أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن اسماعيل - قراءة في كتاب: الريوع النفطية وبناء الديمقراطية: الثنائية المستحيلة















المزيد.....


قراءة في كتاب: الريوع النفطية وبناء الديمقراطية: الثنائية المستحيلة


حسن اسماعيل

الحوار المتمدن-العدد: 5082 - 2016 / 2 / 22 - 09:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يتناول د.صالح ياسر حسن في كتابه الجديد (الريوع النفطية وبناء الديمقراطية/ الثنائية المستحيلة في اقتصاد ريعي) في خمسة فصول الأطار النظري لأشكالية الريع، ومفهوم الاقتصاد الريعي، واشكاليات الدولة الريعية، ومفهوم النظام الريعي، ويخصص الفصل الخامس والأخير لاشكاليات الدولة وبناء الديمقراطية في العراق الريعي!
يدعو الباحث الى قراءة جديدة تعيد النظر في الاقتصادي والسياسي، والنظري ايضاً اذ لابد من المراجعة النقدية للتعرف على الواقع الجديد وتفكيكه في ظل الدور المتعاظم لنمط (الاقتصاد الريعي) وما يتركه من آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية ثم السعي لأعادة تركيب هذا الواقع دون اهمال ما يجري في عمق الحياة الاجتماعية.
للأسف الشديد، لم تدرس العلاقة بين الدولة الريعية او الاقتصاد الريعي والديمقراطية لاسيما اشكالية "النخبة" الحاكمة الفاقدة لأمكانية بناء الديمقراطية كون الشغل الشاغل لها هو الاستحواذ على الريع وادخاله في آليات تعيد انتاج الهيمنة والنفوذ. وهكذا نجد بأن الدولة الريعية تلد الاستبداد والتسلط بسبب طبيعة بنيتها والقوى التي تستند اليها. وتشير التجربة التاريخية خلال العقود الاربعة الاخيرة انه لم يشهد بلد عربي واحد حالة انتقال مكتملة الى الديمقراطية كما جرى في مناطق اخرى من العالم. فحيثما تكون الدولة هي المتحكم بالثروة فان الريعية النفطية تغدو هي الاقتصاد السياسي للاستبداد.
لاتمثل ظاهرة الريع في الاقتصادات الحديثة (ذات الأنظمة الديمقراطية) سوى نسبة ضئيلة من الناتج القومي الاجمالي، اما في الدول المتخلفة حيث تتعايش أنماط علاقات انتاجية متنوعة فضلاً عن الدور الخاص الذي تلعبه الدولة فقد برز مفهوم الريع المركزي (المختلف عن الريع الكلاسيكي الاقطاعي) والذي يتضمن جميع المداخيل الطفيلية غير الناجمة عن نشاط انتاجي.
تتنوع تعاريف الاقتصاد الريعي وتحديد سماته العامة بحسب الخلفية الفكرية، ومن اجل ضبط المفهوم ماركسياً يعّرف بانه ذلك النمط الذي تمثل فيه القطاعات غير المنتجة نسبة تتجاوز النصف مقابل القطاعات المنتجة مثل الصناعة والزراعة. وهكذا يبقى النمو الاقتصادي مرهوناًَ بتطور الريع لابديناميكية الاقتصاد بتشجيع القطاعات الانتاجية.
ولرفع الالتباس والخلط الحاصل بين الاقتصاد الريعي والدولة الريعية يستشهد الباحث بعدة آراء أحدها للدكتور حازم الببلاوي الذي يربط بين مفهوم الاقتصاد الريعي باشتراك غالبية المجتمع في توليد الريع وليس بالضرورة، في حالة الاقتصاد الريعي وان تكون الدولة ريعية. ويرى ان الاقتصاد والدولة الريعيين يلتقيان في النسبة العالية للمداخيل الريعية الخارجية في الناتج المحلي الاجمالي ويفترقان في نسبة مشاركة المواطنين في توليد الريع وأيلولته. ففي الدول النفطية يعمل في توليد الريع النفطي الخارجي عدد محدود من العاملين ويؤول الريع بأكمله الى النخبة الحاكمة، في حين يتولد الريع الخارجي في الدول السياحية (سنغافورا مثلاً) من اغلبية السكان وعند ذلك نكون بصدد اقتصاد ريعي وليس دولة ريعية.
