدها والجوع يستل منها ما تبقى من قدرة على التحمل، رأت فيه وهو يدنو منها بسيارة "جيمس" سوداء توزع المؤمن ويلقي بالتحية ثم يخصها من بين اللاجئين بعطايا مميزة تراوحت بين ملاءات من القطن والصوف وعلب الطعام وبضعة أوراق نقدية من فئة الدولارات، أيقنت بأنها ليست من ضمن المساعدات الخيرية، شعرت بأن السماء العليا بعثت لها بملاك من دون الباقين من اللاجئين، جاء من وراء السحب الشتوية الكثيفة ليرمم الفوضى بداخلها، كان شاباً في حوالي الثلاثين، أنيقاً ووسيماً وذو لحية طويلة لمست منها تدينه وشعرت من نبرة كلامه بالتقي الصارم، فأسلمت زمام الأمر وسايرت عباراته المخملية فتكررت زياراته لثلاثة أيام وفي اليوم الرابع فتح مغارة على بابا وفاجأها بطلب الزواج، وما هي إلا أيام حتى اختطفها إلى دبي ترانزيت ومنها الى البحرين ليستقر معها في شقة خاصة اختارها لها في منطقة "البسيتين" في مدينة المحرق بمحاذاة البحر.
تطل السماء عليها أغلب الأوقات وحيدة، يحل المساء وينتصف الليل ويلوح النهار من بين نافذة الغرفة المطلة على البحر وتلوح لها البنايات الشاهقة من بعيد فتتساءل عن هوية السكان الذين يقطنون هناك وماذا يفعلون في هذه الساعات الطويلة التي تمر عليهم وعليها، محاولة اختراع قصص في خيالها عما يدور وراء الحيطان، تقطع الوقت الملل، تفتح التلفاز على قنوات مضجرة، تتصنع المتابعة وتحاول الاندماج في مسلسل أو فيلم عربي، غير أن مسلسل آخر لا تستطيع انتزاعه من رأسها، إذ تدور أحداثه خلف السياج وفي العرى بين الجوع والبرد والتشرد وأفراد تعرفهم يرزحون تحت خط الموت البطيء بينهم أخوة وأخوات، أطفال، أصدقاء، صديقات، معلمات، جيران، خوال، أعمام وأشخاص لا تعرفهم ولكنها كانت تشاهدهم يعبرون الطرقات ويقطعون الممرات قبل أن يهطل مطر القنابل والصواريخ العابرة من السماء والبحر، لتحول الأحجار والصخور والأجساد إلى كتل مختلطة، ثم تبدأ أجزاء المسلسل الدامي بعد الاحتلال ثم الحرب الأهلية ثم النزوح الذي انتهى بها إلى هذه الشقة الصغيرة المطلة على البحر في البحرين.
"ماذا أصنع هنا؟" كانت تردد السؤال عشرات المرات في اليوم، عند إقامتها هناك، ينتزعها من أمام التلفاز، والبحر الذي ضجر من تأملها المتواصل له إلى عالم الحدود والمطارات والهروب المتعدد الجهات، لا خروج ولا هاتف باستثناء الهاتف الأرضي الذي يستقبل فقط مكالماته المتقطعة، يبدي اهتمامه بها مرة، وأخرى يطلب التجهز لزياراته، يقضي ليلة أو نصفها أحياناً ثم يغلق الباب ويخرج تاركاً إياها تبحث عن خيوط الهرب في مخيلتها، بين القفز من رصيف يحترق إلى سفينة تغرق، تواجه خيارات عدة أحلاها الاغتصاب شرعاً أو الدعارة أو الموت تشرداً، لاشيء يؤدي إلى الوظيفة فقد سُدت أبواب الأعمال والانتظار لا يسفر إلا عن الضياع والوحدة، والشهادة في زمن الحروب الأهلية واللجوء عبر الحدود لا يمنح الفرصة للوصول إلى الوظيفة، وأفضل ما وصلت له الشاب الشيخ يوسف الجناح، وها هي تقبع أمام النافذة تتمنى قرصاً منوماً من فئة الفاليوم أو مهدئ الزناكس وقد اعتادت هذه الجرعات قبل الحرب وأيام الامتحانات الجامعية وخلال مناقشة رسالتها الجامعية، ستكون محظوظة لو تحصل على هذه الأقراص وهذا منتهى حلمها، إذ إنه السبيل للخروج من هذا المأزق، ولكن كيف الخروج من هذه الشقة؟
