أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن اسماعيل - في مفهوم العلم الخلدوني















المزيد.....



في مفهوم العلم الخلدوني


حسن اسماعيل

الحوار المتمدن-العدد: 4279 - 2013 / 11 / 18 - 19:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مرّت العلوم العربية حتى القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، بأدوار مختلفة من التقدم والرقيّ حيناً، إلى الركود فالتراجع حيناً آخر. وإذا كانت إشراقة النشاط العلمي العربي وحدها تكفي لأن يوصف عصر الخلافة العباسية،( ولا سيّما القرنان الثالث والرابع الهجريّان/ التاسع والعاشر الميلاديَّان)، بأنه عصر النهضة، فإن العلوم العربيَّة لم تكن في صعود دائم، بل كانت تركد حيناً، لتتراجع حيناً آخر، فضلاً عن أنّ النشاط العلميّ كان يرحل من عاصمة إلى عاصمة، تبعاً لاهتمامات أولي الأمر، وذوي الشأن.
وإذا كان من العسير تقدير الإسهام الذي قدّمه العلماء العرب في مجال المعرفة العلميَّة، فإنّهم استطاعوا، بفضل اتصالاتهم بحضارات فارس والهند والصين، أن يوسّعوا قاعدة العلوم اليونانيّة، الرياضية والفلكية والطبية، فأنشأوا فنون علم الجبر، وحساب المثلّثات، وأرسَوْا قواعد علم البصريّات، من دون أنْ نُغفل التوسّع الخطير في علم الكيمياء، حيث خلقوا تقاليد جديدة له، بفضل خبرتهم في العديد من المواد والعمليَّات، واستيعابها وتزويدها بالمبادئ العامة. ولعل هذا التفوّق دفع العالم الإنكليزي ج. برنال( )، إلى اعتبار العرب المؤسسين لعلم الكيمياء، إذ قال: “تعتمد الكيمياء على الخبرة الواسعة الانتشار بالعديد من المواد والعمليات، ولا يمكن أن تصبح الكيمياء علماً إلا إذا جمعت هذه الخبرة معاً وأمكن استيعابها ككل، وتزويدها ببعض المبادئ العامة. وهذا هو ما فعله العرب، الأمر الذي يعطيهم الحق في أن نعتبرهم المؤسسين لعلم الكيمياء”( ).

ومن مآثر العلوم العربية أنها كانت شديدة الارتباط ببنية المجتمع العربي الإسلامي، وكان لكل علم وظيفته؛ فالطب لحفظ الصحة، والفلك للزراعة والسّفروالنّحْو لحفظ اللغة من الضياع... وهكذا. ولعل هذا الأمر يفسّر تقدُّم علومٍ، وتراجع أخرى تبعاً للحاجة إليها. وقد استمرّت العلوم العربية والإسلامية بالنموّ والازدهار (طيلة القرنين الخامس والسادس الهجريين/ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين)، إلى تَراجع الفكر العلمي بعد القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، انسجاماً مع التراجع الحضاري.

وقد اهتم العلماء العرب ومؤلفوهم قبل ابن خلدون( ) بإحصاء العلوم وتصنيفها، من مثل ما أتى به أبو نصر الفارابي( )، في كتابه “إحصاء العلوم”( )، وابن سينا( ) في رسالته “أقسام العلوم العقلية”( ) والخوارزمي( ) في كتابه “مفاتيح العلوم”( ) وابن حزم( ) في رسالته المعروفة بـ”مراتب العلوم”( )، وغيرهم ممن تناولوا في تضاعيف تصانيفهم أصناف العلوم حتى حدود أزمنتهم.
ولم يكن ابن خلدون أقلَّ اهتماماً بالعلوم وأصنافها ممن سبقوه، بل لعلّه كان أدقّهم في هذا المجال، ومردّ ذلك، في نظرنا، إلى ما آلت إليه أحوال العلوم حتى زمانه. وقد خصص لها الباب السادس من “مقدمته” بكامله، أي ما يتعدى ثلث مساحتها، وذكر في هذا الباب العلوم وأقسامها، وأصنافها وطرائق تعليمها، وما عرض لها من الأحوال حتى حدود زمانه، من غير أن ينسى قوانين تقدّمها وتراجعها، بيْدَ أن كلامه ليس استطراداتٍ أو تكراراً لما أتى به من سبقوه، بل هو يدخل في منظومة الفكر الخلدوني برمّته، وبالتالي فإنّ موضوع العلوم الخلدونية هو جزء لا يتجزّأ من مشروعه العام. وعلى هذا الأساس تكتسب هذه العلوم من الأهمية ما يكتسبه أي جانب آخر من جوانب المقدمة، من مثل العصبية والخلافة والمباحث الاقتصادية، باعتبارها تدخل هي جميعها في صلب العمران الذي هو مادة التاريخ وموضوعه، كما فهمه ابن خلدون.
ويبدو حديث ابن خلدون عن العلوم حديث المؤرّخ العلمي بالمعنى الدقيق للكلمة؛ فبعد أن يصنِّفهاـ على طريقة من سبقه من فلاسفة العرب ـ إلى علوم نقلية وعلوم نظرية عقلية، وما بينهما من أصناف علوم تتفاوت في قربها وفي بعدها عن دائرتي النقل والعقل، من مثل السحر والطّلسمات وأسرار الحروف وغيرها، رأيناه يعيّن موضوع كل علم، ويشير إلى أهم مسائله، ويستعرض مراحل تطوّره، ويذكر أبرز علمائه، وأهم الكتب التي صُنّفت فيه، بموضوعية وحياد، معتمداً في أبحاثه تلك، منهجاً تكوينياً يلاحق التطوّر الداخلي لهذه العلوم، ويربطها والمعارفَ المتصلة بها بالحياة الاجتماعية، وبمدى اتّساعها، ودرجة تعقيدها، وهو ما لم يسبقه إليه أحد من الذين صنّفوا قبله في العلوم العربية.