من سمات وخصائص الاقتصادات الريعية ارتباطها سياسياً بالدول الرأسمالية الكبيرة وتمتين علاقات التبعية معها لضمان حماية تؤمن لها البقاء في السلطة ضد أية توجهات عملية لتغيير نظام الحكم وتركيبته الاجتماعية. كذلك غلبة التبعية الاقتصادية كعلاقة عضوية ناجمة عن موقع الدول النفطية في بنية تقسيم العمل الدولي الرأسمالي حيث تنحصر مهمتها في انتاج وتصدير النفط واستيراد ما تحتاجه من السلع الصناعية من الدول الرأسمالية المتقدمة.
اما الأقتصاد الريعي ـ في البلدان العربية غير النفطية ـ فهو تفضيل سياسي لأطقم الحكم لترسيخ موقع امتيازي في تحريك الموارد وتوزيعها وصنع الولاءات. فدول ـ مثل الاردن ـ لاتتمتع بريع استخراجي تحولت الى دول ريعية (ويطلق عليها الباحث دول الريع السياسي) وذلك من خلال "بيع" موقعها في الاستقطابات الدولية او "تأجير" سياساتها للقادرين على الدفع او الحماية.
ان نهب الثروة وانعدام أي توجه نحو الاقتصاد الانتاجي يؤدي الى تقلص فرص العمل وبالتالي تفاقم البطالة. كما يؤدي تدفق الريوع الهائلة الى تنامي ظاهرة الأثر الاستعراضي وثقافة انتهاز الفرص والبحث عن الربح السريع والتفاخر الاجتماعي وتوجه الاقتصاد نحو قطاعي العقارات والخدمات وكل ذلك يشجع على انتشار الفساد بكل صوره. واخيراً فان الأفراز القيمي للسمات السابقة هو تأسيس (العقلية الريعية) التي ترى ـ حسب د. حازم الببلاوي ـ في الريع عملاً منعزلاً يرتبط بالظرف وليس جزء من عملية انتاجية وما يرتبط بها من جهد ومخاطر.
وهنا يغدو الحامل الاجتماعي لهذا النمط من الاقتصاد أي القوى الاجتماعية المعبرة عن رؤيتها وايديولوجيتها ومصلحتها عن الاقتصاد الريعي ابعد ما تكون عن ذهنية العمل والانتاج واقرب ما تكون الى ذهنية السوق الحرة. وهذه القوى تشكل قاعدة اجتماعية لما يعرف بالحراك الاجتماعي السريع والخطير. وهي قوى مناهضة للمنتجين من عمال وفلاحين واصحاب الدخل المحدود.
ويؤدي تنامي الاقتصاد الريعي بقواه الطفيلية تلك الى تراجع القوى الاجتماعية المراهنة على ستراتيجية للتنمية والتقدم الاجتماعي. وبالتالي مطالبة اصحاب الريع بتمثيل سياسي يتناسب وموقعهم الاقتصادي وهو ما يتجلى اليوم صارخاً في الطبقة السياسية المتنفذة في العراق.
من جهة اخرى يقوم الاقتصاد الريعي بتحييد البرجوازية الوطنية سياسياً من خلال تحييدها اقتصادياً وحصرها في مجال الخدمات والوكالات وربطها بمشاريع ومناقصات الدولة، وما ينتج في نهاية الأمر برجوازية طفيلية غير مبدعة تبحث عن علاقة مع مراكز داخل الدولة تحميها وتمنحها امتيازات.
ان من التداعيات الخطيرة للأقتصاد الريعي تفشي ثقافة اللامساءلة واللامحاسبة وما يرافقها من تجذير لثقافة الفساد، والسعي لتحقيق الربح السريع عبر المضاربة التي يقوم بها حفنة من "الرأسماليين الجدد" قوامها المصدرون والمستوردون والمقاولون والمضاربون والعقاريون، وكذلك كبار المسؤولين الذين يتقاضون عمولات مقابل تسهيل اتمام الصفقات.