ابتسمت وهي تتذكر حلمها بالزناكس وتلك الأيام الدامية قبل أن تهرب إلى دبي ثم إلى السجن ومنها إلى لندن، كان الهروب وحده يشكل مسلسلاً وها هي الأقراص في متناول يدها ولم تحقق سعادتها، بل تكفي لتنام خمس ساعات متواصلة دون أن تصحو بالليل وتستعيد أشباح السياج والخيام وحرس الحدود، لتبدأ مناوبتها بفندق "H" الذي وفر لها الملاذ في الأيام الأولى ووعد طال مداه بترقية نقلها إلى قسم الإدارة في أول فرصة تتوفر، ولكن السنوات مرت قبل ذلك، متنقلة من فندق لآخر وهي تعيش مع غرف النزلاء وأوساخهم وأسرارهم وتكيفت مع هذا الوضع وأحبته وأصبحت جزءاً من الحياة الغامضة المليئة بالإثارة وهي تقضي الساعات الطويلة من يومها بين غرف الفندق تتأمل وتدرس الأوضاع المختلفة لكل ساكن من خلال ما تحويه حقيبته من محتويات، وعبر مخلفاته وما يفعله أو يمارسه من أعمال طوال فترة إقامته في الغرفة، كانت في الأيام الأولى تتجنب الاقتراب من حقائب المقيمين أو التفتيش في أغراضهم وتكتفي فقط بتحريكها أثناء التنظيف ولكنها مع الوقت والاعتياد على العمل راحت تدريجياً تتمعن في كل ما تقع يدها عليه وتتفحص أدوات النزيل وكيفية استخدامها وما أذا كان نظيفاً مرتباً أو قذراً مهملاً؟ تعرفت على أنواع من الأشخاص سواء كانوا رجالاً أو نساء، وعلى مستوى درجاتهم المعيشية من خلال أنواع الممتلكات من ساعات يد وملابس وتعرفت على أنواع مخادعة وأخرى غبية، وآخرين من أصحاب المظاهر الكاذبة، كانت تتأمل على سبيل المثال بعضهم ممن يرتدي ملابس خارجية غالية الثمن من ماركات عالمية في ذات الوقت التي ملابسهم الداخلية رخيصة وبعضها حتى متهرئ، وبعضهم يلقي بكثير من المواد كأمواس الحلاقة من أول استخدام وبعضهم يعيد استخدمها مرات، بل إن بعضهم يقتني إكسسوارات ثمينة ولكنه يخفي مجموعة النظافة بالحمام اليومية، التي يوفرها الفندق في حقيبته ويطلب غيرها، كانت الغرف بالنسبة لها عالم واسع وخيالي، تقضي الساعات بالبحث والتقصي في هوية المقيم، البعض يثيرها ويلفت انتباهها، فتفرط في اهتمامها بشخصيته، والبعض الآخر يقرفها، وآخرين يثيرون اشمئزازها، ورغم أن هناك مهلة زمنية محددة لها وهي من عشرين دقيقة إلى ثلاثين دقيقة لكل غرفة ماعدا الغرف المزدوجة، إلا أن بعض الغرف لا تستغرق منها عشر دقائق وبعض الغرف تأخذ الوقت كله، يعتمد ذلك على طبيعة الساكن ونظافته أو قذارته، كان البعض يثير اهتمامها لطريقته في العيش، فتدرس شخصيته وتتعرف على مضمونها من أسلوبه في العيش وترتيبه وطريقة تعامله مع محتويات المكان، وآخرين لا يستحق الأمر معهم سوى تنظيف المكان والإسراع بالخروج من الغرفة، كان عالم الغرف برمته يشكل لها عالماً قائم بذاته يعكس العالم الخارجي، وتستدل على ذلك من جنسيات المقيمين ومذاهبهم، فغالباً ما تتعرف على هؤلاء من جوازات سفرهم التي يتركونها على المنضدة أو عبر ملابسهم أو من خلال ما يحملونه من كتب ومجلات، وأكثر ما تكشف هوياتهم هي الكتب السماوية التي يجلبها بعضهم كالقرآن والكتاب المقدس والإنجيل، وما كان يثير ضحكها وسخريتها هي بعض المواقف ذات المفارقة كوجود كميات هائلة من الواقي الجنسي أو بعض أنواع الأدوية والأقراص مثل أقراص الفياجرا مخبأة في المناضد الصغيرة بقرب أسرة النوم، بالإضافة إلى أشياء كثيرة مثيرة للريبة وكان أخطر ما اكتشفته ذات مرة مسدس صغير مخبئ أسفل الوسادة فأصابها الفزع ونبشت ذكريات الحرب في مخيلتها، فأسرعت بإبلاغ الإدارة التي طلبت منها التكتم على الأمر وبأنها ستتصرف، وعندما صادف في اليوم التالي والتقت بالمقيم في الغرفة، خمنت جنسيته من لون بشرته ولهجته الانكليزية المشوبة بالنبرة الروسية وهو يحييها، كان ذلك أول أسابيع عملها بفندق "H" بلندن الذي بدأت منه ثم عادت إليه ثم استقرت في فرع آخر بمنطقة "كينغستون" خارج لندن داون تاون.
