أمريكا ترامب: بين الارتجالية المؤسسية


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 00:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

سؤال ملح يتبادر إلى الذهن الآن، فيما نراه من إصدار ترامب لقرارات وتراجعات تجعل الأمور تبدو كما لو توجه بطريقة ارتجالية.
هل تراجع دور المؤسسات الأمريكية المتخصصة في صناعة القرار، أم الأمر أعمق مما يظهر من ارتجالية، والمؤسسات تمارس دورها المعتاد في صناعة القرار؟

1. صدام المنهجيات: المؤسسة ضد "الرجل الواحد"

تاريخياً، تعتمد صناعة القرار الأمريكي على مسارات بيروقراطية معقدة تمر عبر مجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع، والخارجية، والاستخبارات.
ما يراه البعض "ارتجالية" هو في الواقع صدام بين منهجين:
• منهج المؤسسة: الذي يميل للبطء، والتروي، والحفاظ على الوضع القائم (Status Quo).
• منهج القيادة الحالية: الذي يعتمد على "تكتيك الصدمة" وتجاوز القنوات التقليدية لفرض واقع جديد بسرعة، وهو ما يظهر كأنه عشوائي لكنه يهدف غالباً لخلخلة ملفات راكدة.

2. التراجع أم إعادة الهيكلة؟

المؤسسات الأمريكية لم تتراجع، بل هي في حالة "مقاومة وتكيف". القول بأن المؤسسات انتهى دورها هو تسطيح للواقع؛ فالمؤسسات (مثل البنتاغون أو الاحتياطي الفيدرالي) لا تزال تمتلك مفاتيح التنفيذ. ما يحدث هو أن القمة السياسية تحاول تقليص نفوذ "البيروقراطيين" لصالح دوائر ضيقة من المستشارين الموثوقين، مما يخلق فجوة تظهر في صورة قرارات متناقضة أحياناً.

3. سياسة "حافة الهاوية" والتراجع التكتيكي

الكثير مما يوصف بالارتجالية هو في الحقيقة تطبيق لنظرية "الرجل المجنون" (Madman Theory) في السياسة الدولية. حيث يتم اتخاذ قرار متطرف للحصول على أكبر قدر من التنازلات، ثم يحدث "التراجع" الذي يراه البعض ارتباكاً، بينما يراه صانع القرار "هبوطاً آمناً" بعد تحقيق مكاسب تفاوضية. هنا، المؤسسات تمارس دورها في "ضبط الإيقاع" ومنع الانزلاق نحو كوارث حقيقية.
هل لا تزال المؤسسات تحكم؟
على الرغم من الصخب الإعلامي، تظل هناك حقائق تثبت قوة المؤسسة:
• الميزانيات والتشريعات: لا يزال الكونجرس والمؤسسات المالية هي من يحدد المسارات الطويلة الأمد.
• القيود القانونية: القضاء الأمريكي أثبت مراراً قدرته على كبح القرارات "الارتجالية" التي تخالف الدستور.
• الأمن القومي: في القضايا الوجودية، تظل الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية هي البوصلة التي تصحح المسار خلف الكواليس.

الخاتمة: "فوضى منظمة" لا ارتجالية محضة
ما نشهده ليس غياباً للمؤسسات، بل هو تغيير في شكل العلاقة بين الرئيس والمؤسسة. نحن أمام مرحلة يتم فيها استخدام "الارتجالية" كأداة سياسية لكسر الجمود البيروقراطي.
إن المؤسسات الأمريكية لم تمت، لكنها تخوض معركة شرسة لإثبات جدواها في عصر يميل فيه الجمهور والقادة إلى السرعة والنتائج المباشرة على حساب الإجراءات الرصينة. الارتجالية التي نراها هي "القشرة" الخارجية، أما اللب فلا يزال صراعاً معقداً بين إرادة التغيير الجذري وقوة المؤسسات التي ترفض الانحناء.

الخلاصة: المؤسسات لا تزال تمارس دورها، لكنها تفعل ذلك الآن كـ "كوابح طوارئ" أكثر منها "محركات توجيه"، مما يجعل المشهد العام يبدو مضطرباً وغير مستقر.