ويصف بعض الباحثين مثل هؤلاء بـ"الرأسماليين الهلاميين" او رأسمالية الحبايب والقرايب. ومن هذه التداعيات ايضاً، انكشاف الدولة الريعية امام الخارج حين تصبح اسواقها المحلية مرتعاً للشركات الأجنبية عبر وكلائها الحصريين. وبخصوص الأمن الغذائي ورغم ان معظم الدول العربية زراعية لكن اهمال القطاع الزراعي لمصلحة الخدمات ادى الى الاستيراد، اما الانكشاف السياسي فيأتي لحاجة النخب الحاكمة في تلك الاقتصادات الى حماية خارجية لتأمين مصالحها الريعية وهذا ما يسمح بأنشاء قواعد عسكرية اجنبية بموافقة النخب.
وعودة الى الدولة الريعية (المفهوم) يذكر المؤلف مقاربة الباحث الايراني حسين مهداوي (1970) التي تقوم على مسلمتين اساسيتين:
ـ الدولة الريعية لا تحصل على مواردها من الضرائب فهي لاتخضع لمحاسبة مواطنيها وتتمتع بأستقلال سياسي عنهم.
ـ هذه الدولة تعتمد سياسات توزيعية تخرج السكان من الحيز السياسي وبالتالي أي مطالبة بالديمقراطية.
والخلاصة هي دولة تعتاش على عائدات من الخارج، اما عن بيع مادة خام او تقديم خدمات ستراتيجية (قناة السويس مثلاً) او ضرائب تجبى على تحويلات من الخارج. أي انها تعتمد دخلاً لايتم كسبه عن طريق العمل والانتاج. أي لايشارك المواطنون بصنعه الأمر الذي يعيق تطور المجتمع المدني ثم التحول الديمقراطي. فالدولة الريعية دولة متضخمة النفقات والميزانيات وقادرة على توزيع امتيازات ومناقصات ووكالات على النخبة المرتبطة بها والموالية لها سياسياً او عشائرياً. كما ان تضخم العائدات يمكنها من شراء قطاعات من "النخب الثقافية" ممن كانوا مؤهلين للمساهمة في عملية بناء المجتمع المدني في العديد من البلدان العربية.
أي اعاقة نشوء الديمقراطية في الدولة الريعية لم يكن وليد اليوم. ونشوء الديمقراطية مبكراً في انكلترا ودول أوربا الشمالية الفقيرة كان لاعتمادها على الضرائب. بينما ظلت دول اعتاشت على الريع الاستثماري مثل اسبانيا والبرتغال محرومة من الديمقراطية حتى سبعينيات القرن الماضي حين تمكنت من ان تنشأ اقتصاداً محلياً حديثاً.
وحول المتغيرات والتفاعلات السياسية الجديدة (مخاض الربيع العربي) فهي تعود الى اسباب اقتصادية جوهرية تتمثل بسياسة التصحيح الهيكلي او الخصخصة التي طبقت منذ بداية الثمانينات والتي استهدفت بيع كل ثروة الشعب لمافيات رأس المال الكمبرادوري والمالي والعقاري الطفيلي.
واضحت مهمة الدولة هي تسهيل نشاط هذا الرأسمال مما فاقم الآثار الاجتماعية حيث تزايدت الهوة الطبقية حين اصبح اقل من 10% من السكان يتحكمون بأكثر من 70% من الدخل، اضافة الى تفاقم الاستبداد ومصادرة الحريات. وكان دور الولايات المتحدة وهدفها بالنسبة للتحولات هو ابقاء البلدان العربية ضمن اطار التبعية مع بعض التغييرات الشكلية. ويستشهد الباحث بالمفكر اللبناني جورج قرم الذي يوضح كيفية استيراد النيولبرالية على مرحلتين: الأولى (1970ـ1990) وفيها قادت سياسة الانفتاح الى أزمة المديونية العالمية ففرضت العقيدة النيولبرالية (تاتشر ـ ريغان) شروطها بالخضوع لهيمنة المؤسسات النقدية العالمية ومطالبها المعروفة. وفي هذه الحقبة التاريخية تزايد عدد السكان في كل البلدان العربية من دون زيادة الانفاق على تطوير البنية التحتية. وكان لكل ذلك أثر سياسي بليغ تجلى بصيغ عديدة منها انتشار الأصوليات الدينية التي نجحت في استيعاب النقمة الشعبية ونقمة الطبقة الوسطى.