" أنا مجرد خادمة غرف وإن تغيرت التسمية وجعلوها مدبرة غرف فأنا في النهاية خادمة "
تهاجمها الأفكار على شكل هواجس، وتتصدر نهارها وترحل معها حتى تركن رأسها على الوسادة في نهاية يوم العمل، تبحث عن الأسرار والإجابات فيما وصلت إليه، هي لا تعلم بأنها تملك الكثير ولكنها لا تعمل على استغلاله، كانت تتأمل وجهها في المرآة وتبحث عن معني لشكله، وتغوص في أساريره وتسبر غور الملامح المطلة من تفاصيل شكلها لعلها تصدق بأنها على درجة من الجمال، فرغم كل ما تعرضت له من تحرش منذ كانت ترتاد الجامعة حتى اليوم، فدرجة الشك في نفسها وشكلها لم تتراجع، فما إن تبدأ بطرح الأسئلة حتى يتبدد شعورها بالثقة، وكان مصدر الشك قناعتها بأنها لو كانت على درجة من الفتنة لما تعرضت للتشرد والنزوح الدائم، كانت المرات التي استسلمت فيها لغزل البعض، حينما عملت بشركة السياحة بدبي بدافع الوصول إلى مخرج من الضياع من دون أن تفرط في شرفها، كانت معادلة صعبة بين الرضوخ لتحرشهم وتحقيق ما تصبو إليه، وبين الممانعة والاستمرار في النزوح من بلد لآخر، وقد ذاقت الرضوخ مرة بالزواج من الشيخ يوسف الجناح بعد الانسلاخ عن حياتها الطبيعية، لترتدي الحجاب ثم البرقع ثم تُعزل في شقة بعيدة عن الحياة العامة وتخضع لرقابة صارمة باستثناء الأكل ومشاهدة بضعة قنوات تلفزيونية أغلبها دينية وإذا خرجت من الشقة معه فلن تشاهد سوى البشر يتحركون في السوبرماركات والأسواق العامة من دون أن يكون لها رأي في أي مما تشاهد أو يجري حولها، قضت بضعة أشهر في البحرين لم تكلم سوى الزوج ولم تسمع سواه ولم تحتك بغيره من البشر وكأنه الرجل الوحيد على وجه الأرض، وعندما تلتقي ببعض النسوة على سلم البناية التي تسكن فيها وهي معه تكتفي باختلاس النظر لترى في وجوه النسوة علامات التساؤل والشكوك، لم تعرف عن البحرين طوال فترة إقامتها فيها سوى جدران الشقة وأضواء العمارات من بعيد وما يبثه تلفزيون البحرين من أخبار محلية وعندما تمكنت من الهرب والصعود إلى الطائرة وهذه لها قصة أخرى عرفت أن البحرين تشبه دبي في وجوه كثيرة وتمنت لو عاشت فيها بصورة طبيعية ومع زوج طبيعي كالبشر، تمنت بعد هروبها أن تعود ولكن من غير هذا المهووس بالجنس لترى البحرين كما سمعت عنها.
