أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (21)















المزيد.....


يسرا البريطانية (21)


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6702 - 2020 / 10 / 13 - 02:15
المحور: الادب والفن
    


( 9 )
مع اشتداد رياح الشمال الساخنة المنذرة بموجة عاتية من السعال، مضت الساعات التالية على وصولها أربيل العاصمة تتأمل الشوارع والطرقات التي كانت تعج بالحركة، فوجئت بالمناخ الدافئ والغبار وزحمة المشاة والسيارات، في البداية اكتفت بتأمل الأمكنة والبشر ورأت الوجوه المنتشرة في أربيل لا تختلف عن الوجوه التي اعتادتها في الزبير والبصرة وبغداد، شعرت بارتياح لوصولها لبناية قديمة الطراز تطل على الشارع العام ولها مدخل آخر محاذي للساحة التجارية التي اكتظت بالمؤسسات، صدمت من رؤية البنايات الشاهقة، البنوك وشركات الطيران، بدت لها أربيل مدينة خيالية مقارنة بالزبير التي هجرتها منذ سنين، لم يدر بخلدها أن تصل لآخر نقطة في الديار ولا تستطيع بلوغ مسقط رأسها، كانت مأخوذة بالمكان والبشر من شتى المذاهب والأجناس لكأنها لندن بتلك السمات مع فارق المناظر والبنايات، توقفت بنظرتها لحظة لمحت فيها اسم بنك "إنتركونتننتال" رأت فيه خيط لمراجعة حساباتها لو كانت تملك جواز سفرها، عندما التقت في المساء بصباح مساعد الشيخ أطلعته على رغبتها في استعادة جوازها.
"الجواز معنا وبعض الأوراق، منها مستندات لم نفتش فيها سأسلمك إياها حين تستقرين"
استغلت تصريحه ذلك حين رأت في وجهه استعداد لتقبل أسئلتها فأسرعت بالقول.
"متى استقر؟ أريد العودة للندن"
هنا توقف فجأة ونظر نحوها بثقة من يملك الأسرار، تأمل وجهها بنظرة لم تخفِ الابتسامة ما وراء الكلام الذي ينوي قوله، اتجه نحوها وكانا يقفان بمحاذاة المكتب الواسع بالمنزل بذات البناية التي استقرت فيها وكان واضحاً من شكل المكتب، أنه يعود لأعمال الشيخ.
"بنتي يسرا، لا تعلمين ماذا جرى من حولك طوال الفترة المنصرمة، ولا نريد أن نصدمك، أنت مطلوبة لجهات عدة منها أجهزة استخبارات دولية، في نظر البعض أنت إرهابية وهناك من يلاحقك، اطمئني، أنت في حماية الشيخ وقريباً هناك ترتيب بخصوص استقرارك"
صدمت بكلامه، كان واضحاً من ردة فعلها هول المفاجأة مما ورد في حديثه لها، أدركت مدى فداحة الأمر وفسرت سر الصمت الذي لاذ به الجميع من حولها خلال الفترة المنصرمة لكنها لم تتوقع أن تبلغ المسألة حد المخابرات الدولية، ظنت في البداية مزحة من صباح ورددت العبارة التالية بنبرة استفسارية.
"مخابرات دولية تلاحقني؟"
رد بنبرة حاسمة.
"المخابرات البريطانية، تظن أنك إرهابية وينقبون في ملفاتك في كل مكان"
"أنا؟"
قالتها بدهشة من نسيت ماذا جرى لها خلال الفترة الماضية، وقبل أن يرد الرجل استعادت في ومضة خاطفة شريط وقائع الأحداث مع مايك وسمر يام والفريق الركن وعبدالعزيز، وكل ما وقع لها في المخيمات والبنايات المهجورة وعلى الحدود، مرت الصور كأنها نيزك وقع بسرعة فائقة وأحدث كل ذلك العطب في محيطها، حين رن صوته مرة أخرى سمعته يقول.