اما المرحلة الثانية (1990ـ2010) فقد جاءت سياسات التحرر الاقتصادي والمالي بعد دخول البلدان العربية في اتفاقية مع منظمة التجارة العالمية مما ادى الى تخفيض الرسوم الكمركية على الاستيراد ومنح تسهيلات للاستثمارات الاجنبية وتحرير عمليات اعادة تحويل الأرباح المحققة من قبل المستثمرين. وهكذا جاء الأنفتاح السياسي الشكلي المرافق للتحرر الاقتصادي عبارة عن (ادارة لتناقضات المجتمع السياسي) ولم تفقد النخبة الحاكمة سلطتها ولم تتغير سوى قواعد وأساليب ممارسة السلطة. وتجري الانتخابات المزورة كتقنية انتهازية لأبقاء الاستبداد وعدم المساس به كما لو أنها تغييراً في آلية الفن الاستبدادي. وخرجت الدولة العربية اكثر تسلطاً وتضخمت ظاهرة الفساد بكل أنواعه. ووجدت النخبة الحاكمة وتحالفاتها الاجتماعية الزبونية ان ليس في مصلحتها اجراء تحولات ديمقراطية طالما ان الحكم لاينفصل عن آليات توزيع العوائد المالية.
وبينما يرى التحليل العلمي لهذه الظواهر ان المجتمعات على شفير الانفجار يقابله منطق "الليبرالية الطرفية" بأن الضغط السياسي على الأنظمة سوف يجعلها "اكثر ديمقراطية" او يميل البعض للدفع باتجاه التدخل الدولي "لتحقيق الدمقرطة"!
ويقرر د.عزمي بشارة ان الفلاحين والعسكر من ابناء الفلاحين هم الذين قطعوا اللحظة البرلمانية في العالم العربي. وهؤلاء العسكر الريفيون تمكنوا بـ"التأميم" من زيادة قوتهم والانفاق على سلطتهم الجديدة. والعسكرة بهذه الصيغة هي احد عوامل أعاقة الديمقراطية.
تاريخياً ولاسباب متنوعة تهيمن الدولة في العراق على المجتمع المدني. غير أن هذه الهيمنة اتخذت صيغتها الصارخة بسيطرة الائتلاف العسكري/الحزبي في 17 تموز 1968. ولضمان اعادة انتاج سيطرته لجأ هذا الأئتلاف الى تأمين السيطرة الاقتصادية عبر الهيمنة على مصادر الثروة وتحديداً الثروة النفطية واستخدامها كأداة لتوليد "الفئات الجديدة" التي ارتكز عليها، اضافة الى احكام قبضته على مواقع اعادة انتاج السيطرة السياسية والأديولوجية من اجل بناء وتثبيت سلطته الجديدة.
ان الدولة الريعية هي اكبر رب عمل، أي اكبر من يوظف الموارد البشرية، لتكريس تبعية الجميع للقطاع الحكومي. وبذلك تستقطب كافة الشرائح والفئات الاجتماعية بأغرائها بنصيب من منافع النفط. وهكذا تسقط أي دوافع اقتصادية حقيقية لدى الفرد والجماعة تدفع للتحرك المعارض من اجل ديمقراطية تمثيلية. ولا يبقى سوى الافكار الدينية او العوامل الثقافية او اللغوية او المناطقية قادرة على التحشيد المضاد، وعادة ما تنتهي الى الفشل نتيجة هشاشة القاعدة التي تستند اليها ومحدوديتها.
وتلجأ الدولة الريعية من اجل التنفيس عن الشعور بالاجحاف لدى بعض الفئات الى انشاء "هيئات تمثيلية" مقطوعة الجذور عملياً عن من تمثلهم ظاهرياً لأنها مجرد ديكور سياسي، اما اعضاؤها فيدخلون ضمن الفئات والشرائح المتصارعة على أخذ نصيب اكبر من الغنيمة النفطية.