1- الدلالات الحضارية في معنى العلم: العلم نشاط إنسانيّ متغيّر أكثر من أيّ أمر آخر ينشغل به الإنسان، ويعتبر أسرع المنجزات البشرية تغيُّراً، لكونه وجهاً لا ينفصل، من أوجه عملية التطوُّر الاجتماعي الفريدة التي لا تتكرر، ولم يحدث أن كان للعلم وجود مستقل لفترة طويلة، إذ اصطبغ بالسحر تارة، وبالفلسفة طوراً، ولم يكتسب وضعاً مستقلاً إلا في القرن السابع عشر. ونظراً إلى التغيرات التي أصابت العلم عبر تاريخه؛ فقد تعددت تعريفاته، بحيث جاءت قاصرة عن وجه من وجوهه التي اكتسبها في مراحل نموّه. وغالباً ما يكون هذا الوجه ضئيل الشأن. وقد عبّر آينشتاين ( )(Einstein) عن ذلك بقوله: “العلم كشيء موجود، ومكتمل هو أكثر الأشياء موضوعية بين ما عرفه الإنسان. لكنّ العلم من حيث الخلق والإبداع، ومن حيث كونه نهاية تتطلّب المتابعة، يعتبر أمراً ذاتياً تحكمه شروط سيكولوجية، شأنه شأن أيّ فرع من فروع الاهتمامات البشرية، حيث إنك إذا سألت: “ما هو الغرض من العلم وما هو معناه؟” تلقيت إجابات تختلف من زمن إلى زمن ومن نوع إلى نوع من الناس”( ).
ونظراً إلى الصلة الوثيقة بين العلم والفلسفة، فقد كانت المعارف الإنسانية، ابتداءً بالحقائق المشهودة وانتهاء بالمبادئ الجليّة، تُسمّى علماً كما كانت تُسمّى فلسفة، مع أنهما يُدرسان اليوم في أقسام مختلفة.
وقد اصطبغ العلم بالمهارة والتقنية، فضلاً عن دوره المعرفيّ. غير أن ذلك لم يتّضح إلا بعد انفصال العلم عن الفلسفة. ويقول فيليب فرانك Philipp Frank))( ) الأستاذ في جامعة كامبريدج: “إذا شئنا أن نستخدم اللهجة التي أنشأَنا عليها آباؤنا ومعلمونا فإننا نستطيع أن نتعرّف على غرض مزدوج للعلم: وهو أنه يزوّدنا بالمعرفة التقنية، وأنه ينمّي”فهمنا” للكون. وقد أصبح هذا الغرض المزدوج واضحاً بصفة خاصة عندما حدث الانفصام بين العلم والفلسفة”( ).
ويبدو أنّ العلم، في فهمنا المعاصر، لا يخرج عن كونه نشاطاً معرفيّاً منهجياً منظماً، يتداخل فيه العنصر التجريبي بالعنصر العقلي، ويهدف إلى اكتشاف القوانين الناظمة للكون، بغية زيادة سيطرة الإنسان على بيئته وإحكام تعامله مع عالمه. وهذه المعرفة هي معرفة شاملة تسري على جميع أمثلة الظاهرة التي يبحثها العلم، ولا شأن لها بالظواهر في صورتها الفردية، فضلاً عن أنّ الحقيقة العلمية تفرض نفسها على الجميع بمجرّد ظهورها، وتصبح ملكاً عاماً متجاوزة النطاق الفردي لمكتشفها، والظروف الشخصيّة التي ظهرت فيها، الأمر الذي يجعلها يقينية.
العلم العربيّ قبل ابن خلدون:
وفي اللغة العربية ارتبط معنى “العلم” بإدراك حقيقة الأشياء، سواء أحصل الإدراك من طريق الحواس أم من طريق العقل. واقترن العلم العربيّ كذلك بمعرفة الحقيقة؛ ذلك أنه في نظرهم صُوَر يتحلى بها العقل، ولا يدخل إليها الكذب في وجه من الوجوه، فقال الكندي( ): “العلم هو وجدان الأشياء بحقائقها”( )، وقال الآمديّ( ): “فأما العلم فعبارة عن حصول معنىً ما في النفس حصولاً لا يطرق إليه احتمال كذبه على وجه غير الوجه الذي حصل عليه”( ). ولعل هذا المفهوم للعلم بقي سائداً حتى زمان ابن خلدون؛ فللشريف الجرجاني( ) تعريف للعلم قريب من تعريف الآمديّ، إذ يقول:”العلم هو الاعتقاد المطابق للواقع، وقال العلماء هو حصول صورة في العقل، والأول أخص من الثاني، وقيل: العلم هو إدراك الشيء على ما هو به، وقيل زوال الخفاء من المعلوم والجهل نقيضه.. وقيل العلم صفة راسخة يُدرَك بها الكليات والجزئيات، وقيل العلم وصول النفس إلى معنى الشيء”( ).