"أنت في نظر العالم إرهابية يا يسرا ولابد من محو هذا الملف قبل ان تستعيدي حياتك الطبيعية، والتي لن تكون بأي شكل سهلة وبسيطة، لن تعودي كالسابق بأي حال من الأحوال"
غاب لثوانٍ ثم عاد حاملاً كأسي شاي أحمر، ناولها واحداً ووضع الآخر على المكتب بجانبه فيما وضعت كوبها على طاولة مستطيلة تتوسط المكان أمامها وبدأت التفكير بينما راح ينظر لها بصمت، مرت دقائق أخذا خلالها يرشفان الشاي، نهض فجأة وقطع الصمت قائلاً.
"لا خوف عليكِ مع الشيخ"
"أعرف يا اخ صباح، كم أود رد هذا الجميل لكم"
ابتسم وقال وهو يحك ذقنه.
"ما زال علينا دين لك لم نسدده بعد وسيحين موعده قريباً إن شاء الله"
حين عادت لمكان إقامتها لاحظت وجود عدة نسوة في البناية ذاتها وفي غرف منفردة ومزدوجة، غرقت في تفكير عميق ومشوش، تداعت خلالها كل الوقائع بما فيها أقوال الرجل الأخيرة عن الدين المتبقي "ماذا قدمت لهم ليكون لي دين عليهم؟".
كان لانتشار الصور والذكريات والتداعيات التي مرت بها تأثيراً على نومها المتقطع سوى بالليل أو بالنهار، امتلأ محيطها بالفراغ والضجر، وبدأ يتسرب السأم إلى داخلها رغم الاهتمام المستمر من قبل رجال الشيخ وبعض النساء والفتيات اللواتي رافقن القافلة التي رأت فيها ما يشبه الهروب من المنطقة التي قدموا منها، لم تتعرف على ملامحها إلا أنها وجدت فيها ملامح من بعض سمات الزبير، كانت البصرة بالنسبة لها محيط يشبه البحر الذي يحتوي على مختلف أنواع الأسماك، بعكس الزبير التي كانت لها بحيرة صغيرة تضم الجيران والأصدقاء والأصحاب والأهل وكل الذين ينحدرون من العرب "نوع واحد من السمك" ابتسمت لهذه الخاطرة التي اقتحمت عليها فيما كانت تعبر الحدود والمناطق وتستحضر الوجوه لتقف بين فينة وأخرى عند مايك "آه، ليتني أمسك بخيط فحسب" لم تتمكن من طرد الأفكار والصور المتدفقة كالشلال، تحول الفراغ من حولها إلى حنفية تهدر بالتداعيات لكل ما حدث وكأن داخلها بدأ يتنفس الوقائع التي جرت في لندن ودبي والعراق، كان دخولها العراق واحتجازها فيه ذروة الوقائع، صنع منها عقلها الواعي ملحمة دامية دأب على تغذية عقلها الباطن بالحدس المزمن تجاه التوقعات من بقائها أو انتقالها أو ما سيجري لها في الغيب، رأت في الوقت مجرد محطة ترانزيت بانتظار أوقات أخرى تتدفق منها أفكار ومشاعر أخرى غير تلك التي تنبع الآن من ذهنها وهو ما زال مثقلاً بالأحداث المتتالية" هل كانت محاولة لاختطافي من القافلة لدى المرور بنينيوي؟" تمادت في التخمين وتوغلت في التذكر واسترجعت الصوت والصورة، استحضرت مشهد القافلة وكيف توزعت سياراتها وتباعدت الواحدة عن الأخرى ثم كان هناك صوت رشات الرصاص ولم تكن واثقة من أنه كانت وراءهما سيارة مشتعلة، هدوء الرجلين بجانبها انعكس على احتمالات اختطفاها "لا لم تكن محاولة خطف، من أكون لأصبح هدفاً لصراع القوى؟" ثم ما تلبث أن اقتنعت بأنها كانت محاولة خطف "لاشك أن معي شيء ما يغري الآخرين بانتزاعه، ما هو؟" بحثت فيما تملكه، أسماء؟ أموال؟ أسرار؟ "ماذا لدي؟"
****
"قال تعالى (فمَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر)
كان صوته رخيماً انساب ببطء وخشوع، لدى انتهائه من عبارته القرآنية، نظرت إليه وقرأت في عينيه لغزاً وهو يبعد ذبابة تحوم أمام وجهه، توجه نحوها بنظرة شابها النعاس وتمتم ببضع كلمات ثم قال بنبرة خافتة أقرب للهمس.