بعد سقوط النظام البعثي وتحت تأثير تدفق الريوع النفطية العالمية، اختارت النخبة الحاكمة الطريق الأسهل: الأستهلاك. فقد تحولت الى نخبة ريعية بيروقراطية فاسدة ضمن خريطة القوى الطبقية الاجتماعية الجديدة التي تشكلت في أطار سياسات ادارة الأزمة وتعاونت هذه القوى الجديدة مع قوات الاحتلال لدفع العراق سريعاً على طريق اقتصاد السوق المنفلت وتهيئة الأجواء للخصخصة وفتح الاقتصاد العراقي على مصراعيه للاستثمارات الاجنبية. وادى التفاعل السريع والواسع مع رأس المال العالمي الى تأسيس قطاع رأسمالي تابع وغير قادر على تحقيق الاهداف التنموية بسبب علاقته اللامتكافئة مع الرأسمال العالمي.
ان الوظيفة الاقتصادية للنخبة الحاكمة هي القيام بدور الوسيط بين الرأسمال العالمي وهذه الفئات المتشكلة تواً من حديثي النعمة (وبعضها كمبرادور). وهكذا تحقق لنفسها قدراً من الاستقلال النسبي، طالما ان المجال موضع المنافسة هو المجال الاقتصادي فان القوة التي يفترض ان تسعى السلطات لتحقيقها هي القوة الاقتصادية والتي بواسطتها تقوم بدورها في حماية المستثمرين (محليين واجانب) من المخاطر السياسية ومظاهر عدم الاستقرار التي يعرفها السوق وتعقيدات العملية السياسية وتنوع السلطات وتعدد مراكز اتخاذ القرار.
وهكذا كانت السلطة لاتقيم سيطرتها عن طريق العنف وحده بل ايضاً توزيع العطايا والمنافع لفئة او جماعات معينة تصبح هي قاعدتها الاجتماعية كما كان يفعل نظام صدام حسين، وكيف لعبت الريوع النفطية هذا الدور، وكيف تقلصت قاعدته الاجتماعية بسبب الحصار الاقتصادي وتقلص الريوع المذكورة.
ان الفئات الاجتماعية المنتفعة من السلطة تتألف عادة من جماعات وطوائف وافراد وهي تتصارع مع بعضها البعض مستخدمة علاقاتها برموز النظام من اجل الحصول على موارد او امتيازات. وقد ينجح البعض ويفشل الآخر. وهناك الكثير من "رجال الأعمال" الجدد متورطون مع السلطة ورموزها. واذا ما اضفنا الى كل ذلك تفكك الدولة وتقاسمها بين "ممثلي" الهويات الفرعية وما يمور به المجتمع من حراك فذلك يضغط على القوى المتنفذة لكي تراقب بقلق زحف المهمشين والفقراء حيث اصبحت بعض مناطق بغداد ـ وكل المدن العراقية ـ جزراً منعزلة من الغنى في محيط كبير من الفقر والحرمان. وهنا يأتي دور السلطة لـ(حماية من يملك ممن لايملك)! وبذلك يصبح المالكون اسيري البيروقراطية الحاكمة عندما تهددهم بـ"ثورة الجياع" وفي الواقع تخفف هذه "الفزاعة" من توتر العلاقة بين الاثنتين ولكنها لاتحلها. لأن البرجوازية تدرك ـ بغريزتها الربحية ـ مدى التردي الذي وصلت اليه السلطة في عدم قدرتها على التواءم مع مقتضيات النمو الرأسمالي التبعي.
