إعلام -المنطلقات المسبقة-: حين يغتال الانحياز المهنية


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 10:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

"لا أخلاق ولا حياء ولا مهنية عند مراسلي كل الفضائيات العربية بلا استثناء. حين يذكرون قصف حزب الله لإسرائيل كما لو بفخر، ويسمون ردود إسرائيل عليها "اعتداءات". وتسير معهم على هذا الدرب الملايين العربية!!
هم يرون وبصورة تلقائية تبدو لهم طبيعية، أن إسرائيل لا حق لها في الوجود. وبالتالي من حق العرب والمسلمين إيذاؤها بكل السبل. وأن الطبيعي ألا يعتبر أي إيذاء لها عدواناً. وأن أي رد فعل مضاد منها هو العدوان."

في عالم الصحافة، يُفترض أن يكون "المصطلح" هو الأداة الأكثر دقة وحيادية، لكن في الفضاء الإعلامي العربي، تحول المصطلح إلى سلاح سياسي بامتياز. المراقب لتغطية الصراع الحالي يجد نفسه أمام مشهد يفتقر لأدنى معايير المسافة النقديّة، حيث تُصاغ الأخبار بناءً على أحكام قيمية مسبقة، لا على الوقائع المجردة.

1. ازدواجية المصطلح: "بطولة" هناك و "اعتداء" هنا
تتجلى غياب المهنية في تبني لغة عاطفية احتفالية عند تناول عمليات حزب الله تجاه إسرائيل. يتم تصوير إطلاق الحزب القذائف كفعل مشروع وتلقائي، بينما يُصنف الرد الإسرائيلي فوراً كـ "عدوان" أو "اعتداء". هذا التنميط لا يعكس الواقع العسكري بقدر ما يعكس رغبة الوسيلة الإعلامية في إرضاء غرائز الشارع، مما يحول المراسل من ناقل للحدث إلى "جندي إعلامي" في معركة لا يملك أدواتها.

2. جذر المشكلة: إنكار الحق في الوجود
إن هذا الاختلال المهني ليس مجرد سقطة لسان، بل هو نتاج عقيدة متجذرة ترى أن إسرائيل كيان فاقد للشرعية الوجودية.
• بموجب هذه الرؤية، يصبح أي فعل ضدها "حقاً طبيعياً" لا يخضع للمساءلة الأخلاقية.
• تلقائياً، يُسلب من الطرف الآخر حق "الدفاع عن النفس"، لأن الوجود نفسه في نظرهم هو الجريمة الأولى.
هذا المنطق الإقصائي يجعل من المستحيل إنتاج تغطية صحفية متوازنة، لأن "الميزان" نفسه معطل منذ البداية.

3. الجماهير والتبعية العاطفية
لا يتحمل الإعلام المسؤولية وحده، بل إن ملايين المشاهدين يغذون هذا النهج. هناك حالة من "التواطؤ الوجداني" بين الشاشة والجمهور. فالجمهور لا يريد الحقيقة بقدر ما يريد تأكيد انتماءاته. والمؤسسات الإعلامية، بحثاً عن "التريند" ونسب المشاهدة، تبيع للناس ما يريدون سماعه، وليس ما يجب عليهم معرفته.
4. غياب الأخلاق المهنية (Étics)
المهنية تقتضي تسمية الأمور بمسمياتها:
• القصف هو قصف.
• الاستهداف هو استهداف.
• الضحايا المدنيون هم بشر، بغض النظر عن جنسيتهم.
عندما يفقد المراسل القدرة على رؤية "الإنسان" في الطرف الآخر، فإنه يفقد أهليته المهنية ويتحول إلى بوق للدعاية (Propaganda).

إن ما نراه اليوم هو "تردي حضاري" في كل من العقلية والخطاب الإعلامي العربي. حيث يتم التضحية بالحياء المهني والأخلاق الإنسانية على مذبح الشعارات.
إن الاستمرار في إنكار الواقع السياسي والقانوني لن يغير من الحقائق على الأرض، بل سيظل يغرق العقل العربي في دوامة من التضليل الذاتي الذي لا ينتج سوى الهزائم.