مرت بالكثير من المواجهات، تذكرت أن ما يحدث لها في بريطانيا هو نعيم الجنة، مقارنة بما جرى لها في الزبير وحلب، وحتى عندما كانت في البحرين، كان سجنها في تلك الشقة الفاخرة لا يختلف عن إقامتها في خيمة على الحدود، حتى عندما قطنت شقة بناطحة للسحاب في دبي، كانت معرضة للمساومة الشرهة بين أن تعمل مومساً وبين أن تخر ج من المكان "إن ما يحدث لي في لندن اليوم، ليس إلا صفقة مع الحيا ة ومغامرة لا أعلم أين تنتهي بي"
كانت الأحداث الجارية في الشوارع مخيفة، ولكنها استسلمت لقدرها بشيء ما دامت ليس في وارد تعرضها للطرد من هنا بسبب خطأ ترتكبه قبل أن تنال الجنسية البريطانية، عليها أن تتنازل عن كل شيء فقدته لتبقى هنا، الأسرة والأخوة والبيت والوطن وأصدقاء الطفولة وكل التاريخ والميراث، تركته وراءها وحتى جبار الشريف والدها الذي كان بمثابة بوابتها على الدنيا" اختفى ولا اعلم إن كان حياً يرزق أم في عداد الشهداء أو الأموات بحسب الحالة"
"جبار الشريف القرمزي"
يرنو مع الصمت، ويطفو على السطح كلما اتسعت فجوة الضياع، يختفي ويبرز ولكنه محفور في الوجدان كالخلايا الحية تتحرك بداخلها كلما تحركت المشاعر، ضاعت الأسرة كلها في أهوال ضياع الوطن، لكن جبار الشريف ظل في الحلم ممسكاً بيد تلك الطفلة الزبيرية التي مشت وحدها في طريق الضبابي.

****

" يجب أن أسرع بتحصيل الجنسية، لا أحد يعلم ما يخبئه الغد لي مع هذه الأحداث الدامية هنا"
انطلقت تلك الأفكار برأسها عندما أطلت السنة اللهب في لندن برأسها عبر الشارع الذي اعتادت قطعه في العودة لغرفتها المتهرئة في حيها السكني الفقير، وهو واحد من الأحياء القليلة المتبقية في العاصمة البريطانية والمهدد بالإزالة، أصبحت لندن مدينة الأثرياء، هذا ما تقرأه في الصحف البريطانية كل يوم، كان الحي المطل على الطريق 253 والمتفرع من الشارع العام المحاذي لمتجر الأدوات الكهربائية قد تعرض للنهب قبل ليلة، استيقظ مارد الخوف وانطلق شبح ليلة القنابل الفسفورية على الزبير، كانت قادمة بخطوات سريعة من بقالة الحي المظلم نتيجة تكسير مصابيح الإنارة وهي تحث الخطى بقدمين مرتجفتين، تطايرت الروائح المحترقة من حولها لم تميز ما إذا كانت لمسيل الدموع الذي ما زالت تختزن عبقه منذ إقامتها بحلب أبان الانتفاضة الحلبية وبين احتراق المولد الكهربائي للمنطقة والذي على أثره عم الظلام"لندن تحترق؟ لا أصدق" عبرت الكلمات في سرها غير مقتنعة بما تشاهد، الناس تهرب من الشوارع وتختفي في أي من الأمكنة تصادفها حتى لو لم تكن واثقة مما فيها، ولكنها على الأقل تتجنب المواجهة مع الأطفال الثائرين في الشارع، كادت الليلة الماضية أن تكون ضحية لأحدهم لولا ظهور شبح سيدتين صرخا فيه، في وقت استغربت من عدم وجود رجال الأمن بهذه المنطقة الخلفية من لندن "لن يعبئوا بها لأنها لا يسكنها الأغنياء" كانت تلك عبارة "روني" زميلها بقسم خدمات الغرف، ينتقد الحكومة البريطانية على تقاعسها في فرض الأمن منذ اليوم الأول لاندلاع الأحداث، وقد ابتعدت عنه لمجرد سماعه يتحدث بتلك النبرة خشية أن تكون مشاركة معه في انتقاد الحكومة وهو الأمر الذي تتجنبه مثلما تتجنب كلباً هائجاً يسد الشارع من حولها، كانت تأمل بالإقامة الدائمة "لن أسمح بأي خطأ يعترض طريقي حتى ولو تحدث سكان بريطانيا جميعهم، فلن