على خلفية تعاظم الريوع النفطية نتيجة زيادة اسعار النفط تنامت سمات الطابع الريعي والخدماتي والتوزيعي للاقتصاد العراقي والتي وظفتها النخبة الحاكمة في توسيع شبكة الزبائنية الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ السياسية. وقد استفادت بعض الطبقات والشرائح الاجتماعية بدرجات متفاوتة من هذه الطبيعة المزدوجة الريعية ـ الخدماتية. ونمت في اطار ذلك فئة بيروقراطية مرسملة متموضعة في الشرائح البيروقراطية، الحكومية والسياسية والعسكرية والأمنية العليا التي تنحدر في الأساس من الفئات الوسطى والفقيرة. لقد تخلّقت هذه المجاميع جراء "حيازتها" لجهاز الدولة، أي انها "تملك" الدولة من خلال "حيازتها" اجهزتها وقد آلت اليها بفعل عملية نهب المال العام الشديدة حصة كبيرة من ثمار "النمو الاقتصادي المرتفع جداً" والناجم بالاساس من تعاظم الريوع النفطية.
كما تنامى دور البرجوازية الطفيلية من رجال الأعمال الجدد الذين عملوا مقاولين للقطاع الحكومي وقبلها مع (مؤسسات اعمار العراق) التي انشأها الاحتلال، او في مجال الوساطة مع عقود التجارة الخارجية التي كانت عمولتها (أي ريعية الفساد الاسود) تشكل نسبة كبيرة من قيمتها الاجمالية.
وفي اطار عمليات الانتقال "الديمقراطي" التي ابتدأتها سلطة االائتلاف المؤقتة بادارة بريمر كان الهاجس الرئيس هو التحول نحو اقتصاد السوق، أي الانتقال من رأسمال الدولة الريعية المركزية الى اقتصاد السوق الحرة على غرار دول اوربا الشرقية. ولكن لم تشهد عناصر الاقتصاد الانتقالي هذا أي حراك ممكن للتكامل مع "التحرر المالي". وهكذا فأن "الديمقراطية المالية" الراهنة اضحت مصدر الصراع وتوليده المستمر عبر اشكالية لم تحل بين رأسمالية الدولة ورأس المال المالي الاهلي.
لقد نتج عن تطبيق وصفات صندوق النقد الدولي اعادة تعريف ادوار اللاعبين الاجتماعيين ـ الاقتصاديين ـ السياسيين بتوليد نظام جديد يشكل "رجال الأعمال الجدد" قاطرته. ووصل برنامج التحرر الاقتصادي الى مفرق ازمته في ازدياد تشوهات توزيع الدخل، ارتفاع معدل الفقراء، ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع معدلات الفساد ليتحول الى "مؤسسة".
لقد قادت هذه الخلفية الاجتماعية الاقتصادية الجديدة الى اندلاع حركات الاحتجاج خلال عام 2011 ولجوء السلطة الى القمع. ويعكس كل ذلك ان نظام المحاصصة غير قابل للأستمرار ووهنت ستراتيجياته وتقوّض عقده الاجتماعي واضحى عاجزاً عن الحكم بالوسائل القديمة من دون ان يتحول الى قوة عارية، كما صار المجتمع يطالب بتغيير جوهري في البنية السياسية.
يتم اليوم احتواء "الرأسمالية الجديدة" ضمن مشروع رسملة الدولة والمجتمع بشكل تدريجي. ويتضمن هذا المشروع تسوية بين البيروقراطية العليا والرأسمالية على اقتسام النفوذ والثروة. لكن الرأسمالية المسيّسة تحتاج معها ادماج قطاعات من الطبقة الوسطى الحديثة في المجال السياسي. وبقيام حلف بينهما يطرح فكراً إسلامياً جديداً يتبنى فكر الحرية الاقتصادية جامعاً بين الحداثة والعمامة فالمصالح الطبقية واحدة وان اختلفت "الستايلات"!
ان الروح النيولبرالية التي تقمصت (العراق الأمريكي) ترى ان الدولة هي اصل العلل والشرور. وقد وفر غياب الدولة (بعد حلها من قبل الأمريكان) الفرصة المؤاتية لقوى ما قبل الدولة من طوائف وعشائر لتستعيد وجودها وحيويتها. وهذه حالة من التعارض التاريخي لم يشهده العالم منذ قرون. وكان عسيراً على دولة ذات اقتصاد ريعي ان تتخلى عن مهمتها وتتجه نحو اقتصاد حر يقلل من دور الدولة في حين انها تستحوذ على الثروة الاساسية في البلاد وهي النفط. ولم يكن ذلك سوى رهان نظري لا عملي.