وقد رادف بعض علماء اللغة بين العلم والمعرفة والشعور( )، غير أنّ أبا هلال العسكري( ) فرّق بين هذه الكلمات؛ فرأى أنّ المعرفة أخصّ من العلم لأنها علم بعين الشيء، في حين أن العلم هو اعتقاد بأحوال الشيء. وقال في ذلك: “الفرق بين العلم والمعرفة أنّ المعرفة أخص من العلم لأنها علم بعين الشيء مفصلاً عما سواه، والعلم يكون مجملاً ومفصلاً، فكل معرفة علم وليس كل علم معرفة، ذلك أن لفظ المعرفة يفيد تمييز المعلوم من غيره، ولفظ “العلم” لا يفيد ذلك إلا بضرب آخر من التخصيص في ذكر المعلوم”( )، وميّز كذلك بين العلم والشعور بقوله:
“الشعور عِلْم يُوصَل إليه من وجه دقيق كدقّة الشَّعر، ولهذا قيل للشاعر شاعراً لفطنته لدقيق المعاني، وقيل للشعير شعيراً للشظية الدقيقة في طرفه خلاف الحنطة”( ).

وعلى العموم فقد ربط العلماء العرب بين العلم ومزاولته، وميزوا بينه وبين التعلُّم، فاعتبروا أنّ الوصف بالعلم لا يكون إلا بعد المزاولة حتى يصير كأنه غريزة. وقال ابن جنّي( ): “ولما كان العلم إنما يكون الوصف به بعد المزاولة له وطول الملابسة صار كأنّه غريزة، ولم يكن على أول دخوله فيه، ولو كان كذلك لكان متعلماً لا عالماً، فلما خرج بالغريزة إلى باب “فَعُلَ” صار “عالم” في المعنى كعليم...”( ). ورأى ابن السكيت( ) أنّ فِعْل التعلّم يحتاج إلى فترة زمنيّة، على خلاف فِعْل “العِلْم”، وقال: “إذا قيل لك اعلمْ كذا قلت: قد علمت، وإذا قيل لك تعلَّم، لم تقل قد تعلّمت”( ). وأطلق الفارابي الفيلسوف “العِلْم” على ما هو غير متمكّن، ولم يصِرْ بعدُ صناعة، وأطلق “العالِميَّة” على ما هو غير مفارق لموضوعه، فقال: “... فإنّ العِلْم” قد يكون لما هو غير متمكن ولا يصير بعد صناعة، ولا هو عسير الزوال، وأما “العالِميّة” فإنها تدل عليها من حيث هي متمكّنة في موضوعاتها غير مفارقة”( ).
وهكذا لم تعرف الثقافة العربية، قبل ابن خلدون، دلالة تتعدى صوراً يتحلّى بها العقل، أو حصول معنىً ما في النفس حصولاً لا يطرق إليه احتمال الكذب، ولعل هذه المعاني كانت ملتبسة بالفلسفة، ذلك أنّ أكثر علماء تلك المرحلة كانوا من الفلاسفة، أو قل إنّ أكثر الفلاسفة كانوا علماء في الوقت ذاته، ويكفي أن نذكر اسمي ابن سينا وابن رشد( ) اللذين كانا فيلسوفين وعالمين بالطب. على ما بينهما من فارق في الزمان ـ لنثبت عمق العلاقة بين العلوم والفلسفة في الثقافة العربية.

العلم عند ابن خلدون:
لم يترك ابن خلدون في مصنفاته، ولا سيما “المقدمة” ما يشير إلى تعريف خاص بلفظة “عِلْم” بالمعنى الذي كان سائداً في زمانه. غير أنه لم ينسَ أنْ يذكر تعريفاً للعلم من منظور الفلسفة في مراحل ازدهارها، من دون أن يُظهر أنه يتبنّى هذا التعريف؛ فيقول: “.. وكان العلم: إما تصوّراً للماهيات، ويُعنى به إدراك ساذج من غير حكم معه، وإما تصديقاً، أي حكماً بثبوت أمرٍ لأمر...” ( ) ولا يخفى ما للفلسفة من أثر في هذا التعريف، ذلك أننا لا نستطيع فهم مقاصد ابن خلدون من دون الرجوع إلى تفسير ألفاظ هي مصطلحات فلسفية؛ فالتصوّر في اللغة هو توهّم الشيء وتخيُّله، وإدراك حقيقته، قالوا: ”تصورت الشيء: توهمت صورته فتصوّر لي”( ) وهو عند المناطقة “الاعتقاد الجازم المطابق للواقع”( ).

