أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صفوت سابا - البابا والإصلاح










المزيد.....

البابا والإصلاح


صفوت سابا

الحوار المتمدن-العدد: 6694 - 2020 / 10 / 4 - 20:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من خلال مشاهداتي، أرى قداسة البابا تواضروس الثاني يدرك أن العصر الذي نعيش فيه مليء بتحديات جِسام تستلزم فكراً جديداً إن أرادنا التعامل بجدية مع مشاكل أبناء الكنيسة في عصرنا هذا. وعلى الكنيسة أن تتبنى ما يتوافق مع إيمانيتها وعقائدها من الآليات الفكرية المعاصرة لتواجه أزمات المسيحي المعاصر المصحوبة بعقلية جديدة وتغيرات سلوكية جديدة. فإن عزل قادة الكنيسة أنفسهم، ورفضوا - عن عمد وإرادة – مواجهة هذه الأزمات الجديدة بآليات العصر الجديدة، أقول إن فعلوا هذا فإنهم بذلك يعطون لمن يُتْقِنُون فنون هذه الآليات فرصة السيطرة الفكرية على أولاد الكنيسة.

ومن وجهة نظري، التحدي الأعظم الذي يواجه قداسة البابا تواضروس هو كيفية تَبَنِّي مثل هذه الآليات للتعامل مع ما هو متغير في حياة أبناء الكنيسة دون تشويه الإيمان المسيحي أو تفريغ الكنيسة من هويتها القبطية بكل غناها وتفردها. بالإضافة فالبابا محاط بطغمات من الأساقفة الذين يؤسسون تعاليمهم على محاربة التفكير، وهَرْطَقَة كل ما هو تنويري، والترويج لكل فكر جامد على أنه تراث الكنيسة، والزعم بأن كل ما هو قديم داخل الكنيسة هو تعليم آبائي يجب الحفاظ عليه والاحتفاظ به. وبدلاً من أن يتعاونوا مع قداسة البابا لمقابلة هذا التحدي، نراهم يحاربونه ويُسَخِّفُون من برنامجه الإصلاحي التنويري. والذي يزيد الأمر تعقيداً أن الكثيرين ممن يُحْسَبُون على التنويرين لا يدركون أبعاد الحياة الكنسية القبطية، فغاب في منطقهم اعتبارات كثيرة لا يُقَدَّر قيمتها إلا من عاش وتذوق جمال الكنيسة منذ نعومة أظافره. وبهذا يدعم هؤلاء المستنيرون بدون قصد الادعاءات التي يروج لها هؤلاء الأساقفة.

وقبول هذا التحدي الإصلاحي التنويري يتطلب من قداسة البابا تغيير الرؤية العامة، والمنهجية الفكرية داخل كواليس الكنيسة حتى تستطيع أن تدخل إلى العصر الجديد و آلياته من خلال صروحها التعليمية: مدارس التربية الكنسية كصرح لتعليم النَّشْء وضمان المستقبل الفكري للأجيال القادمة، الرهبنة كمركز لتعليم وتخريج الأساقفة قادة الأبروشيات والمجمع المقدس، مؤسسات إعداد الكهنة الذين يقدمون استشارات نفسية كجزءٍ من خدمتهم ودورهم الرعوي، والإعلام القبطي الذي مازال يحبو بين مصاف الهيئات الإعلامية ذات الحرفية والمهنية العالية. والحقيقية أن إعداد كل هذه الصروح التعليمية وإعدادها لكيفية ومدى تَقَبّل هذا التحول يحتاج إلى دراسات متخصصة واسعة.

وقد تبلورت عبقرية المتنيح القديس حبيب جرجس وقدراته على الإصلاح والتغير في إدراكه لأن مدارس الأحد هي أهم ما تملكه الكنيسة نحو تعليم وتنوير عقول أولادها، والمضي بهم نحو العالم الجديد بكل آلياته دون أن تفقد هويتها. فقدرات المفكر على الإصلاح والتغيير تتضح في اللحظات الفاصلة من تاريخه الفكري، تلك التي لا ُتَقاس بكم الكتابات التي أصدرها أو المصطلحات التي أدخلها إلى المجتمع بل بالتحول المنهجي الذي أحدثه لفكر المجتمع وتنويره من خلال طرح طرق جديدة واضحة جريئة للإجابة على الإشكاليات القديمة التي مازالت تهم المجتمع دون تدوير لنفس الإجابات القديمة. فإذا كان لدينا ثوباً قديماً به خرق، لا يلجأ المصلح لأن يضع رُقْعَةً من قماش جديدة على الْخَرْقِ، لأَنَّ رُقْعَةً القماش الجديد تأْخذ من الثوب القديم، فيصير الْخَرْقُ أَرْدَأَ. لكن المصلح يأتي بآلة جديدة – تمثل رؤية جديدة ومنهجية جديدة - يعامل بها الثوب فيُخْرَج لنا ثوباً كاملاً دون خرق أو ضعف في مادة القماش. فبدلاً من أن يستجمع الأفكار ذات التقليد والسلطة الجَمْعية التي لها صفة القداسة في قلوب التقليدين، يأتي المصلح بمنهج جديد ورؤية جديدة تغير من نظرة المجتمع للفكر الجامد الثقيل نتاج الآلة العتيقة، دون أن يحبس نفسه في جدلية أفكار وقواعد المنهج القديم.

والتنوير بوجه عام هو امتلاك وإعْمَال النظرة العقلانية - التي تنتج عن المعرفة في تحليل معطيات الإشكاليات المطروحة - والمبنية على قواعد المنطق الإنساني الصائب، واحترام العلم، وتثمين الإبداع الشخصي. والتنوير يهدف إلى خير الإنسان وتنميته وصيانة حقوقه في كل المجالات التي تخص حياته.

