تجربتي مع بعض الكائنات البشرية


كاظم فنجان الحمامي
الحوار المتمدن - العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 13:29
المحور: سيرة ذاتية     

انهارت مُربّية في حديقة الحيوانات باكيةً خلال نوبتها الأخيرة. . .
فطوال 22 عاماً كانت تصل قبل شروق الشمس، وتُخصِّص كل يوم لرعاية المجموعة نفسها من الأفيال. ساعدت في ولادة صغارها، عالجت الإصابات، بقيت إلى جانبها في العواصف والأمراض والزوار الذين لا يُحصَون.
بالنسبة لها، لم يكونوا مجرد حيوانات، بل كانوا عائلة. عندما جاء يوم التقاعد في نهاية المشوار، وعدت نفسها ألا تبكي. قضت الصباح تودّع زملاءها وتشكر الزوار. لكن عندما وصلت إلى موطن الأفيال للمرة الأخيرة، غلبتها مشاعرها. شاهد المارة كيف وقفت بهدوء قرب السياج تمسح الدموع عن وجهها. عندها حدث شيء غير متوقَّع. فقد مشى نحوها أقدم الفي ببطء، ثم لحقه فيل آخر، ثم آخر. خلال دقائق قليلة تجمّع القطيع كله قرب السياج. ساد الصمت بين الزوار بينما اصطفّت الأفيال في صفّ مباشرة أمامها. مدّ أقدمهم خرطومه برفق عبر الحاجز. وضعه على كتفها. عندها انفجرت المُربّية بالبكاء.
ما حدث بعد ذلك التقطته عشرات الهواتف. واحداً تلو الآخر، مدّت الأفيال خراطيمها كأنها تقول وداعاً. بقي بعض الأفيال واقفين إلى جانبها لما يقارب عشرين دقيقة من دون أن يتحركوا. قال موظفو الحديقة لاحقاً إنهم لم يسبق أن رأوا القطيع يتصرّف بهذه الطريقة من قبل. وعندما ابتعدت أخيراً، بقيت الأفيال عند السياج تراقبها حتى اختفت عن الأنظار.

عملت هذه المرأة 22 عاما مع قطعان الأفيال. وعملت أنا 44 سنة بمل أمانة واخلاص مع بعض الكائنات البشرية، فرأيت من بعضهم ما لا يتصوره العقل، ولا يخطر على البال.
أصعب شيء في الحياة أن تعيش غريبا بين من أفنيت حياتك لأجلهم. ثم يكسرك الزمان على يد الذين كنت تظنهم حصنك وسندك، ثم يختفي معظمهم ولم يبق بجانبك إلى القلة القليلة من الأوفياء.
لم ترعبني قسوتهم بقدر ما أخافتني قدرتهم على ارتداء أقنعة اللطف حينما يزيدون منك شيئا.
يتساقطون عاماً بعد عام. بعضهم يسقط من القلب، وبعضهم من الذاكرة، وبعضهم يسقط من العين، حتى اكتشفت ان السعادة ليست في عدد الكائنات البشرية، بل في قيمتهم، وفي مواقفهم.

كنت اعتقد أن اسوأ ما قد يفعله الانسان هو أن يخون أو يخذل. لكنني عرفت وجوها أشد قسوة:
- أن يتقن احدهم الكذب وهو ينظر في عينيك ممسكا بيديك.
- أن يطمنئك بينما يرتب في الخفاء لطعنك.
فالمخيف في الانسان ليس شره، بل ذلك الوجه الهادئ الذي يتقن ارتداءه حتى اللحظة الاخيرة. .

وما ان اكتشفت (بعد عمر طويل) ان كل ما قدمته لهم لم يكن كافيا. توقفت عن تقديم المزيد. قررت الغياب، ثم تركت لهم الفراغ يروي لهم قيمة حضوري من عدمه. .