وأما الماهيات فهي جمع “ماهيّة”، وهذه: اللفظة من مصطلحات الفلسفة، وهي نسبة إلى “ما هـو”، جعلت الكلمتـان كلمة واحدة. وتطلق غالباً “على الأمر المتعقّل، مثل المتعقِّل من الإنسـان، وهو الحيـوان النـاطق مع قطـع النظـر عن الوجـود الخارجي”( ). وقد ميّز الكفوي( ) بين الحقيقة والماهيَّة بقوله: “الماهيَّة أعمّ من الحقيقة لأنّ الحقيقة لا تُستعمَل إلا في الموجودات، والماهيَّة تُستعمَل في الموجودات والمعدومات”( ).

وأما الإدراك فهو حصول صورة الشيء عند العقل، سواء أكان ذلك مجرّداً أم ماديّاً، جزئياً أم كليّاً، حاضراً أم غائباً. وقد عرّف ابن سينا الإدراك بأنّه “أخْذ صورة المدرَك بنحوٍ من الأنحاء”( ). والإدراك مصدر “أدْرَكَ”، ومعناه اللحاق، يقال مشيت حتى أدركته، وعشت حتى أدركت زمانه، ومن هذا المعنى أطلِق الإدراك للدلالة على اللحاق بالبصر، فجاء في سورة الأنعام:{  }( ).قال الراغب الأصفهاني( )في هذه الآية: “فمنهم من حمل ذلك على البصر الذي هو الجارحة، ومنهم من حمله على البصيرة”( ). ومن ذلك قالوا:“أدرك: بَلَغ علمه أقصى الشيء، ومنه المدرِكات الخمس، والمدارك الخمس أي الحواس الخمس”( ).

وأما كلمة “ساذج” فتعني السطـحيّ البسيط، وهي تدلّ في عُـرْف المتكلمين على ما ليس ببرهان قاطع، ويبدو أنّ الكلمة حادثة في الأمّة بفضل التلاقح الحضاري، والراجح أنها من أصل فارسيّ، إذ ليس في كلام العرب كلمة فيها “سين” بعدها “ذال” فالجوهري( ) لم يذكر كلمة فيها “سين” بعدها “ذال” إلا “سَذَق” بمعنى السِّوار، وقال: “فارسي معرّب”( ). كذلك أهمل أحمد بن فارس( ) السين والذال وما يثلثهما، واكتفى الجواليقي( ) بالقول: “الساذج فارسيّ معرّب”( ).

