مهندس من البصرة بوشاح أخضر


كاظم فنجان الحمامي
الحوار المتمدن - العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 10:20
المحور: سيرة ذاتية     

سار المهندس الزراعي الاقدم (محمد فالح البيضاني) على النهج الذي رسمته السيدة (ونغاري ماتاي), تلك الزنبقة السوداء, التي تسلقت سلم المجد في كفاحها الطويل, فاستحقت جائزة نوبل للسلام عام 2004, ومنحتها الحكومة الفرنسية أعلى أوسمة الشرف عام 2006, واختارها الاتحاد الأوربي مستشارة له, وعينتها أكثر من عشرة أقطار أفريقية سفيرة للنوايا الحسنة, فصارت نجمة كونية تتلألأ فوق مدار خط الاستواء. .
تحت ظلال الكينوكاربس.

فقد حقق (البيضاني) من الانجازات الزراعية الباهرة في بضعة أعوام, ما لم يحققه غيره في ربع قرن, فعلى الرغم من حداثة تعيينه في مديرية زراعة البصرة قبيل حلول عام 2009 ببضعة أسابيع, وعلى الرغم من بداياته المتواضعة في ممارسة الأنشطة الحقلية, التي ابتعد عنها منذ تخرجه عام 1982, إلا انه عاد بقوة بعد أن أمضى سنوات في الأعمال الحرة, فوجد ضالته في شجرة (الكينوكاربس), تلك الشجرة الاستوائية, التي يسمونها في اليمن (داماس), ولم يمض عام واحد على التحاقه بشعبة البستنة والغابات, في (كرمة علي), حتى استطاع أن ينتج منها أكثر من أربعين ألف شتلة منفصلة, جميعها صالحة للتعايش والنمو في أجواء البصرة, ومن النوع القادر على مقاومة الملوحة المتفاقمة في مياه شط العرب.
شقت هذه الشتلات طريقها إلى حدائق المؤسسات الحكومية, وجرى توزيعها مجانا, بموجب خطة مركزية تبنتها المديرية, وتحت إشرافها, ثم باعوا المتبقي منها بيعا مباشرا بأسعار رمزية, فحققوا بهذه الخطوة إيرادا ماليا مقبولا لصالح الشعبة الزراعية.

كان (البيضاني) أول من نجح بإنتاج الكينوكاربس بأعداد هائلة, وأول من استطاع التغلب على مشاكلها المعقدة, فنجح في إكثارها بالأقلام, وبادر على الفور إلى تدريب العاملين معه, فهيأ كوادره الحقلية القادرة على مواصلة مشواره الحقلي في البيوت الزجاجية والأنفاق البلاستيكية.

لم يكن (البيضاني) يعلم بتفاصيل المعركة الميدانية, التي خاضتها (ونغاري) لوحدها ضد انحسار الغابات الإفريقية, عندما أعدت العدة لخوض معاركها البيئية الشاملة قبل أكثر من ربع قرن, منطلقة من حديقتها المنزلية الصغيرة, وكانت نقطة البداية عام 1977 بزراعة تسع شجيرات حول منزلها, ثم انخرطت في العام التالي بأكبر حملات التشجير وأوسعها, وقادت حركة الحزام الأخضر على نطاق واسع في المدن الكينية. .

اقتفى (البيضاني) أثرها من دون أن يعلم بانجازاتها, ومن دون أن يسمع بها. فاستطاع أن يتسلق أول مراحل النجاح نحو الأعلى عندما تبوأ المراكز الأولى في تشجير البصرة وتزيينها.

لقد بدأت (ونغاري) مشاريعها الانباتية بتسع شجيرات فقط, وبدأ (البيضاني) بأربعين ألف شتلة. وما ان التحق بشعبة البستنة والغابات, حتى بادر إلى إحياء حدائق البصرة, وسعى لتزيينها بأزهار (الداوودي) بألوانها المشرقة الخلابة, فشمّر عن ساعديه, وتفرغ تماماً لإكثار الزهرة بكل أجزائها الخضرية على مدار العام وفي كل الفصول, واستطاع أن ينتج منها آلاف الشتلات, وزعتها مديرية زراعة البصرة مجاناً على المراكز الحكومية. .