"الجهاد يا أختي حق علينا جميعاً ولكن لا يقربه إلا من كان قادراً عليه، وللجهاد وجوه عدة منها التضحية بالنفس أو بالمال أو بالكلمة وأدناه الجهاد بالنية الطيبة وأنت يا أختي بذلت ما في وسعك رغم عفويتك وقصر تجربتك وحان لكِ أن تستريحي وأمامك طريق طويل تنهينه بالعودة لديارك التي اختارها لك الله"
كان شاباً يافعاً خمنت عمره العشريني، نحيل الجسم وقصير القامة غطت وجهه لحية طويلة أثارت فيها القلق، كانت تتوق للتواصل مع رجال كالشيخ جاسم وصباح ولكنها فوجئت هذا اليوم بمن يستدعيها من داخل البناية التي تقطنها لتواجه هذا الرجل الذي لا تعلم ما هي مهمته ولماذا يلقي عليها بتلك الألغاز؟ شعرت بأنها اكتفت بل وتشبعت من التوجيهات والكلام المرسل، تطلعها الوحيد نحو معرفة مصيرها وأين تستقر؟ حفظت كل العبارات التي يروجها هؤلاء الذين التقت بهم عبر مراحل مرورها على العواصم والمناطق، منذ أن أسبغت عليها سمر يام أو سعاد البشراوي تلك التعاويذ وهي تواجه المآزق والكوارث، هذا الرجل يذكرها بكوابيس وأحلام سوداء ما زالت تلاحقها في نومها، لم تتعرف إلى ما كان يرمي إليه محدثها ولكنها قطعت الصمت القصير بينهما حين اعتدلت في جلستها أمامه وقالت بلهجة خاطفة.
" والدي، هل ما زال حياً يرزق؟"
تعرف أنها ليست في المكان، ولا مع الشخص الذي يملك الإجابة على سؤالها، ولكنها اختارت تلك العبارة لتبدأ معه الحديث، فوجئت بقوله.
"هذا ما جئت أحدثك عنه"
خفق قلبها بسرعة وكأن الأرض زلزلت من تحت قدميها، أخذت تتنفس وهي تتطلع لوجهه كأنها تبحث عما يوحي بالثقة فيه ليحدثها عن الشبح الذي طاردته من أمد بعيد ولم يفلح أحد ممن التقت بهم رغم أهميتهم التي تفوق أهميته في الاقتراب من الشبح المطلوب، كانت موقنة بأن الجميع تلاعب بها ولن يشذ هذا الشاب اليافع عنهم، نظرت نحوه باهتمام، تستدرجه بنظرات رجاء واستحواذ وبداخلها رغبة عارمة لتقوم وتعصره لتستنطقه بسرعة بدلاً من هذه اللهجة الباردة البطيئة التي يتحدث بها.
" نظرتك تجاهي تقلل من شأني، معك حق، ما أنا إلا منفذ لتوجيه الشيخ، هو من يملك المفاتيح كلها وهو من يفتح الأقفال ويغلقها، اطمئني يا أختي أنت في ظل الشيخ جاسم حتى تصلي لمرفئك النهائي"
فاجأتها عباراته، كان مازال هادئاً وصوته الهادئ ينساب بسلاسة وإتقان، أعادت التدقيق في وجهه فوجدته مختلفاً عن وجوه الرجال الذين التقت بهم، بدت ملامحه متسامحة وقسماته الشبابية أصغر من تفكيره العميق وهدوئه البارد الذي لا توحي به لحيته الكثيفة وغير المشذبة، مثلما أوحى لها في البداية بعدم الثقة، أحست أنها ظلمته وأظهرت له الكبرياء الذي لم تجرؤ على التظاهر به للرجال السابقين الذين استحوذوا عليها بكبريائهم وتعاليهم عليها.