وفي اللسان: “حجّةٌ ساذِجة، وساذَجـة: غير بالغة، قال ابن سيـده( ): أراها غير عربية، إنما يستعملها أهل الكلام في ما ليس ببرهـان قاطع، وقد يُستعمـل في غير الكلام والبرهان، وعسى أن يكون أصلها سادَهْ فعُرِّبت كما اعتيد مثل هذا في نظيره من الكلام المعرب”( ). ورأى الزبيدي( ) أنّ الساذَج هو “الذي على لون واحد لا يخالطه غيره”( ). ومهما يكن أصل هذه الكلمة فهي تُستعمل في لغتنا المعاصرة بمعنى السطحي البسيط. وقد استخدمها ابن خلدون بمعناها الشائع عند المتكلمين، الأمر الذي يعني أن “الإدراك الساذج” هو الإدراك السطحي الذي ليس ببرهان قاطع، بما يدل على أن العلم الذي يوصف بمثل هذه الصفة لم يكن علماً عميقاً دقيقاً بالمعنى الذي نفهمه في زماننا.
وإما التصديق فهو درجة من درجات المعرفة، وتعني ما تعنيه كلمة”تصوُّر مع الحكم بالإثبات أو النفي، وهذا المصطلَح مصطلَح فلسفي من ابتداع الرواقيين( ) للدلالة على الدرجة الثانية من درجات المعرفة، وهو عندهم”يقوم مجاوبة على التأثير الداخلي، وهو متعلق بالإرادة، ولو أنه يصدر عفواً كلما تصورت النفس فكرة حقيقية”( ). وقد انتقل هذا المصطلح إلى لغتنا من طريق الفلسفة، ورأى فلاسفتنا القدماء أنّ التصديق هو تصوُّر معه حكم، وهو إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً”( ). وقال الشريف الجرجاني:”التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدقَ إلى المخبِر”( ).
وهكذا يتبين أنّ ابن خلدون فهم”العلم” كما نظر إليه سابقوه، على أنه إدراك سطحي للأشياء مع الحكم بالإثبات أو النفي، أو من دون حكم، ولكنه استخدم في هذا التعريف مصطلحات فلسفية من دون أن يبتعد في دلالاتها عن الدلالات المتعارفة عند الفلاسفة، الأمر الذي يعني أن مفهوم العلم ما زال ـ حتى حدود زمانه ـ ملتبساً بالفلسفة، ولا يستطيع الخروج من أسرها.
وإذا كان ابن خلدون قد ترك هذا التعريف”اليتيم” للعلم، فإنه لم يبخل علينا بتعريفات للعلوم المختلفة، لا يجد الباحث صعوبة ذات بالٍ في إماطة اللثام عن دلالات متعددة، أو، إذا صح التعبير، عن تضمينات متفرقة ومتنوعة شحن بها صاحب المقدمة ألفاظه وتراكيبه، وبثّها في ثنايا تعريفه بكل علم من العلوم التي تحدّث عنها أو كتب فيها.
والملاحظ أنّ العلم في مفهومه الخلدونيّ مجموعة من المعارف النظرية، والمهارات التطبيقية؛ ذلك أنّ لفظة “عِلْم” تتراوح عنده بين “النظر” و”المعرفة” و”الصناعة” و”البحث” في موضوع معيّن، واستخراج قوانينه الخاصة، على ما في هذه الألفاظ من اختلاف في المعاني تفضي إلى تنوُّع في دلالات العِلم. والملاحظ أيضاً أنّ بعض العلوم ذات الفروع المتعددة اختلفت في وظائفها العامة عن وظائف فروعها، كأنْ يكون العلم الرئيس “نظراً” أو “معرفة” وتكون بعض فروعه “صنائع”؛ فعِلم الهيئة، على سبيل المثال، هو “علم ينظر في حركات الكواكب الثابتة أو المتحركة أو المتحيِّرة”( )، في حين أنَّ علم الأزياج، أحد فروع علم الهيئة هو “صناعة حسابية على قوانين عدديّة في ما يخص كل كوكب من طريق حركته، وما أدّى إليه برهان الهيئة في وضعه من سرعة وبطء واستقامة ورجوع وغير ذلك، ويُعرف به مواضع الكواكب في أفلاكها لأيّ وقت فرِض، من قبل حسبان حركاتها، على تلك القوانين المستخرَجة من كتب الهيئة”( ). ويُلحَظ هذا الأمر في الطبيعيّات والطب؛ ذلك أنّ الطبيعيات “علم يبحث عن الجسم لجهة ما يلحقه من الحركة والسكون، فينظر في الأجسام السماويّة والعنصرية، وما يتولّد عنها من إنسان وحيوان ونبات ومعدن، وما يتكوَّن من العيون والزلازل، وفي الجوّ من السّحاب والبخار والرَّعد والبرق والصّواعق وغير ذلك، وفي مبدأ الحركة للأجسام، وهو النفس على تنوُّعها في الإنسان والحيوان والنبات”( ). وأما الطّب، وهو من فروع الطبيعيات، فهو “صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصح، فيحاول صاحبها حفظ الصحة وبرء المرض بالأدوية والأغذية بعد أن يُبيَّن المرضُ الذي يخصُّ كلّ عضوٍ من أعضاء البدن وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها”( ). ونرى ـ من جهة ثانية ـ أن بعض العلوم تفيد المعرفة، من مثل الأرتماطيقي والمنطق؛ فالأرتماطيقي هو “معرفة ما يَعرض للكمّ المنفصل الذي هو العدد، ويؤخذ له من الخواص والعوارض اللاحقة”( ) والمنطق هو “قوانين يُعرف بها الصحيح من الفاسد في الحدود المعروفة للماهيات، والحجج المفيدة للتصديقات”( ).
ولعلّ هذه التعريفات وغيرها تفصح عن بعض الألفاظ التي لا محيص عن معرفة دلالاتها، للوقوف على معنى العلم، كما عرفه ابن خلدون وعصره، في تراكمه حتى حدود زمانه، ومن هذه الألفاظ: النظر، والمعرفة، والصناعة، والبحث، والقوانين.