***
لاتوجد مقاربة منهجية متكاملة حول "الدولة الرأسمالية الطرفية".. وان تطور المجتمع المدني في البلدان الرأسمالي ليس منفصلاً عن تطور الدولة. كذلك غياب الدولة الديمقراطية في العالم العربي ليس منفصلاً عن غياب المجتمع المدني. وكان انبثاق الدول الجديدة إثر الاستقلال السياسي الهش فظلت تعاني من نقص بنيوي من اضفاء الشرعية عليه بسبب ممارسة الدولة الوصاية على المجتمع المدني الوليد.
ان الفئات الوسطى الحاملة لأديولوجيا الدولة القومية ولدت وتشكلت في اطار البنية الاجتماعية الكولنيالية وهي تختلف عن الطبقة الوسطى في الغرب التي تكونت تاريخياً في اطار علاقات الانتاج الاقطاعية وكانت تمثل القوة الاجتماعية الثورية الحاملة في صيرورتها الطبقية نظام انتاج رأسمالي جديد قائم بذاته، وهكذا اضطلعت بالدور المركزي والقيادي للثورة الديمقراطية البرجوازية.
لايوجد أي منطق تماثلي بنيوي بين الاثنتين، فعندما مارست الفئات الوسطى عندنا النضال الوطني حافظت على البنية الاجتماعية الكولنيالية ولم تنحو صوب التحويل الثوري لعلاقات الانتاج القديمة. ومن هنا كانت تحمل عقلية "ثورة من الأعلى" وهو ما قاد الى تحول الدولة الى جهاز هيمنة خارج على المجتمع وصولاً الى الغائه، وتفاقم القطيعة بين الحاكمين والمحكومين.



#حسن_اسماعيل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عمر بن الخطاب والجرح النرجسي الأيراني
- قصيدتان
- ما بعد الحداثة.. النخب تختبأ وراء الثقافة
- سعد جاسم يحتضن العالم بقبلة شاسعة !
- صلاح نيازي .. نوستالجيا حائرة بين الحنين والرثاء
- كتاب وأدباء من ذي قار يطالبون اتحاد الادباء العراقيين بنصرة ...
- الحرية للشاعر أبراهيم البهرزي !
- من كان خالد الامين ؟
- عصاب إلكتروني عراقي ,,سياسي ,,!
- العراق .. . ومشروع الدولة
- تعالوا نقرأ .. السينما النازية
- العراق ... وانعدام الأمن المائي
- كلام في المسكوت عليه محنة العراقيين ب (يسار الوسط )
- علي الوردي والتفكير الشعري
- في العراق - طبقة وسطى- تجهل مهماتها التاريخية !
- كاظم الحصيني ... وداعاً ايها المعلم !
- فاطمة المحسن : درس مظفر النواب
- قراءة في افكار نيولبرالي عراقي - الأستاذ حسن اسماعيل - العرا ...
- في مفهوم العلم الخلدوني


المزيد.....




- وكالة الطاقة الذرية: علاقتنا بإيران تمر بلحظة صعبة للغاية
- نائب يصفع زميلته أمام الكاميرا.. شاهد لحظة عراك عنيف داخل بر ...
- وكالة الطاقة الذرية: علاقتنا بإيران تمر بلحظة صعبة للغاية
- أكار: تحييد 491 إرهابيا منذ بدء عملية مخلب السيف
- بالفيديو.. فيضانات عارمة بعد أمطار غزيرة في البرازيل
- البيت الأبيض يفاوض الكونغرس لرصد 21 مليار دولار مساعدات عسكر ...
- إسرائيل تعلن نيتها تزويد أوكرانيا بعربات إسعاف مصفّحة
- مقتل فلسطيني برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية
- الجيش السوري يدعي أنه هو من قتل زعيم تنظيم -داعش- في أكتوبر ...
- المحكمة الدستورية التركية: المكالمات المسجلة بشكل سري ليست د ...


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن اسماعيل - قراءة في كتاب: الريوع النفطية وبناء الديمقراطية: الثنائية المستحيلة