"ونعم الشيخ ونعم من يمثله، اغفر لي جفائي، لو علمت ما مررت به لقدرت سلوكي الفض"
رد بذات اللهجة الفاترة الدالة على دم بارد لا يثيره شيئاً.
"علمت بكل ما مررت به، ولهذا أنا هنا"
كانت عباراته مقتصرة ولا تفسر عواطفه الداخلية، قارنت بينه وبين زوجها البحريني الذي يشبهه في اللحية والمظهر ورأت في الأخير فارقاً بين الثرى والثريا، طفقت تتأمله غير عابئة بما قد يفسره تجاهها حتى فاجئها قائلاً.
" لماذا لا تضعي الحجاب على رأسك؟"
تذكرت عبارته القرآنية في بداية اللقاء فكررتها بنبرة واثقة من لديها ثقة بنفسها.
" قال تعالى(فمَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر).
"أحسنت الرد"
حين ارتاحت له وبدا يزول عنها التوتر، رأى في عينيها السؤال المحير ولم يدعها في قلقها، نهض واقترب من طاولة مستطيلة بمحاذاة كنبة بوسط الغرفة فتحها وأخرج منها علبة سجائر من ماركة لا تعرفها وتقدم منها، استل قطعتين قدم واحدة لها وأشعل الأخرى ثم قدم لها القداحة لتشعلها بنفسها.
"لتعلمي إلى أي حدٍ أعرفك"
"ما هذا الملاك الطاهر القادم من وراء الغيب؟" قالت ذلك في سريرتها وأشعلت السيجارة وتعمدت أن تنفذ الدخان بعيداً عن وجهه.
"ما زال في هذا العالم أشخاصٌ طيبون"
فجأة طرق الباب الذي كان مفتوحاً أحد الرجال فنهض الشاب نحوه وانسحب خارج المكان وتركها وحدها تحلق مع دخان السيجارة وابتسامة شقية عالقة بشفتيها مع هاجس قوي تجاه أخبار جبار الشريف، كان الإلحاح بداخلها يأكلها لكنها فضلت التريث لحين يبادر الشاب بطرح الفكرة، عاد بعد بضع دقائق وكان وجهه مثاراً لا يدل على تعبير ولكنه يوحي بتغيير طرأ على ملامحه التي بدت متوهجة، جلس مكانه وقال بنفس اللهجة الباردة.
"سقطت نينوى بالكامل وأصبحت الموصل في يد المقاتلين والعشائر"
انتظرت لثوانٍ ثم سألت.
"هل سيغير ذلك من الوضع؟"
"الله أعلم.

****
( 10 )
كأنها ساعة القيامة، سماء حمراء عند المساء المقتضب، حرارة تلفح الوجوه العابرة للشوارع والطرقات والممرات، فلول الجيش هربت عبر الصحراء، وانتشر الدخان يغطى رؤوس الرجال بملابسهم العسكرية وقد بدا عليهم الإرهاق والتعب رغم عدم خوضهم المعارك، كانت ملابسهم تبدو نظيفة، انتشرت الشائعات بين الناس حول ما يجري في أغلب المناطق من البلد، في خضم هذه الأهوال التي بدت عبر الأخبار الواردة من المناطق المحيطة بكردستان، أن ثمة ثورة أو حرب أو تمرد، اختلفت الأسماء التي تطلق على ما يحدث لكنها اكتفت بمراقبة الوجوه القادمة وانتظار ما يحدث لها هي بذاتها، لم تعد تعير الآخرين اهتمام، كان هاجسها الخروج من الكهف الذي وجدت نفسها معزولة فيه عن العالم، وإن ظل خيط رفيع يشدها للمكان الذي هي فيه الآن، وهو جبار الشريف، تباينت مشاعرها بين البقاء والمغادرة "كيف أغادر؟ وهل الأمر بيدي؟ وإلى أين ما دمت مطلوبة في لندن؟"