والنظر في المفهوم الحديث فعلٌ نفسي غايته كشف المجهولات من المعلومات المناسبة، ويقول جميل صليبا( ) في هذا الموضوع: “... إن النظر كالفكر فعلٌ صادر عن النفس لاستحصال المجهولات من المعلومات، والمجهول لا يُكتَسَب من كل معلوم على أيّ وجه كان، بل لا بدّ له من معلومات مناسبة، وترتيب معيّن في ما بينهما، وهيئة عارضة لها بسبب ذلك الترتيب”( ). وأصل النظر هو “تأمل الشيء بالعين”( ) ثم توسَّع المعنى ليدل على التأمل بالعقل؛ قال أحمد بن فارس: “النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعُه إلى معنى واحد هو تأمُّل الشيء ومعاينتُه ثم يُستعار ويُتَّسَع فيه. فيقال: نظرت إلى الشيء أنظر إليه، إذا عاينته..”( ). وقد وردت لفظة النظر ومشتقاتها في القرآن الكريم بمعنى تقليب البصر والبصيرة والتأمل والعلم والتدبُّر، الأمر الذي يفيد أنّ الاتساع الدلاليّ للكلمة سابق للإسلام. قال الراغب: “النظر تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يُراد به التَّأمُّل والفحص، وقد يُراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص وهو الرويَّة... واستعمل النظر في البصر أكثر عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة... ويقال: نظرتُ فيه إلى كذا، إذا مددْتَ طرْفك إليه رأيته أم لم تره، ونظرتُ فيه رأيته وتدبرته”( ).
وقد تطورت هذه المعاني حتى بات النظر يدلّ على الفكر في الشيء، وتدبُّره وقياسه، وهو من باب التوسُّع الدلاليّ، ونقل صاحب “التاج” عن “البصائر” أنّ النظر هو البحث بما تعنيه كلمة البحث من طلب المعرفة، والاستعلام عن المجهول، وقال :”النظر: البحث، وهو أعمّ من القياس، لأنّ كل قياس نظر، وليس كل نظر قياساً”( ). وهكذا كانت كلمة “النظر” تنتقل مجازاً من دلالة فعل العين إلى دلالة فعل النفس لكشف المجهول، من دون أن تفقد دلالتها الأصلية، ولعلّ هذا الانتقال سهَّل شيوع اللفظة للدلالة على أيّ نشاط عقلي يهدف إلى تحصيل المعرفة والكشف عن المجهول، ومن الطبيعي أن لا يخفى مثل هذا الأمر على ابن خلدون وعصره، لذلك وردت الكلمة في مقدمته أكثر ما وردت للدلالة على النشاط العقلي الهادف إلى الكشف عن المجهولات، بما يعني أن العلوم التي تكون وظيفتها النظر تعتمد أكثر ما تعتمد على النشاط العقلي لكشف المجهول.
وأما المعرفة فهي إدراك الشيء بتفكُّر وتدبُّر لأثره، وتطلق الكلمة على علم الأشياء من خلال آثارها من دون إدراك ذاتها. ولذلك يقال :”فلان يعرف الله ورسوله، ولا يقال: يعلم الله، متعدياً إلى مفعول واحد. ويقال: الله يعلم كذا ولا يقال: يعرف كذا، لما كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصّل إليه بتفكُّر”( ).
ويبدو أنّ أصل المعنى يعود إلى الرائحة الطيبة، ذلك أن النفس تسكن إليها وتطمئنّ، فلا تنكرها، لأنّ من أنكر شيئاً نبا عنه. وقد أجمعت المعجمات العربية على هذه الدلالة؛ فقال أحمد بن فارس: “العين والراء والفاء أصلان صحيحان يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلاً بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة، فالأول العُرْف: عُرْف الفَرَس، وسُمِّيَ بذلك لتتابع الشعر عليه... والأصل الآخر المعرفة والعِرفان: تقول: عرفْتُ فلاناً عرفاناً ومعرفة، وهذا أمر معروف، وهذا يدلّ على ما قلناه من سكونه إليه، لأنّ من أنكر شيئاً توحَّش ونبا عنه. ومن الباب العَرْف، وهي الرائحة الطيبة، وهي القياس لأنّ النفس تسكن إليها”( ). بَيْد أنّ معنى اللفظ انتقل من إدراك الأشياء من طريق الرائحة، إلى إدراكها من طريق أيّ أثر من آثارها، سواءٌ أتمّ ذلك بوساطة حاسة الشم أم بأيّ حاسة أخرى، ثم انتقل إلى الإدراك من طريق العقل. ولعلّ استخدام الكلمة بهذه المعاني ليس جديداً في العربية، فقد ورد فعل “عرَف” ومشتقاته في الشعر الجاهلي، فقال زهير بن أبي سلمى في معلقته يصف دار حبيبته (الطويل):
وقفْتُ بها بعد عشرين حجّةً فلأياً عرفت الدار بعد تَوَهُّمٍ( )
والواضح أن المعرفة تعني في هذا السياق الإدراك من طريق حاسة البصر، وبالتالي من طريق العقل. واستخدم الأعشى الكبير ميمون بن قيس( ) كلمة “عرفان” في وصف دار حبيبته بمعنى الإدراك بالحواس، إذ قال: (المتقارب):
لميثـاء دارٌ عــفــا رســمُهـا فمــا إنْ تبيّـنُ أسـطــارُهــا
وريــعَ الفــؤاد لعـرفــانهــا وهاجت على النفس أذكارُها( )
واستخدم فعل “عَرَف” في مكان آخر بمعنى “عَلِم” فقال (الطويل):
فإن أنتم لم تعرفوا ذاك فاسألوا أبا مالك أو سائلوا رهط أشْيَمِ( )
وقد كرّس الاستخدام القرآني كلمة “المعرفة” ومشتقاتها للدلالة على إدراك الأشياء من طريق آثارها بوساطة الحواس، من دون التقيُّد بالرائحة، كأن يكون الإدراك من طريق البصر، في قوله تعالى: {      }( )، وقوله: { }( )، أو من طريق السمع في مثل قوله تعالى: {•    }( ).
ووردت كلمة عرف ومشتقاتها في الحديث النبوي الشريف للدلالة على ما هو ضد الإنكار، في قوله: “فقلب المنافق عَرَف ثم أنكر”( ). وعلى الإدراك بالعين، في الحديث: “ومن عَرَف متاعه بعينه فهو أحقّ به”( )، كما دلت في حديث آخر على الإدراك بوساطة العقل: “تبسَّم حين رآني وعرف ما في نفسي”( )، وبوساطة السمع “فلما أسمعتهم قلت أتعرفونني”( ).
وهكذا كانت كلمة المعرفة ومشتقاتها تنتقل من معنى الإقرار إلى معنى الإدراك من طريق الرائحة، ثم توسّع المعنى للدلالة على الإدراك المطلق بوساطة الحواس المختلفة، ومنها إلى الإدراك بوساطة العقل لتستقرّ على معنى قريب من معنى العلم سواء أكان العلم تصوُّراً أم تصديقاً. ولعل تداخل استخدام الكلمة في هذه المعاني ولّد بعض اللبس بين معاني العلم ومعاني المعرفة، على الرغم من أنّ العلم يستخدم لإدراك المركّب، والمعرفة تقال لإدراك البسيط، ويُستعمل العلم في ما يُدرَك بوساطة كسْبٍ أو بلا وساطة، في حين تُستخدم المعرفة في ما يدرك بوساطة الكسب فقط.
والملاحظ أنّ ابن خلدون يستخدم فعل عرَف ومشتقاته بمعنى الإدراك بالعقل، من مثل تعريفه بعلم المنطق: “هو قوانين يُعرَف بها الصحيح من الفاسد في الحدود المعروفة للماهيات”( )، وبالمعنى ذاته في تعريف المناظرة، إذ يقول: “المناظرة من فروع الهندسة: وهو علم يتبيّن به أسباب الغلط في الإدراك البصريّ، بمعرفة كيفيّة وقوعها... بالبراهين الهندسيّة”( ).
وأما الصناعة فهي في مفهوم ابن خلدون، الحذق والمهارة المتعلقتان بقيام الإنسان بعمل مهنيّ، والتفنُّن فيه والاستيلاء عليه عبر الإحاطة بمبادئه وقواعده، والتصرُّف فيه سواء أكان يحتاج إلى مزاولة أم لا.
ومن الملاحظ أنّ ابن خلدون يستخدم الصناعة( ) في مجال كلامه على العلوم العملية، من مثل الفلاحة والطبّ، لكون هذه العلوم تحتاج إلى مزاولة، وتفضي إلى التفنُّن والمهارة والحِذق، بما يعني أن تتحول بعض العلوم من معارف نظرية إلى ملكات جسمانية ومهارات فنيّة، أو أن تتحوّل بعض الصناعات المهنية إلى صناعات نظرية من طريق التعليم مثلاً.