ثم أدرك (البيضاني) مكانة شجرة السدر في قلوب الناس, فكرّس اهتماماته في ابتكار طرق جديدة لإكثارها في الأطباق المخصصة لزراعة الطماطة, ثم قام بنقلها في مرحلة لاحقة إلى الأكياس الزراعية, فاستمر بإنتاجها حقليا في كل الفصول. حتى استطاع أن ينتج منها الآلاف تحت ظروف خاصة, وفرتها له البيوت الزجاجية والمستحضرات المختبرية الحديثة. .

قررت مديرية زراعة البصرة تكريم (البيضاني) فشملته برعايتها الوظيفية, ونصبته مديراً لشعبة البستنة, لكنه لم يغادر الحقل إلى مكتبه الإداري, بل تعمّقت جذوره بالعمل الميداني, فكان يرتدي الملابس الحقلية, ويباشر عمله اليومي الميداني ابتداء من الساعة السابعة صباحا ولغاية انتهاء الدوام الرسمي.
فأضاف لبرنامجه الحقلي مشروعا جديداً, لإنتاج السماد العضوي (الكومبوتس), بجمع مخلفات النباتات مع الفضلات الحيوانية المتحللة, وتخزينها في طبقات تراكمية, تحت ظروف تتوفر فيها العتمة والرطوبة. .

ثم كانت له صولة اخرى في سواحل رأس البيشة، التي ظلت جرداء متضحلة على مدى السنوات الماضية، وظلت مياه المد العالي تغمرها مرتين باليوم، وتهجرها مياه الجزر الواطي مرتين باليوم، فتتراكم الرواسب والمواد الغرينية داخل تجاويفها الخالية من كل زرع ونبت حتى جاء اليوم الذي انبرى فيه (البيضاني) حينما تبنى فكرة لا تخطر على البال، تمثلت بغرس شجيرات المانغروف، تلك الشجيرة العجيبة المقاومة للمياه المالحة، فشد الرحال إلى سواحلنا الطينية في مدينة الفاو. حاملا معه البذور والشتلات، متجشما الصعاب، متحملا التكاليف والنفقات من موارده المالية المحدودة، فباشر بالتنفيذ فور وصوله. .

خاض (البيضاني) بنفسه الأوحال والأطيان متحديا المخلفات الحربية التي ابتلعتها الشواطئ. .
كنا نتابع خطواته لحظة بلحظة، ومع مرور الوقت بدأنا نشعر ببوادر المتغيرات الإيجابية التي طرأت على الضفة العراقية، كانت الشتلات تواصل نموها، فتزداد عمقا وحجما ونضارة. .
نراها تتسع وتنتعش كل يوم اثناء عملنا الدؤوب على متن السفن والزوارق المارة بالمنطقة. وما هي إلا بضعة اشهر حتى اكتسبت الضفاف حلة خضراء تسر الناضرين، واكتسبت ثباتا وقوة في مواجهة التيارات العنيفة. .
ثم باشر مرة اخرى بتوسيع نطاق عمله شمالا وجنوبا حول مقتربات سواحلنا الجنوبية. .

اما الآن وبعدما اكتمل مشروعه الوطني بامكانياته الذاتية فإننا نتطلع إلى الشركة العامة لموانئ العراق والى وزارة النقل آملين ان يستعينوا بجهود هذا الرجل المبدع لإكساء سواحل ميناء الفاو بأحزمة خضراء تعتاش على مياه البحر ولا تحتاج إلى اي رعاية استثنائية، فالمانغروف شجيرة خلقها الله جل شأنه لتقاوم مياه البحر، وتضفي لمسات ساحرة على الواجهات المينائية. .