حادث كنيسة الكرك الإرهابى لن يكون الأخير


مصطفى راشد
الحوار المتمدن - العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 10:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

حادث كنيسة الكرك لن يكون الأخير.. ما لم نواجه الفكر المتطرف ونُصحّح الخطاب والموروث الديني
----------------------------------------------
بقلم المستشار د / مصطفى راشد   عالم أزهرى
كلما وقع اعتداء على كنيسة، أو استُهدف إنسان بسبب دينه أو مذهبه، تتكرر الإدانات، وتعلو أصوات الاستنكار، ثم تهدأ العاصفة بعد أيام ونعود إلى حياتنا الطبيعية، منتظرين حادثًا جديدًا يعيد إلينا السؤال القديم: من أين يأتي كل هذا التعصب؟
إن حادث كنيسة الكرك، وغيره من حوادث العنف والكراهية ذات الدوافع الدينية، يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد واقعة أمنية منفصلة، بل جرس إنذار يستوجب البحث في البيئة الفكرية والثقافية التي يمكن أن تسمح للتطرف بالنمو.
الأمن يواجه الجريمة.. والفكر يواجه التطرف
لا خلاف على ضرورة وجود أجهزة أمن قوية تحمي الكنائس والمساجد ودور العبادة والمواطنين جميعًا، وتلاحق كل من يخطط لعمل إرهابي أو يعتدي على الأبرياء. لكن الأمن، مهما بلغت قوته، يتعامل غالبًا مع المتطرف عندما يتحول فكره إلى سلوك أو جريمة.
أما المعركة الأعمق فتبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ في المدرسة، والجامعة، والمنبر الديني، والكتاب، والفضاء الإلكتروني، والإعلام، والأسرة. تبدأ عندما يتعلم الطفل كيف ينظر إلى المختلف عنه: هل يراه شريكًا في الوطن والإنسانية، أم خصمًا ينبغي كراهيته؟
لهذا فإن مواجهة الإرهاب بالسلاح وحده لا تكفي. نحن بحاجة إلى مواجهة المنابع الفكرية التي تمنح الكراهية غطاءً دينيًا أو أخلاقيًا.
هناك خطأ كبير يقع فيه البعض حين يعتبر أي دعوة إلى مراجعة الخطاب أو الموروث الديني اعتداءً على الدين نفسه.
الدين شيء، وما كتبه البشر وفهموه واجتهدوا فيه عبر القرون شيء آخر.
التراث الديني نتاج عصور مختلفة، وفيه ثروة فكرية وفقهية وحضارية كبيرة، لكنه يظل عملًا بشريًا قابلًا للدراسة والنقد والمراجعة. وما كان مفهومًا في ظروف سياسية واجتماعية قبل مئات السنين قد يحتاج إلى إعادة قراءة عندما يُنقل إلى دولة حديثة يعيش فيها مواطنون من أديان ومذاهب وثقافات متعددة.
والمراجعة الجادة لا تعني حذف التراث أو إهانة العلماء السابقين، وإنما التمييز بين المقدس والاجتهاد البشري، وبين ما يخدم قيم العدل والرحمة اليوم وما ارتبط بظروف تاريخية مختلفة.
المشكلة تبدأ من ثقافة إقصاء الآخر
فلا يكفي أن نقول للشباب إن قتل المسيحي أو المسلم أو اليهودي أو غير المؤمن جريمة، بينما نسمح في الوقت نفسه بخطاب يحتقر المختلف أو يشكك في إنسانيته وحقوقه.
فالمسافة بين الكراهية والعنف قد تصبح قصيرة عندما يجد الإنسان من يقنعه بأن المختلف عنه عدو لله أو للوطن.
ولهذا فإن مكافحة التطرف تبدأ من حماية كرامة الإنسان بصرف النظر عن دينه ومذهبه وجنسه وأصله، وترسيخ قاعدة بسيطة: المواطن لا تزيد حقوقه ولا تنقص بسبب عقيدته.
لذا نحتاج إلى مشروع ثقافي وتعليمي
والإصلاح الحقيقي ليس مهمة وزارة الأوقاف أو المؤسسات الدينية وحدها. إنه مشروع دولة ومجتمع تشترك فيه وزارات التعليم والثقافة والإعلام والجامعات والمؤسسات الدينية والفن والأدب.
نحتاج إلى تعليم الطفل التفكير والنقد والحوار بدل الحفظ والتلقين وحدهما. نحتاج إلى أن يعرف في المدرسة العلماء والمفكرين والأطباء والأدباء والفنانين وصُنّاع الحضارة، وأن يتعلم أن البطولة ليست في حمل السلاح فقط، وإنما قد تكون في اكتشاف دواء، أو كتابة كتاب، أو إنقاذ حياة، أو الدفاع عن حرية وكرامة إنسان.
ونحتاج كذلك إلى فتح المجال أمام المفكرين والتنويريين والباحثين لمناقشة الأفكار المتشددة بالحجة، لأن الفكرة لا تُهزم بمنع النقاش، وإنما بفكرة أكثر عقلانية وإنسانية وقدرة على الإقناع.
وأن حماية الكنيسة هو حماية للمسجد والوطن
عندما تُستهدف كنيسة بسبب هوية مَن بداخلها، فالقضية لا تخص المسيحيين وحدهم، تمامًا كما أن الاعتداء على مسجد لا يخص المسلمين وحدهم.
الاعتداء على أي دار عبادة هو اعتداء على حق الإنسان في الأمان والعبادة، وعلى فكرة الدولة نفسها.
والدولة الحديثة لا تسأل المواطن عن عقيدته قبل أن تحميه، ولا تفرق بين دم مسلم ومسيحي أو صاحب أي معتقد آخر. فالدم الإنساني واحد، والقانون يجب أن يكون واحدًا، والكرامة الإنسانية لا دين لها.
إن حادث كنيسة الكرك لن يكون الأخير إذا اكتفينا بعد كل مأساة ببيانات الإدانة وانتظرنا المأساة التالية.
المطلوب ليس حربًا على الدين، بل حرب على توظيف الدين في صناعة الكراهية. وليس المطلوب هدم التراث، بل قراءته بعقل نقدي يفرّق بين المقدس والاجتهاد البشري.
فالأوطان لا يحميها الأمن وحده؛ يحميها أيضًا عقلٌ يرفض التكفير، ومدرسةٌ تُعلّم التسامح، ومنبرٌ يحترم المختلف، وإعلامٌ ينشر الوعي، وقانونٌ يحمي الجميع بلا تمييز.
وعندما يصبح الإنسان أغلى من اختلافاته الدينية والمذهبية، نكون قد بدأنا بالفعل في تجفيف منابع التطرف بدل انتظار ضحيته القادمة.