ظهرت الكآبة على ملامحها رغم التجميل الذي قامت به أم صقر، لم تستطع إخفاء مظاهر الإنهاك الجسدي والتشتت الذهني، عيناها واهنتان وبشرتها شاحبة وظهرت النحافة على جسدها الذي خسر كثيراً من الوزن وتظاهرت بالتماسك فيما داخلها يغرق في الضعف والرغبة في الانعزال والاكتفاء بالقراءة كما كانت تفعل منذ صباها، مرت بذاكرتها رواية (عودة الروح) لتوفيق الحكيم التي قرأتها وهي بالمرحلة الثانوية، ودت لو تعيد القراءة اليوم فهي تفتقد لتلك الأفكار الضبابية الغامضة وكأنها تولج لعالم متخفي لا يبصرها أحداً خلاله، ممن اعتادت رؤيتهم وسماع أصواتهم، وحده الشيخ جاسم بهيبته وطلعته التي تبهجها، ولو حلمت برجل معها لكان هو"لأول مرة يأسرني رجل غير أبي" مضت تبحث حولها عن ملامح المشهد الذي ترصده يتفاعل عبر الوجوه المتدفقة على "أربيل" نساء ورجال، جنود هاربين وثوار، أطفال وشباب وجنسيات لوجوه لم تعهدها، كانت العاصمة الكردستانية كبحر واسع تسبح فيه كل الكائنات البشرية، ودت لو تختلط، لكن الرجال المكلفين بحمايتها ومراقبتها حاصروها وحجبوا الرؤية من حولها، ظل محيطها لا يتعدي حزام المنطقة المحيطة بالبناية التي تعيش فيها وكانت اللقاءات مقتصرة على بعض النساء والشباب من دائرة الشيخ، شعرت بأن انتظارها قد يقصر أو يطول، لم تتلمس طريق الإفلات من الشبكة، ثمة وقائع تجري على الأرض بتسارع مخيف تتحكم في مصيرها، لو كانت تملك وسيلة اتصال بالشاب الذي جاءها وتحدث معها، ولو كانت تعرف اسمه على الأقل لطلبت مساعدته في الإسراع بتقرير مصيرها، فقد مرت أيام ولم يحدث خلالها ما تنبأ به لها، وهذا ما دفعها ذلك المساء الأحمر القاني للمواجه مع صباح.
"مصيري متوقف"
من عادته أن يبتسم ولكنه هذه المرة رسم على وجه بتعمد، ملامح جادة وتهدج صوته وهو يرد عليها قائلاً.
"أنا متعاطف معك، والليلة بعد صلاة المغرب سوف أفتح الموضوع مع الشيخ"
خفق قبلها لدى سماع اسم الشيخ، وارتاحت أساريرها لإدراكها بأن تكون تلك اللحظة في ذهن الرجل، عندما خرج صباح وتلفتت حولها وجدت المكان هادئ وفارغ من السكان، أطلت من نافذة البهو الذي يشكل ممراً بين الشقق على الخارج وفوجئت بنبض الشارع يستدرجها للخروج، كانت الساحة المحاذية للشارع تعج بالمشاة والسيارات وغالبيتها عربات النقل، بدت مترددة في الخروج والسير في الشارع والاختلاط بالناس، توصيات رجال الشيخ تمنع بينها وبين رغبتها في الخروج أو البقاء في البناية، تشتت تفكيرها وهي تراقب الشارع من النافذة "لا هاتف ولا جواز ولا خروج ولا نسمة هواء" نسمات الهواء المنعشة التي تتسلل من النافذة تدغدغ وجهها وتحرك خصلات شعرها، أخذ وجهها يستعيد نضارته وعادت بشرتها تكتسب لونها الطبيعي وإن لم تصل لما كانت عليه بعد عملية التجميل في لندن، ظل جسمها نحيفاً يعكس وضعها النفسي، ورغيتها في الإفلات من المحيط الضبابي الذي لم يكن بمثل ضباب لندن، تريد المغادرة سريعاً، فقد اكتفت من وله الوطن وذاقت مرارته، وماذا أصبح عليه، وبذات الوقت، راغبة في البقاء للوصول للخيط الرفيع، جبار الشريف "إن كانت كذبة لعبها الجميع فالانتحار خيرُ لي" خطرت في ذهنها تلك الخاطرة واستجمعت شتات أفكارها وخرجت للشارع.