وأما البحث فهو بذل الجهد في موضوع ما، وجمع المسائل التي تتصل به. وتتضمّن الكلمة دلالات الطلب والسؤال والاستخبار والكشف. ولعل أصل معناها هو إثارة التراب والكشف عما تحته، ولهذا أطلقوا “البحث” على الحيَّة العظيمة لأنها تبحث في التراب( ). قال أحمد بن فارس “الباء والحاء والثاء أصل واحد يدلّ على إثارة الشيء، قال الخليل( ): البحث طلبك شيئاً في التراب، والبحث أن تسأل عن شيء وتستخبر تقول: استبحِثْ عن هذا الأمر، وأنا أستبحث عنه، وبحثت عن فلان بحثاً، وأنا أبحث عنه، والعرب تقول: ”كالباحث عن مِدْيَة” يُضرب لمن يكون حتفه بيده، وأصله في الثور تُدفن له المدية في التراب فيستثيرها وهو لا يعلم فتذبحه”( ). وقال أبو ذؤيب الهُذليّ( ) في هذا المعنى (الطويل):
ولا تكُ كالثـور الذي دُفِنَتْ له حديدة حتفٍ ثم ظلّ يثيرها( )
ولم ترِد كلمة “بَحَث” ومشتقاتها في القرآن إلا مرّة واحدة، في قوله تعالى: {           }( ). ومن الواضح أن فعل “يبحث” يدل في هذه الآية على إثارة التراب. غير أن الكلمة وردت في الحديث النبويّ الشريف للدلالة على إثارة التراب في قوله: “أن يبحث عنه في التراب”( ) وعلى معنى الاستعلام والاستخبار في “لئن قدمت مكة لأستبحثنّ عن هذا”( ).
وهكذا كانت كلمة البحث ومشتقاتها تأخذ طريقها في الاستخدام العام من معنى إثارة التراب والكشف عما تحته، إلى معنى الاستعلام والاستخبار عن أمر مجهول، وباتت تستخدم في الاصطلاح للدلالة على إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين المعلوم والمجهول من طريق إقامة الدليل. ويقول الشريف الجرجاني: “البحث لغة: التفحُّص والتفتيش. واصطلاحاً هو إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين الشيئين بطريقة الاستدلال”( ). وأتى التهانوي بمعنى مشابه لما أتى به الجرجاني؛ فقال: “البحث بسكون الحاء المهملة لغةً: التفحُّص، وفي اصطلاح أهل النظر يطلق على حمل شيء على شيء وعلى إثبات النسبة الخبرية بالدليل، وعلى إثبات المحمول للموضوع، وعلى إثبات العَرض الذاتي لموضوع العلم، وعلى المناظرة، وهي النظر إظهاراً للثواب”( ).
وعلى العموم فإن البحث في مفهومنا الحديث هو محاولة اكتشاف المعرفة والتنقيب عنها، وتنميتها بتقصٍّ دقيق، ويطلق على بذل الجهد في موضوع ما، وجمع المسائل المتصلة به، ومنه قولهم: البحث العلمي، وهو مجموع الطرق الموصلة إلى معرفة الحقيقة( ).
ويبدو أن ابن خلدون لم يبتعد في فهم معنى “البحث” عما اصطلح عليه أهل المنطق، وبخاصة لجهة إثبات العوارض التي تحصل لموضوع العلم، أي لجهة ما يلحق بالأجسام من حركة وسكون.

