حكاية الدجاجة والبيضة مع القاهر والمقهور


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 23:52
المحور: قضايا ثقافية     

أيهما السبب وأيهما النتيجة:
استبداد الحكام أم خنوع الشعوب؟
أم كليهما سبب ونتيجة معاً؟

بين استبداد الحاكم وخنوع الشعوب علاقة أزلية أشبه بمعضلة "الدجاجة والبيضة"؛ أيهما سبق الآخر؟ هل يصنع المستبدُّ شعباً خاضعاً، أم أن قابلية الشعب للاستكانة هي التي تغري الحاكم بالاستبداد؟
إن تحليل هذه الجدلية يكشف عن دائرة مغلقة من التأثير المتبادل، حيث لا يمكن فصل السبب عن النتيجة بشكل قاطع.
1. الاستبداد كمصنع للخنوع (الحاكم كسبب)
يرى الجانب الأول أن السلطة المطلقة هي التي تُشكل وعي الشعوب وتدجنها. حين يمتلك الحاكم أدوات القمع، والإعلام، والمناهج الدراسية، فإنه يعمل على:
• تجريف الوعي: غرس فكرة أن المعارضة خيانة، وأن "ولي الأمر" هو المخلص الوحيد.
• سياسة التخويف: استخدام العنف المفرط لكسر إرادة التغيير، مما يولد "سيكولوجية المقهور" التي تميل للسلامة والانسحاب.
• الإفقار الممنهج: إشغال الشعوب بلقمة العيش بحيث لا يملكون ترف التفكير في الحقوق السياسية.
في هذه الحالة، يكون الاستبداد هو السبب الذي حوّل الشعوب الحية إلى كتل خامدة بفعل القهر التراكمي.
2. القابلية للاستعمار والخنوع (الشعب كسبب)
على الجانب الآخر هناك فكرة "القابلية للخضوع" أو "القابلية للاستبداد". والذي قد يكون موروثاً لشعب ما عبر أحقاب زمنية طويلة. بحيث يمكن اعتباره ملمحاً هوياتياً، يدفع للظن باحتمال أن يكون إرثاً بيولوچياً جينياً.
هنا، يُعتبر خنوع الشعوب هو الذي يستدعي الطاغية وينتج الطغاة. هو التربة الخصبة التي ينمو فيها الطاغية:
• غياب الوعي الحقوقي: عندما يجهل الشعب حقوقه الأساسية، فإنه يقبل "العطايا" بدلاً من المطالبة بـ "الحقوق".
• الثقافة السائدة: في المجتمعات الأبوية التي تقدس كبير العائلة أو القبيلة أو الحاكم المعين من قبل الإله لرعاية قطيعه، تساهم الموروثات الاجتماعية أو التفسيرات الدينية الخاطئة في تمجيد القوة واعتبار الخضوع فضيلة، والخروج عليه "فتنة" يجب تجنبها.
• التواكل: حين ينتظر الشعب "بطلاً مخلصاً" بدلاً من العمل الجماعي، فإنه يمنح أي مغامر فرصة لركوب الموجة والتحول إلى مستبد جديد.
هنا، يصبح الخنوع هو السبب الذي استدعى المستبد لملء الفراغ.
3. الجدلية التبادلية: الدائرة المفرغة
الحقيقة الأكثر دقة هي أن الطرفين يتبادلان الأدوار في حلقة مفرغة من التغذية الراجعة. لا يوجد مستبد يستطيع البقاء دون "قاعدة" من الخانعين أو المنتفعين، ولا يوجد خنوع يستمر طويلاً دون "سوط" يسلطه المستبد.
يمكن تلخيص هذه العلاقة في النقاط التالية:
1. التكيف المتبادل: المستبد يكيف القوانين ليحمي ظلمه، والشعب يكيف أخلاقه ليتعايش مع هذا الظلم.
2. صناعة الوهم: المستبد يوهم الشعب بأنه حاميه من الفوضى، والشعب يوهم نفسه بأنه "صبور" وليس "عاجزاً".
3. النظام الشمولي: في الأنظمة الموغلة في القدم، يصبح الاستبداد والخنوع "ثقافة عامة" يتوارثها الحكام والمحكومون على حد سواء، بحيث يصبح التغيير صدمة للطرفين.

هكذا لا يمكننا الجزم بأن أحدهما هو السبب المطلق والآخر هو النتيجة. هما وجهان لعملة واحدة تسمى "غياب الحرية". فالمستبد هو إنسان وجد ثغرة في وعي شعبه فتمدد فيها، والشعب الخانع هو مجموعة أفراد تنازلوا عن إرادتهم فاستحقوا من يقودهم بالسوط.
إن كسر هذه الدائرة لا يبدأ بتغيير رأس السلطة فحسب، بل بإنهاء "حالة الخنوع" في العقول، لأن الحاكم المستبد ما هو إلا مرآة لخلل عميق في بنية المجتمع، أو كما يقول الكواكبي: "كما تكونوا يُولى عليكم".