لاح لها المساء، من بين أفق البعيد وظهرت الشمس ساطعة تقاوم الذبول الذي يجره الليل، وظلت حرارة الطقس منعكسة على الوجوه وفي الملابس الرطبة عند التضاريس الجسدية للمخلوقات البشرية، أحست بالهواء في الخارج مختلفاً عنه وهي تتلقاه من نافذتها بالبناية، كان ساخناً ويبعث على الكآبة، غير أنه لم يمنعها من الاسترسال في السير خطوات متأملة المشاهد، كان المكان يعج بالرجال، لم تظهر لها نساء طوال المسافة التي قطعتها باستثناء من هن في السيارات، تمادت في المشي حتى اقتربت من أحد الدوارات ووجدت الطرق أمامها متقاطعة، ازدادت زحمة السيارات وتصاعدت روائح وأدخنة البشر والعربات وظهرت حبيبات العرق على جبينها فشعرت بالتوعك ودب التعب في مفاصلها، كانت طوال الفترة الماضية تغط في كسل واسترخاء بين نوم وقراءة ومشاهدة التلفاز، مدفونة في العزلة وهي محيطها الضيق، تقبع فيها باستثناء النزول أسفل البناية والدوران حولها، تلفتت حولها بغتة لتجد نفسها وقد فقدت معالم الطريق الذي جاءت منه، ضاعت وسط الأصوات والزحمة وحرارة المساء الذي أخذت الشمس بالتسلل وراء الأفق وتكاد تختفي، دب فيها القلق من رجال الشيخ وسارعت بالبحث عن مدخل للخروج من نفق الدوار الذي تجاوزته باتجاه طريق فرعي انقطع بها لساحة معتمة إلا من أضواء صفراء شاحبة، زرع فيها صوت خطوات بشرية من حولها الخوف "ماذا أتي بي هنا؟" كانت ترتدي قميص لوزي اللون وسروال جينز أسود ضاعت من خلالهما في العتمة، استدارت لتعود أدراجها في وجه أربعة شبان ظلوا يتأملونها، تحسست نبضها، فوجدت نفسها هادئة رغم مسحة الخوف التي اجتاحتها لوهلة، منذ أن تركت "كينغستون" وشعور بالمجازفة يتولد بداخلها كلما اقتربت من الخطر، لم يحبط من عزيمتها ما مرت به خلال الشهور المنصرمة مشردة ومحتجزة بين غبار الصحراء وحجيرات الاحتجاز الموبوءة بالحشرات والعقارب، وبين الموت بالإعدام الذي كانت قاب قوسين وربما أدنى منه لولا إرادة غامضة انتزعتها من دوامة الموت المحقق، أدركت أن إعدامها كان على وشك أن يقع قبل يوم أو يومين من إفلاتها، لا لأنها خرقت القواعد التنظيمية كما حوكمت صورياً، بل لأنهم أرادوا طمس الأسرار والمعلومات التي معها، هذا ما أدركته بحسها " يريدون إعدامي" شكت أن يكون الفريق الركن منهم، جرت هذه الأفكار بسرعة خاطفة في رأسها وهي تحاول التراجع بهدوء ومن غير أن تلفت نظر الشبان الثلاثة الذين ظلوا يحدقون بها، حاولت الإسراع والانعطاف باتجاه عكسي، فاعترض أحدهم طريقها، ارتفع الأدرنالين وضخ الدم ساخنا في عروقها، واجهت الخوف برغبة في عدم الاستكانة وتقبل الوضع، فجأة اخترقت الهواء وانطلقت مخلفة من أسفل قدميها الغبار لتصطدم برجل عند مدخل الطريق القادمة منه، لترفع رأسها في وجه، صباح الذي قطب في وجهها، فيما انخفض ضغط الدم سريعاً لديها وابتسمت بعفوية مقتضبة.
"ما زلت شقية، لم تتعلمي مما يحدث لك"
سار الاثنان باتجاه الشارع العام، وعند منعطف الدوار فتح لها باب السيارة وهي من نوع جيب فولفو سوداء، وخلال العودة ساد الصمت بينهما إلى أن قطعته قائلة بلهجة اعتذار.