وأما القانون فهو مقياس كل شيء وطريقه، ولعل أكثر علماء اللغة الأوائل متفقون على أن “القانون” غير عربيّ، فقد أهمل الخليل وابن فارس الكلمة، واكتفى الجوهري بالقول: القوانين: الأصول، الواحد قانون، وليس بعربيّ( ). ونقل ابن منظور قول الجوهري، وأضاف: “وقانون كل شيء: طريقه ومقياسه. قال ابن سيده: وأراها دخيلة”( ). وفي حين أهمل الجواليقي الكلمة في المعرّب، فقد رأى صاحب الكليات أنّ “القانون” “كلمة سريانية بمعنى المسطرة، ثم نُقِل إلى القضيّة الكليَّة من حيث يُستخرج بها أحكام جزئيات المحكوم عليه فيها”( ). وأما الخفاجي فاعتبر الكلمة روميّة معرّبة، وقال :”القانون روميّ معرّب، معناه الأصل والقاعدة، وأصل معناه المسطرة، ثم سمّي به آلة من آلات الطرب على التشبيه كأنه مسطّر تحريرات النغم”( ).

وهكذا انتقلت كلمة “العلم” الخلدوني من معنى “الإدراك السطحي للأشياء، مع الحكم بالإثبات أو النفي، أو من دون حكم”، إلى دلالات جديدة تتمثل في التأمل العقلي والفحص والمعرفة الحاصلة بعد الفحص، بغية ضبط القوانين التي تحكم الأشياء. فضلاً عن الحذق والمهارة، أي كل ما تفرضه العلوم التي تحتاج إلى عمل يدوي ومزاولة وملكات جسمانية. ولعل هذه الدلالات الجديدة ناتجة من التقدم الذي حققته العلوم، بغضّ النظر عن كونها علوماً شرعية أو علوماً مدنية، وسواء أكانت علوماً نظرية أم علوماً عملية.
الملاحظ أن الألفاظ المستخدمة في مجال العلوم انتقلت في دلالاتها من المحسوسات إلى المجردات، من مثل الدلالات التي طرأت على كلمة “بحث” بانتقالها من إثارة التراب إلى معنى الاستعلام والاستخبار عن أمر مجهول، أو من مثل “المعرفة” الذي انتقل معناها من الإدراك بالشم إلى الإدراك بسائر الحواس، ثم إلى الإدراك بالعقل. غير أن اللافت أن تطور دلالات الألفاظ يسير في خط لولبي، حيث ينعكس تطور الحياة المادية انعكاساً غير مباشر.
ونأمل أن يكون من شأن مثل هذه الأبحاث أن تسهم في دراسة تطور لغتنا ألفاظاً وتراكيب، وتفتح للباحثين سبيلاً للكشف الميداني عما أنتجه أجدادنا، وطرائق تعاملهم مع الحضارة، لعلّنا نفيد منهم في حراك اللغة السريع لمواكبة العولمة، وللحفاظ على هويّة لغتنا، ودرء الأخطار المحدقة بها، تلك الأخطار التي نسهم في صنعها بإرادتنا أو بغير إرادتنا أحياناً كثيرة !

*هذه المقالة هي جزء من بحث يعده عدد من الباحثين
في قسم علوم اللغة والتواصل في الجامعة اللبنانية (lilas)



#حسن_اسماعيل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295


المزيد.....




- مساعدات روسية لمالي تشمل حبوبا وأسمدة ومحروقات
- حصيلة ضحايا الزلزال في تركيا وسوريا تتجاوز 3660 قتيلا في حصي ...
- زيلينسكي يعقد اجتماعا مع القيادة العسكرية لبحث الوضع في باخم ...
- مينسك: بناء كييف سياجا على الحدود بيننا مسألة -مكلفة وغير مج ...
- مسلمو روسيا ينظمون حملة تبرعات لمساعدة منكوبي الزلزال في سور ...
- بتوجيهات محمود عباس.. فلسطين توعز بإرسال فرق للمشاركة في إنق ...
- بوليانسكي: سنحقق أهدافنا في أوكرانيا بوسائل عسكرية إن استمر ...
- في كندا.. حفل تأبيني واستذكار انقلاب 8 شباط الفاشي الأسود
- لماذا تتكرر الزلازل في تركيا؟
- علماء: لهذه العوامل كان زلزال تركيا وسوريا بهذا الدمار!


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن اسماعيل - في مفهوم العلم الخلدوني