صراع الخير والشر: صيرورة أزلية


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 09:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

بغض النظر عما اتضح من شبه استحالة القضاء التام على نظام ملالي إيران وحزب الله وحماس و……إلخ
فإن الشر في العالم باق مابقيت الحياة والبشر!!

منذ أن وطئت قدم الإنسان هذه الأرض، والقصة الكبرى تُكتب بمداد من التضاد؛ ليل ونهار، حق وباطل، بناء وهدم.
وفي خضم التحولات السياسية الكبرى التي نشهدها اليوم، وصعود وسقوط القوى والأيديولوجيات —سواء كانت أنظمة ثيوقراطية أو تنظيمات مسلحة— يبرز تساؤل فلسفي ووجودي عميق: هل الشر قدرٌ محتوم لا ينفك عن الوجود البشري؟

الشر كجزء من النسيج الإنساني
إن محاولة تخيل عالم "خالٍ تماماً من الشر" هي محاولة لمصادرة الطبيعة البشرية ذاتها. فالإنسان، بتركيبته النفسية المعقدة، يحمل في طياته بذور الأنانية، وحب السيطرة، والرغبة في الاستحواذ.
• التدافع كقانون كوني: لا يمكن للحياة أن تستقيم دون تدافع؛ فلو غاب التحدي لغابت دوافع التطوير والبحث عن العدالة.
• تغير الوجوه وثبات الجوهر: قد تسقط إمبراطورية، أو يزول نظام توسعي، أو ينتهي فصيل مسلح، لكن "الفكرة" التي تسببت في نشوئهم —سواء كانت مظلومية، أو رغبة في التوسع، أو تطرفاً أيديولوجياً— ستجد دائماً وعاءً جديداً لتسكن فيه.
استحالة "الخلاص النهائي" في السياسة
في السياسة الدولية، غالباً ما ترفع القوى الكبرى شعارات "القضاء التام على الشر"، لكن الواقع يثبت أن المصالح والتقاطعات الجيوسياسية تجعل من "الاستئصال الكامل" ضرباً من الخيال.
1. الفراغ لا يبقى فراغاً: تاريخياً، كلما تم تحطيم قوة يراها البعض شراً، ظهرت في أعقابها قوة أخرى قد تكون أكثر ضراوة، لأن الجذور الاجتماعية والاقتصادية للنزاع تظل قائمة.
2. الشر كأداة وظيفية: في كثير من الأحيان، يُترك "الشر" ليعيش لأنه يخدم توازنات القوى؛ فوجود عدو خارجي هو المحرك الأساسي لتماسك الجبهات الداخلية ونفوذ الدول.

"إن السلام ليس غياب الصراع، بل هو القدرة على التعامل مع الصراع بوسائل سلمية." — رونالد ريغان

هل نحن محكومون باليأس؟
إذا كان الشر باقياً ما بقيت الحياة، فهل يعني ذلك الاستسلام؟ بالطبع لا. إن الوعي بحتمية وجود الشر ليس دعوة للقنوط، بل هو دعوة لـ "الواقعية الأخلاقية". نحن لا نحارب الشر لننهيه من الوجود تماماً (فهذا مستحيل)، بل نحاربه لنحدّ من تغوله، ولنحمي المساحات الخضراء في هذا العالم من أن يبتلعها السواد.
خاتمة: صراع الوجود
سيبقى العالم مسرحاً لصراعات لا تنتهي؛ ستتغير المسميات من "ملالي" و"أحزاب" و"منظمات" إلى مسميات أخرى يفرزها المستقبل. لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الشر ليس خللاً في النظام، بل هو جزء من المعادلة. وقوة المجتمعات لا تُقاس بمدى خلوها من الأشرار، بل بمدى قدرتها على الصمود أمامهم، ومنعهم من تحويل العالم إلى غابة كاملة.
الشر باقٍ، لكن إرادة الخير —التي تقابله دوماً— هي التي تمنح لهذه الحياة معناها واستمرارها.