وقد ظهر عصر التنوير كحركة فلسفية في القرن الثامن عشر، ثم صار فيما بعد الدافع الرئيسي لدحض المنهجية القديمة التي ورثها العالم عن الفلسفة اليونانية، ثم صار عنصراً مشتركاً في رؤية كل مجدد في أي عصر لاحق لهذا الزمن. وقد أصبح التنوير مرادفا للتفكير العقلاني والسلوك المتحضر للإنسان المثقف في كل مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية والتعليمية وغيرها. والتنوير ليس داعياً لهدم الإيمان أو محاربة الله بل يدعو إلى تقويض المفهوم التقليدي لحدود الفكر الإنساني، كما يدعو إلى التحول المنهجي والآلي للفكر الإنساني، خاصاً في مجالات حقوق الإنسان ومكانة العلم والعقل والفلسفة والمنطق في حياته.

فالمتدين التنويري والمستنير يترفع عن أن يهدم قيمة أخلاقية أو إنسانية أو علمية في أثناء دفاعه عن عقائده أو إيمانه حتى وأن أقر كتابه المقدس بهدمها. جاليليو مثلاً دافع في تحضر وتواضع العالم عن نظرة العلم لحركة الأرض حول الشمس بالرغم من اختلافه مع أفكار وتقارير رجال الدين حول آيات الكتاب المقدس التي تتعلق بهذا الموضوع.

والتنويري يسعى للمصالحة بين الفكر والقيم والأخلاق الإنسانية المتفق عليها عالميا من جهة ومنهجية التدين من جهة أخرى، فمثلاً لا يقبل المستنير أن يعامل المرأة بآليات المجتمع الذكوري التي تُنْقِص من قدرها حتى وإن كان لدية نصاً مقدساً يمكن فهمه أو تأويله إلى ذلك.

كما أن المتدين المستنير يتعامل مع محيط واقعه بما يتمشى مع أهداف خلق الله للإنسان والكون. فهو مثلاً لا يتعامل مع الكوارث الطبيعية والأمراض والأوبئة وما شابه على أنها عقاب أو غضب إلهي على الإنسان، لأنه يوقن أن الله كلي الصلاح قد خلق الإنسان وجدده وأعطاه فرصة للتوبة وسوف يجازيه عن أعماله في اليوم الآخر.

والمستنير يراعي حق الإنسان وحرمته حتى وإن لم ينص عليها دينه أو لم تتعرض له شريعته. فلا يمكن لمستنيرٍ أن يفهم آية في كتابه المقدس على أنها دعوة لإباحة دماء من لا يشاركونه هذا الإيمان.

والمتدين المستنير يسلك برقي، فلا يشتم ولا يُقَبّح ولا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع، ولا يظلم أحداً حتى وإن كان لديه مبررات دينية تجيز له أن يفعل أي من هذه.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رأس البابا وأُذُن فان جوخ
- البابا والصحفية والجيوش الإلكترونية
- بابا الإِسْكَنْدَرِيَّةُ والأساقفة
- مَجْهُولٌ أَخْرَق
- أُورْشَلِيمَ تأكل أَفْرَخها
- آخِر وصَايَا إمرأة مَهْزُومَة
- وَحْيٌ يُضْحِك الثَّكْلَى
- يا صاحبي: لا تنس أيامًا قَضَيْناها - ديسمبر 1986
- مِلْءُ الزَّمَانِ
- كَلَّا لَنْ يَحْدُث شيئٌ إنْ مُتَّ
- اذبحني فوق مائدة سحورك
- أَبُو جَهْل في بَلْدَتِى
- هكذا قال العَمّ بنيامين: فى الشُّكر
- فى مديح السيدة العذراء
- اللَّيْلُ فى بَلْدَتِى
- الْبَحْر لمَّا ابْتَسَم
- إلى أُمِّي : أنا في الْهَيَام مَأمُور
- الكاهن والْمَعْتُوه
- رحلة إستشهاد طفل فى أحد الشعانين
- لمَّا تشُوف الْبُطْرُسِيّة


المزيد.....




- المشاركون في مؤتمر الوحدة الاسلامية في مرقد الامام الخميني(ر ...
- -الجيش الليبي- يعلق على أنباء تحالف حفتر وسيف الإسلام القذاف ...
- وحدة بالداخلية الفرنسية لمحاربة المؤثرين الإسلاميين.. منصات ...
- عودة سيف الإسلام القذافي إلى السلطة في ليبيا... هل باتت أمرا ...
- تواصل تراجع عدد الكاثوليك في أوروبا
- تواصل تراجع عدد الكاثوليك في أوروبا
- الفاتيكان: تراجع نسبة المسيحيين الكاثوليك في أوروبا
- رجل دين إيطالي: القضاء على القذافي لم يمنح الحرية والديمقراط ...
- “الأول من نوعه”.. المبادرة المصرية: حكم بتقسيم ميراث وفقا لل ...
- لأول مرة: محكمة مصرية تقضي بتوريث غير العصبة من الذكور طبقا ...


المزيد.....

- كتاب ( تطبيق الشريعة السنّية لأكابر المجرمين في عصر السلطان ... / أحمد صبحى منصور
- التنمية وواقعها الاممي / ياسر جاسم قاسم
- الحتمية التنويرية مدخل التزامن الحضاري / ياسر جاسم قاسم
- حول الدين والدولة والموقف من التدين الشعبي / غازي الصوراني
- الأمويون والعلمانية / يوسف حاجي
- نشوء الكون وحقيقة الخلق / نبيل الكرخي
- الدين المدني والنظرية السياسية في الدولة العلمانية / زهير الخويلدي
- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صفوت سابا - البابا والإصلاح