"لم أتوقع أن أتيه بهذه السرعة"
"كل شيء توقعيه لمن في مثل حالتك"
التفتت نحوه وتذكرت من خلال مرافقته لها طوال الفترة الماضية، لم يسبق لها أن أدارت معه حديثاً خارج سياق الأمن والحماية، كان الحوار بينهما قصيراً ومقتضباً ولا يتعدى السؤال والجواب، وفيما هي تتأمل المسافة التي قطعتها، استغربت كل هذا الطريق الذي قطعته ولم تشعر، قفزت مرة أخرى على الصمت بينهما وقالت متعمدة أن تثير جانبه العاطفي المبهم.
"شعرت بالضجر من العزلة فنزلت الشارع وقطعت كل تلك المسافة من غير أن أشعر، كيف وجدتني؟"
انحرف بالسيارة بغتة والتف على الشارع المقابل عائداً باتجاه الطريق الذي قطعته وسط دهشتها، كان وجهه الذي تبرز منه بعض العروق الخفية، جامداً كالعادة والبرود يكتنف ملامحه كبقية رجال العشائر المحيطين بالشيخ، انطلق بالسيارة على الطريق ثم استل هاتفه من جيبه وأجرى اتصال مع احدهم.
"فراس، أنا متوجه للمنطقة ثلاثة، من هناك من الرجال؟ خبرهم"
التفت إليها وقال مبتسماً.
"هذه المرة سأخالف تعليمات الشيخ بسببك"
شعرت بأنه لأول مرة يكسر حاجز البرود في حديثه معها وقالت متعمدة الاسترسال في الحوار.
"لا أنصحك بذلك"
قهقه وهو يزيد من سرعة السيارة متجاوزاً بعض السيارات على الطريق، خلال الدقائق التالية وعبر شوارع مزدحمة ومع حلول الظلام رأت لأول مرة مدينة أربيل مضاءة كأنها مدينة من خارج العراق، بدت البنايات والعمران والطرق تكشف عن مدى العمران الذي اجتاح عاصمة كردستان التي كانت تظن من خلال الحديث عنها أنها مازالت في طي النسيان.
"لآخر مرة تخرجين وحدك، أنت مطلوبة من لندن إلى الزبير، فلا تتجاسري، لقد فقدتِ حريتك في التنقل ولم يعد بإمكانك الاعتماد على الصدفة"
" عالم لا أمان فيه"
"تمسكي بالحقيقة ففيها النجاة"
لم تعرف عنه امتلاكه للحكمة، أيقنت في هذه اللحظة أنها مع رجل ليس فقط مجرد مساعد للشيخ أو مكلف بالأمن، استدارت نحوه وقالت مبتسمة.
"هل لديك أسرة؟"
"من ليس لديه أسرة لا يعرف الأمان"
"صدقت في هذه"
وحدها من لا تملك أسرة منذ خرجت من الزبير "آه لو يعلم كيف عشت هذه السنين وحدي؟" قالت العبارة في سرها ولكن صوته جاءها وكأنه من عالم الغيب.
"كيف عشت كل هذا الدهر وحدك؟"
قضى الاثنان الساعات التالية يجول معها على الأسواق والمحلات، وقبل منتصف الليل لدى طريق العودة، توقفا وتناولا وجبة خفيفة عبارة عن شندويشات الشاورما، ذكرها طريق العودة ببعض شوارع مدينة دبي من حيث الحركة والزحام وقطع الصمت الذي ساد بينها بصوت انفجار، لم يكن مدوياً تلته بضع رشات من الرصاص.
"هذه حال المنطقة كلها"
غير دفة الحديث متسائلاً عن دأبها على القراءة، من خلال ملاحظته لها منذ مرافقته، لاحظ وجود الكتاب معها طوال الوقت، انتهى به المطاف بسؤال عما إذا كانت تقرأ الشعر، فردت بضحكة خفيفة.