أفتح فمي بكلمة" كان هذا شعورها ليلة احترقت لندن وتصاعدت أعمال الشغب، حتى عندما بدأ التصدي للمواجهات مع الشرطة البريطانية في اليوم الثالث وامتدت تلك المواجهات إلى الأحياء التي تقطن إحداها، ظل موقفها لم يتزعزع بالامتناع عن الخوض في النقاشات التي سادت محيط العمل بالفندق، كانت تكتفي بمتابعة الأخبار من تلفازها الصغير عندما تعود منهكة من العمل، وتتجرع كأساً من الفودكا الصرفة، كانت تتابع ما يحدث عبر وسائل الإعلام، وكلما سمعت عن تصاعد الأحداث، كلما تضاعفت نوبات الذعر لديها واستعادت مشاهد الزبير وحلب، امتد الشغب إلى مدينة بيرمنغهام واتسعت رقعة المواجهات وبدأت تتفاءل لدى سماعها عن إلقاء القبض على أعداد ممن تورطوا في أحداث الشغب والعنف، كان الخبر الذي توقفت عنده، فيما ظلت السيجارة عالقة بين شفتيها لدى سماعها بيان مكتب ديفيد كاميرون عن قطع عطلته في إيطاليا والعودة إلى لندن لمواجهة الشغب المتصاعد في العاصمة،. كانت تسمع طوال الوقت تعليقات زملائها في العمل حول رئيس وزرائهم والانتقادات اللاذعة من بقائه خارج البلاد منذ أن اندلعت الأحداث.
عندما طلت وزيرة الداخلية البريطانية "تريزا" إثر اجتماعها مع رجال الأمن والشرطة، ابتسمت وثار فضولها أن تواجه امرأة كل هذا الشغب "في حلب حاول رجال منع ذلك ولم يفلحوا فهل تقدر هذه السيدة على ذلك؟" كانت تتساءل وذهنها عالق بصور حلب والدمار الذي لحق بالزبير، وها هي المشاهد تتكرر، وأين؟ في لندن، نُهبت محلات تجارية، وأحرقت العديد من الممتلكات العامة والخاصة، بعد اليوم الرابع لم تتمكن من الذهاب للعمل وعندما اتصلت بالفندق لتستطلع خشية أن تسجل غياباً، نصحها "فلين" بألا تخرج اليوم، فقد بدأت الاشتباكات بين شرطة مكافحة الشغب والشبان الهائجين، وقد بثت القنوات التلفزيونية، صور الشغب إذ ظلت طوال اليوم تتابع الصور من التلفاز ولم تتوقف عن التدخين وتجرع الفوكا، بعدما امتدت الاشتباكات حتى أقصى المدينة.
تمكن الشباب الهائجون من نهب المتاجر المختلفة وأشعلوا النيران في السيارات وحاويات القمامة، استولوا على الشاحنات وأفرغوا محتوياتها.
" يسرا، من الأفضل أن تنامي عندي، أخشى عليك الغوغاء، تعالي إلى كينغستون"
كانت هذه أول مرة تسمع فيها عن مقاطعة "كينغستون" خمنت أن تكون مكان معزول، ينفرد فيها الرجل وتكون ضحية هذا المهووس بها منذ أن عملت بالفندق والذي ما فتئ يلاحقها بالنظرات الشبقة وبأنفاسه التي ينبعث منها مزيج من رائحة الويسكي الرخيص وبقايا الطعام "أفضل الموت في الشارع على يد أهوج من العزلة ساعة واحدة مع هذا الرجل" قالت ذلك في سرها ولكنها ردت عليه بشكره وتقديره لها واعتذارها مبررة ذلك بعدم قدرتها على النوم في مكان مختلف عن مكانها.
"اعتدت النوم في سريري حتى عندما كنت أنام مع أسرتي"
كان هذا ردها عليه، حدث ذلك في بداية معرفتها به، ثم أدركت مع الأيام التالية أن الرجل بالرغم من هوسه وتحرشه العفوي بها وخلوه من أي روح عدائية انطوائية غريبة كما هو حال أغلب الانكليز، لكنها لا تطيق مجرد الحديث معه، فلا شكله الخارجي ولا سنه، إضافة إلى أنه متزوج وله أسرة " لا شيء يغري بالتودد إليه، ولكن لا مانع من استغلاله" لفت انتباهها أمر وهو اتصالاته السرية مع أحدهم وبدا لها ذلك كما لو أنه على علاقة بشيء ما.
قارنت بين الأيام التي عاشتها في الزبير أثناء القصف المرعب الأشبه بالألعاب النارية، وبين الليالي السوداء الدامية بحلب وبرد الخيام على الحدود، بلا طعام ولا دثار، وبين مجموعات هائجة في شوارع لندن، تطاردها الشرطة وتضيق عليها الخناق، اعتبرت ذلك نزهة قياساً لما مرت به من أهوال، لم تشعر بذلك الخوف الذي تملك بعض سكان الحي الذي تقطنه وهم يغلقون عليهم الأبواب في الليل خشية متسللين أو هاربين ممن يطاردهم الأمن الانكليزي.

****
أول ما لفت نظرها في بريطانيا وجوه الناس الكئيبة في الصباح الباكر، شدتها تلك الظاهرة ولطالما تساءلت فيما تتساءل طوال اليوم في داخلها كعادتها، سبب هذه الكآبة المزرية التي تبدو على وجوه الناس هناك وخاصة المواطنين الانكليز، بعكس المقيمين العرب الذين رأت حركات أجسادهم ونظرات وجوههم مختلفة عن الانكليز الأصليين أنفسهم، بعد سنوات وعن طريق الفضول عرفت من أحد العاملين من الزملاء الانكليز بأنها الأزمة المالية التي تمر بها بريطانيا وانتزعت من الطبقة الوسطى والمحدودة كل ما كانوا يتمتعون به في السنوات الماضية من ترف، بالنسبة للمقيمين العرب واللاجئين فإن هؤلاء على حد ما فهمت يتلقون المساعدات والتمويل من خارج بريطانيا بوسائل مختلفة عبر الشبكات المنتشرة هناك، عرفت ذلك حينما حاولت اللجوء إلى هذه الوسيلة بادعاء أنها لاجئة سياسية وأنها عذبت واغتصبت وشردت عبر الحدود وتعرضت للفرز الطائفي، كانت تتعمد إخفاء انتمائها الطائفي، إلا عندما يفرض عليها ذلك، لقد جردتها السنون المريرة منذ خروجها من الزبير، المدينة الساحرة لتصبح الطائر المحلق على حدود المدن والضائع في المطارات ومحطات الترانزيت لتبقى صورة الزبير القديمة بسيقان القصب ومياه المجاري ونخيل البصرة شواهد على الزمان الغادر.






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,246,507,461
- الموجب والسالب في الرواية!
- رحلة في عقل روائي...غارسيا ماركيز
- رواية يسرا البريطانية- من فنادق لندن إلى سجون داعش
- رواية -حرب البنفسج- والتحالف التركي العماني القطري لغزو البح ...
- الكاظمي والساعدي - أين ينتهي المطاف بهما؟
- تفاعلات روائية، جسدية
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (30) انتهت *
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (29)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (28)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (27)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (26)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (25)
- وعي الشعوب من وعي الأمم!!
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (24)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (23)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (22)
- تجليات روائية، تشيخوفية
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (21)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (20)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (19)


المزيد.....




- البابا فرنسيس في الموصل: عن راهب ومؤرخ انتظراه طويلاً
- الاتحاد الاشتراكي بزاكورة: - الصدمة كانت قوية-
- صدر حديثًا.. كتاب -سلاطين الغلابة- لصلاح هاشم
- أطباء بلا حدود تطالب بالتخلي عن بعض قيود الملكية الفكرية لإن ...
- تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع ...
- بعد الأردن الشقيق: على من الدور القادم ياترى؟
- الغناء والقهوة والنوم.. طريقك للحفاظ على صحة عقلك
- خالد الصاوي يعترف: عضيت كلبا بعد أن عضني... فيديو
- مخبز مصري يحقق أحلام -أطفال التمثيل الغذائي-
- كاريكاتير -القدس- لليوم الأحد


المزيد.....

- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (1)