"الشعر للحالمين"
تأمل وجهها مبتسماً، فأردفت مغيرة دفة الحديث وهي تتأمل الشارع والأضواء المنعكسة على البنايات.
"هل تحب الليل؟"
" في حالتنا، الليل للحراس والسكارى"
أطلقت ضحكة من قلبها، بدت له لأول مرة، منذ ألقت بمرساتها معهم، نظر خارج السيارة، وقال متسائلاً.
" هل سمعتِ عن أمرؤ القيس؟
" عندما كنا ندرسه"
صمت لوهلة، غير نبرته وقال محاولاً كسر الحديث بالشعر.
"و ليل كموج البحر أرخى سدولهُ ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّى بصلبه ... وأردَف أعجازاً وناءَ بكلْكلِ
ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي ... بصُبْحٍ وما الإصْباحَ مِنك بأمثَلِ
فيا لكَ من ليلْ كأنَّ نجومهُ ... بكل مغار الفتل شدت بيذبلِ".
نظرت نحوه بلا رعشة، أو رجفة، كما كانت تشعر من قبل، أمسكت بيده متجاسرة، كسرت كل القواعد كما فعلت بالأمس القريب مع المرأة المنقبة، وقالت بنبرة دافئة.
"كرجل شموخ اعتز برفقتك، أسألك الصدق معي القول، هل أبي حيٌ يرزق"؟
ما زالت تشعر بحرارة يده القوية التي لم تفلت من يدها، ظلت تقبض عليها وتنظر في عينيه بحثاً عن إجابة فيها، لو كان عاجزاً عن البوح بلسانه، ما لبث برهة ثم سحب يده، نظر للسماء، كانت النجوم مشعة وسط ليلة صافية شديدة الحرارة، مرت ومضة سمعت خلالها صوت الصمت مطبق بداخله ثم تدافعت أنفاسه وقال بلا تردد.
"بلي.. حياً يرزق"




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,079,025,873
- يسرا البريطانية (20)
- يسرا البريطانية (19)
- يسرا البريطانية (18)
- كعبة الشمس البرتقالية...!
- يسرا البريطانية (17)
- أنا والله وتغاني ...
- يسرا البريطانية (16)
- يسرا البريطانية (15)
- أي نحس ثقافي؟!
- يسرا البريطانية (14)
- رؤيتي المغايرة لأيلول الأصفر....!!
- يسرا البريطانية (13)
- يسرا البريطانية (12)
- يسرا البريطانية (11)
- يسرا البريطانية (10)
- نيويورك تايمز كذبت ضد صدام حسين...
- يسرا البريطانية (9)
- من مستنقع السياسة، إلى أزهار الثقافة...لنجرب!
- يسرا البريطانية (8)
- الرواية من منظورِ الحرية!


المزيد.....




- الأديب الفلسطيني يحيى يخلف للجزيرة نت: الزمن تغير بعد أوسلو ...
- البام: يطالب برفع مانع الترشح عن المحكومين بعقوبات حبسية متق ...
- الفردوس: القطب العمومي يحتاج لهيكلة مالية
- رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي: منافذ إضافية لحجز البط ...
- بروتوكولي تعاون بين القوى العاملة وجامعة أسوان للتدريب ونشر ...
- لغزيوي يكتب: الحيوانات المرضى بالطاعون…!
- السينما الحديثة وغياب الأطر
- فيديو.. استعداد لعرض موكب المومياوات الملكية في مصر
- إعادة مخطوطة نادرة مكتوبة بخط اليد إلى اليونان
- الفنانة الفلسطينية روزاليند ناشاشيبي امام لوحة رسمتها بعنوان ...


المزيد.....

- لستُ أنا... / محمد جبار فهد
- مثل غيمة بيضاء / نامق سلطان
- ستولَد شمس / ج. د. بن شيخ- ترجمة مبارك وساط
- ستولَد شمس من أهدابك / ج. د. بن شيخ- ترجمة مبارك وساط
- لستُ أنا... / محمد جبار فهد
- جورج لوكاتش - مشكلات نظرية الرواية / صلاح السروى
- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - يسرا البريطانية (21)